مقدمة:
دخل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق في زيارة هي الأولى من نوعها لأمين عام للمنظمة الدولية منذ عام 2009، وذلك في السادس والعشرين من تموز/يوليو 2026. ولم تكن هذه الزيارة محطة بروتوكولية في جدول أعمال دبلوماسي مزدحم، بل حملت في طياتها اعترافاً ضمنياً بالتحول الجذري الذي شهده المشهد السوري منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وفتحت نافذة أمل أمام سورية لاستعادة موقعها في المنظومة الدولية بعد عقد ونيف من العزلة والحرب.
بيد أن قراءة هذه الزيارة بمنظور موضوعي تستوجب الوقوف بعيداً عن النشوة الإعلامية أو التشكيك المسبق. فالمسار الذي قطعته سورية خلال تسعة عشر شهراً من المرحلة الانتقالية حافل بإنجازات حقيقية، لكنه أيضاً مليء بالتحديات الهيكلية التي تختبر مدى قدرة الدولة الجديدة على تحويل وعودها إلى مؤسسات قادرة على احتواء التنوع السوري وضمان حقوق جميع مكوناته.
وفي هذا السياق، تقدم زيارة غوتيريش فرصة ذهبية لدفع عجلة التعافي، شريطة أن تُقرأ بوعي استراتيجي يربط بين الدعم الدولي والإصلاح الداخلي، وبين الانفتاح الخارجي وبناء الدولة من الداخل.
السياق التاريخي:
إذا كانت سورية قد احتلت لعقد ونيف مقعداً دائماً في قائمة أولويات مجلس الأمن بوصفها دولة أزمة، فإن زيارة غوتيريش تمثل تحولاً في هذه العلاقة.
فبعد سنوات من التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان، ها هي المنظمة الدولية تبعث بأرفع مسؤوليها لتأكيد "الوقوف إلى جانب سورية في هذه اللحظة المحورية". ووصف غوتيريش الزيارة بأنها "زيارة تضامن"، داعياً المجتمع الدولي إلى "بذل كل جهد لدعم الشعب السوري".
لكن هذا التحول لم يأت من فراغ، فسورية الجديدة قطعت شوطاً مهماً في إعادة بناء علاقاتها الدولية، بدءاً من مشاركة الرئيس أحمد الشرع في الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي، كأول رئيس سوري يخاطب المنظمة منذ عقود، وصولاً إلى سلسلة الزيارات رفيعة المستوى التي سبقت غوتيريش، بما فيها زيارة مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، ورئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي.
غير أن هذه الانفتاحات تبقى هشة ما لم ترافقها إصلاحات مؤسسية عميقة تكسبها الاستدامة والثقة، محلياً ودولياً، وتؤسس لعلاقة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام القانون الدولي.
الانتقال من الإغاثة إلى التنمية:
شكّل ملف الانتقال من الدعم الإنساني إلى الدعم التنموي محوراً رئيسياً في مباحثات غوتيريش مع الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
فبعدما اعتمدت سورية لسنوات على المساعدات الإنسانية الطارئة، باتت اليوم في مرحلة تستوجب استثمارات تنموية مستدامة تعيد بناء ما دمرته الحرب.
وقد صرح غوتيريش بأن "لا دولة تخرج من نزاع شديد وتعيد بناء نفسها بنفسها"، مضيفاً: "يجب أن نساعد سورية في تصميمها وعزمها على تحقيق ذلك".
وتعكس هذه العبارة إدراكاً أممياً بأن مرحلة الإغاثة وحدها لم تعد كافية.
فوفقاً لأحدث بيانات الأمم المتحدة، عاد نحو 1.9 مليون نازح داخلي و1.7 مليون لاجئ إلى سورية منذ سقوط النظام، غير أن نحو 5.5 مليون شخص ما زالوا نازحين داخل البلاد، و6 ملايين آخرين في الخارج، فيما يحتاج 15.6 مليون سوري إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية.
وتضع هذه الأرقام الأمم المتحدة والحكومة السورية أمام اختبار حقيقي، وهو أن تحويل زخم العودة إلى استقرار دائم يتطلب توفير المسكن والخدمات وفرص العمل. وقد ركزت المباحثات على خطة الحكومة لإغلاق مخيمات النزوح التي تؤوي نحو 700 ألف نازح، وهي خطة طموحة لا يمكن أن تنجح دون دعم لوجستي ومالي من المجتمع الدولي.
كما أن نجاح هذه المرحلة يتطلب الانتقال من اقتصاد الإغاثة إلى اقتصاد الإنتاج، بحيث تصبح مشاريع إعادة الإعمار والتنمية المستدامة رافعة لخلق فرص العمل وتحريك عجلة الاقتصاد، بدلاً من استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة.
العقوبات الاقتصادية وإعادة الإعمار:
لا يمكن الحديث عن التعافي الاقتصادي بمعزل عن ملف العقوبات الاقتصادية التي فرضت خلال سنوات الصراع.
فإذا كانت هذه العقوبات قد استهدفت في جانب منها منظومة الاستبداد السابقة، فإن استمرار بعضها قد ينعكس بصورة مباشرة على جهود إعادة الإعمار وتحسين الواقع المعيشي للسوريين.
ومن هنا، فإن نجاح أي خطة للتعافي الاقتصادي يتطلب مراجعة موضوعية لهذه العقوبات، بما يميز بين الإجراءات الموجهة ضد من ارتكبوا الانتهاكات، وبين تلك التي تعيق قدرة الدولة الجديدة على إعادة بناء البنية التحتية، وجذب الاستثمارات، وتحسين الخدمات الأساسية.
اللاجئون والعودة الآمنة:
إنه ورغم الأعداد الكبيرة للعائدين، فإن ملف اللاجئين ما يزال يمثل أحد أكبر التحديات الوطنية.
فعودة ملايين السوريين لا ينبغي أن تُقاس بعدد العائدين فقط، وإنما بمدى توافر البيئة القانونية والأمنية والاقتصادية التي تجعل العودة خياراً دائماً لا اضطراراً مؤقتاً.
فالعودة المستدامة تحتاج إلى حماية الملكيات، وإعادة الوثائق الرسمية، وتأمين الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل، وإعادة دمج العائدين في المجتمع، بما يحفظ كرامتهم ويمنع تكرار موجات النزوح.
دور الأمم المتحدة في المرحلة المقبلة:
إذا كانت الأمم المتحدة قد اضطلعت خلال سنوات الحرب بدور إنساني وإغاثي بالدرجة الأولى، فإن المرحلة المقبلة تستوجب انتقالها إلى دور الشريك في بناء المؤسسات، ودعم الإصلاح الإداري، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وبناء القدرات الوطنية، ونقل الخبرات، بما يرسخ استقلال الدولة السورية ويعزز قدرتها على إدارة شؤونها بنفسها.
فنجاح الأمم المتحدة في سورية لن يقاس بحجم المساعدات التي تقدمها، وإنما بمدى مساهمتها في تمكين السوريين من بناء مؤسساتهم الوطنية بصورة مستدامة.
السيادة الوطنية والانتهاكات الإسرائيلية:
لم تغب قضية السيادة الوطنية عن جدول أعمال الزيارة، بل احتلت موقعاً متقدماً في تصريحات غوتيريش.
فقد شدد الأمين العام على أن "أي انتهاك لسيادة سورية ووحدة أراضيها غير مقبول"، واصفاً الجولان السوري المحتل بأنه أرض سورية، ومؤكداً أن ما يجري في المنطقة المحيطة بمرتفعات الجولان غير مقبول إطلاقاً.
وتكتسي هذه التصريحات أهمية خاصة في ضوء التصعيد الإسرائيلي المتواصل في جنوب سورية، بما في ذلك التوغل في المنطقة العازلة التي تراقبها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف).
وقد زار غوتيريش قوات "أندوف" خلال وجوده في سورية، في رسالة تؤكد التزام الأمم المتحدة بدورها في مراقبة الحدود.
من جهته، شدد الوزير الشيباني على أن الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب السوري تشكل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في قدرة المجتمع الدولي على ترجمة هذه المواقف إلى خطوات عملية توقف الاعتداءات، وتحفظ سيادة الدولة السورية، وتعيد الاعتبار لقرارات الشرعية الدولية.
الاستثمار والانفتاح الاقتصادي:
كما أن الانفتاح الدولي لا ينبغي أن يقتصر على الدعم الإنساني، بل يجب أن يفتح الباب أمام استثمارات مسؤولة تسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوري، وتوفر فرص العمل، وتنقل الخبرات والتكنولوجيا، ضمن بيئة قانونية شفافة تحمي المستثمر، وتحفظ حقوق الدولة، وتصون مصالح المواطنين.
فالاستثمار ليس مجرد تدفق لرؤوس الأموال، بل هو شريك في إعادة بناء الثقة بين سورية والعالم، إذا ما أُدير وفق قواعد الحوكمة وسيادة القانون.
البعد الإقليمي للزيارة:
لا تقتصر أهمية زيارة غوتيريش على بعدها السوري الداخلي، بل تعكس أيضاً إدراكاً دولياً متزايداً بأن استقرار سورية أصبح جزءاً من استقرار المشرق العربي بأكمله.
فملفات الهجرة، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والطاقة، والتجارة الإقليمية، كلها ترتبط بصورة مباشرة بمستقبل الدولة السورية.
ومن ثم، فإن دعم استقرار سورية لم يعد مجرد عمل تضامني، بل أصبح مصلحة إقليمية ودولية مشتركة، تفرض على مختلف الأطراف الاستثمار في نجاح المرحلة الانتقالية.
التحديات التي تختبر مسار الانتقال:
لا يمكن قراءة زيارة غوتيريش بمعزل عن التحديات الجسام التي ما تزال تواجه سورية في مرحلة انتقالها.
فهي تأتي بعد أسابيع من تفجيرين وقعا قرب فندق في دمشق أقام فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وفي سياق أعمال عنف طائفية هزت مناطق عدة.
فقد أشارت تقارير إلى مقتل نحو 1500 شخص من أبناء الطائفة العلوية في المنطقة الساحلية العام الماضي، حيث اعترفت الحكومة السورية بالانتهاكات، وسعت إلى ملاحقة المتهمين، كما شهد الجنوب السوري مقتل مئات من أبناء الطائفة الدرزية، الأمر الذي أثار قلق غوتيريش، ودفعه إلى الدعوة للمساءلة، التي تسعى الحكومة السورية لترسيخها بما يتناسب مع ظروف المرحلة الانتقالية.
وتطرح هذه الحوادث أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الدولة الجديدة على بسط سيطرتها على جميع الفصائل المسلحة، وحماية حقوق جميع المكونات السورية، وضمان عدم تكرار مآسي الماضي.
وقد أشار المتحدث باسم غوتيريش إلى أن الفرصة اليوم تكمن في "وضع أسس مستقبل أكثر استقراراً وشمولية وازدهاراً لجميع السوريين".
كما تظل العدالة الانتقالية حجر الزاوية في نجاح المرحلة المقبلة. ففي الوقت الذي يطالب فيه السوريون بمحاكمة مرتكبي الانتهاكات من مختلف الأطراف، تواجه الحكومة تحدياً يتمثل في تحقيق التوازن بين العدالة والمصالحة الوطنية، بما يمنع الانتقام ويحقق الإنصاف ويؤسس لسلام مجتمعي مستدام.
رؤية تيار المستقبل السوري:
إننا في تيار المستقبل السوري، ننظر إلى زيارة غوتيريش بوصفها فرصة استراتيجية لدفع مسار بناء الدولة، شريطة أن تُقرأ بعين ناقدة لا تغفل الإنجازات ولا تتغاضى عن مواطن الخلل.
فإعادة إدماج سورية في المجتمع الدولي ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتعزيز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها.
ونرى في هذا السياق جملة من الأولويات:
أولاً: دعم بناء المؤسسات لا الأفراد، إذ ينبغي أن تتركز الشراكة مع الأمم المتحدة على دعم القضاء، والإدارة العامة، والرقابة المالية، والخدمات الأساسية، بعيداً عن الشخصنة التي أضعفت الدولة السورية عبر عقود.
ثانياً: الربط بين الدعم الدولي والإصلاح الداخلي، فالدعم الخارجي ينبغي أن يكون حافزاً لتطوير الإدارة العامة، وترسيخ الشفافية، وتعزيز المساءلة، بما يحفظ السيادة الوطنية ويخدم مصالح السوريين.
ثالثاً: العدالة الانتقالية كشرط للاستقرار، من خلال التعاون مع الآليات الوطنية والدولية لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وفق معايير عادلة تضمن حقوق جميع الضحايا دون انتقائية.
رابعاً: الحوار الوطني الشامل، عبر إشراك جميع المكونات السورية، ومؤسسات المجتمع المدني، والنساء، والشباب، والنخب العلمية، في صياغة مستقبل البلاد، باعتبار التنوع السوري مصدر قوة لا عامل انقسام.
خاتمة:
تمثل زيارة غوتيريش إلى دمشق اختباراً لقدرة سورية على تحويل الدعم الدولي إلى إنجازات ملموسة على الأرض.
فالتصريحات المؤيدة للسيادة السورية، والدعوات إلى دعم إعادة الإعمار، والتأكيد على الانتقال من الإغاثة إلى التنمية، كلها مؤشرات إيجابية، لكنها تبقى بحاجة إلى ترجمة عملية من خلال استثمارات حقيقية، وشراكات تنموية، وضمان احترام سيادة الدولة السورية.
وفي المقابل، فإن الانفتاح الدولي ليس هبة، بل مسؤولية متبادلة تقوم على احترام السيادة الوطنية، وتسريع الإصلاحات، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ دولة المؤسسات، وضمان حقوق جميع السوريين دون تمييز.
فالعودة إلى المنظومة الدولية لا تعني العودة إلى ما قبل عام 2011، وإنما بناء سورية جديدة تقوم على المواطنة المتساوية، والشفافية، والمشاركة، واحترام القانون.
إن ما يحدث اليوم في سورية هو أكثر من مجرد انتقال سياسي؛ إنه محاولة لإعادة تأسيس الدولة بعد سنوات طويلة من الانهيار.
وزيارة غوتيريش ليست نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب من السوريين، ومن المجتمع الدولي، رؤية استراتيجية تجمع بين الواقعية والطموح، وبين دعم الدولة وبناء مؤسساتها، وبين الانفتاح الخارجي والإصلاح الداخلي.
ويرى تيار المستقبل السوري أن نجاح هذه المرحلة لن يقاس بعدد الزيارات الدولية، ولا بحجم البيانات المؤيدة، وإنما بقدرة الدولة السورية على بناء مؤسسات دستورية قوية، واقتصاد منتج، وقضاء مستقل، ومجتمع متماسك يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك كامل في وطنه. فالعلاقات الدولية تستطيع أن تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع أن تبني الدولة ما لم يبنها السوريون أنفسهم.
وعندها فقط يمكن القول إن سورية قد دخلت فعلاً في مسار التعافي المستدام.