دفعني إلى كتابة هذا المقال صورٌ ومقاطع متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، يظهر فيها أشخاص يدخلون إلى مقار حكومية وأمنية كانت تتبع للنظام البائد، ويتجولون بين مكاتبها وغرفها، وينشرون صوراً لوثائق أو سجلات أو مجلدات عُثر عليها داخل تلك المقار، فيما تبدو في خلفية بعض الصور عشرات، وربما مئات، الملفات والأوراق المبعثرة والملقاة على الأرض هنا وهناك.
قد يستوقف بعض الناس في تلك الصور شعارٌ قديم، أو لوحةٌ تعود إلى مرحلة الاستفتاءات الصورية، أو رمزٌ من رموز عهدٍ ظن أصحابه أن حكمهم سيبقى إلى الأبد.
لكن ما ينبغي أن يستوقفنا بصورة أعمق وأخطر ليس اللوحات والشعارات وحدها، بل الوثائق والسجلات والأرشيف الأمني الذي يظهر خلفها دون حماية كافية، وكأنه مجرد بقايا مهملة من زمن انتهى.
وهنا تكمن قضية أشد خطورة من أي دلالة رمزية تحملها صورة أو لوحة.
فكيف يمكن لأي شخص غير مختص أن يدخل إلى مبنى أمني سابق، ويتنقل بين وثائقه، ويصور ما يشاء، وربما يلمس أو ينقل أو يخرج ببعض محتوياته، بينما قد تحمل تلك الملفات أسراراً وحقوقاً وأدلة تاريخية وقضائية وأمنية تتعلق بحياة آلاف السوريين ومصائرهم؟
هذا السؤال لا يتعلق بصورة منفردة، ولا بشخص بعينه، بل بمصير أرشيف أمني ضخم، يُفترض أنه يحتوي على معلومات تتصل بعشرات السنين من حياة السوريين، وبمصائر المعتقلين والمفقودين والمهجّرين، وبأسماء ضحايا وجلادين ومخبرين ومسؤولين وشهود، وبشبكات نفوذ وعلاقات داخلية وخارجية قد تكون معرفتها ضرورية لحماية سورية الجديدة.
وقد رأيت بنفسي، في وقت سابق، وثائق ملقاة على الرصيف العام بجوار أحد الأفرع الأمنية في منطقة المالكي بدمشق، وكان بعضها يحمل معلومات أمنية تتعلق بإحدى دول الجوار.
إن صحّ أن هذه الوثائق ما تزال حتى اليوم معرضة للضياع أو النقل أو العبث، فإننا لا نكون أمام إهمال إداري عابر، بل أمام خطر وطني وقانوني وأخلاقي قد يصعب تداركه لاحقاً.
الوثيقة الأمنية قد تكون مفتاحاً لمصير إنسان:
قد تبدو بعض الأوراق قديمة أو عديمة الأهمية لمن يراها ملقاة على الأرض.
لكن كل ورقة منها قد تثبت اعتقال إنسان أنكر النظام وجوده في مرحلة ما.
وقد يكشف سجل واحد مكان نقل معتقل، أو الجهة التي أصدرت أمراً بتوقيفه، أو أسماء الأشخاص الذين شاركوا في التحقيق معه أو نقله أو إخفائه.
وقد تحمل مراسلة داخلية أو خارجية دليلاً على مسؤولية ضابط أو مسؤول عن جريمة أو انتهاك.
وقد تكشف قائمة أسماء شبكة من المتعاونين أو المتورطين أو المستفيدين من منظومة القمع.
وقد تكشف وثائق أخرى طبيعة علاقات النظام السابق بأطراف خارجية، أو أساليب اختراق المجتمع، أو آليات مراقبة السوريين وابتزازهم والتلاعب بمؤسسات الدولة.
وفي المقابل، قد تثبت الوثيقة براءة شخص اتُّهم ظلماً، أو تكشف أن اسمه استُخدم دون علمه، أو أنه كان ضحية تقرير كيدي أو وشاية شخصية، أو أنه أُجبر على الإدلاء بمعلومات تحت التهديد والتعذيب.
ولهذا فإن حماية الأرشيف ليست عملاً انتقامياً، ولا وسيلة لتصفية الحسابات، بل شرط من شروط العدالة، وحماية للضحايا والأبرياء معاً.
إن ضياع الوثائق قد يعني ضياع حق عائلة في معرفة مصير ابنها.
وقد يعني إفلات مجرم من المساءلة.
وقد يعني اتهام بريء اعتماداً على روايات مبتورة لا يمكن التحقق منها.
وقد يعني أيضاً طمس جزء أساسي من تاريخ سورية السياسي والأمني والاجتماعي.
خطر العبث والتسريب والانتقاء:
إن ترك الوثائق دون حماية يفتح الباب أمام أخطار متعددة.
فقد تُتلف ملفات بهدف إخفاء الجرائم أو حماية أشخاص نافذين.
وقد تُسرق وثائق لابتزاز أفراد أو مسؤولين أو مؤسسات.
وقد تُقتطع أوراق من سياقها ويُستفاد منها في التشهير وتصفية الحسابات الشخصية والسياسية.
وقد تُنشر أسماء دون تدقيق، فيتحول الضحايا أو الشهود أو الأشخاص الذين أُجبروا على التعاون إلى متهمين أمام الرأي العام.
وقد تُنقل ملفات إلى خارج البلاد، فتفقد الدولة السورية جزءاً من ذاكرتها السيادية ومن قدرتها على التحقيق المستقل.
كما أن نشر بعض الوثائق بصورة عشوائية قد يهدد حياة أشخاص، أو يكشف معلومات أمنية حساسة، أو يضر بتحقيقات قائمة، أو يتيح لشبكات متورطة فرصة الهرب وإتلاف بقية الأدلة.
وقد تُستخدم بعض الأوراق استخداماً انتقائياً، فيُبرز منها ما يخدم جهة معينة، ويُخفى ما يدينها، فتتحول الوثيقة من أداة للوصول إلى الحقيقة إلى سلاح في الصراع السياسي والإعلامي.
لذلك فإن القضية ليست دعوة إلى فتح الملفات أمام الجميع، وليست دعوة إلى إغلاقها إلى الأبد.
بل المطلوب هو حفظها، وفهرستها، ودراستها ضمن إطار قانوني ومؤسسي، ثم إتاحتها للجهات المختصة وفق درجات واضحة من السرية والحماية والرقابة.
أرشيف النظام السابق أداة لحماية الدولة الجديدة:
قد يتعامل بعضهم مع وثائق النظام السابق بوصفها مجرد بقايا لعهد انتهى.
لكن الحقيقة أن هذه الوثائق يمكن أن تكون أداة أساسية في حماية العهد الجديد.
فمن خلالها يمكن فهم بنية منظومة الأسد، وآليات اختراق المجتمع، وشبكات الفساد والتجسس، والارتباطات الخارجية، وطرق تجنيد المخبرين، وآليات اتخاذ القرار الأمني، وكيفية إدارة الاعتقال والتعذيب والابتزاز والتلاعب بالمؤسسات.
كما يمكن أن تكشف الوثائق شخصيات تحاول اليوم إعادة إنتاج نفسها بأسماء أو مواقع أو شعارات جديدة.
وقد تساعد الدولة على التمييز بين من كان صاحب قرار، ومن كان منفذاً، ومن أُجبر على التعاون تحت التهديد، ومن كان ضحية للنظام نفسه.
وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول العدالة الانتقالية إلى انتقام جماعي، وحتى لا تُحمّل فئات اجتماعية أو عائلات أو مناطق مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد محددون.
إن الدولة القوية لا تعاقب بالظنون، ولا تحاكم بالأقاويل، ولا تبني ملفاتها على منشورات مواقع التواصل الاجتماعي.
فالدولة القوية تحفظ الأدلة، وتدقق فيها، وتربط الوثائق بسياقها، وتخضعها للتحقيق القضائي والمهني.
خطة وطنية عاجلة لحماية الأرشيف:
إن التعامل مع هذه الوثائق يجب أن يتم ضمن خطة وطنية عاجلة، لا من خلال إجراءات مرتجلة أو مبادرات فردية.
ونرى في تيار المستقبل السوري أن الأولوية يجب أن تُعطى لما يلي:
أولاً: إغلاق جميع مقار الأفرع والمراكز الأمنية السابقة، ومنع الدخول إليها إلا بإذن رسمي، مع وضع حراسة مسؤولة ومحاسبة أي جهة تسمح بالعبث بمحتوياتها.
ثانياً: تشكيل هيئة وطنية متخصصة لحفظ أرشيف نظام الأسد، تضم قضاة وخبراء أرشفة وتقنيين ومختصين بالأدلة الجنائية وحقوق الإنسان والأمن الوطني.
ثالثاً: إجراء جرد شامل لكل وثيقة وملف وسجل وجهاز تخزين، وتوثيق المكان الذي عُثر فيه عليه، وحالته، والجهة التي تسلمته، لمنع التلاعب أو الاستبدال أو الادعاء لاحقاً بأن وثائق أُضيفت أو حُذفت.
رابعاً: نقل الوثائق إلى مراكز مؤمّنة ومراقبة، مع الحفاظ على ترتيبها الأصلي قدر الإمكان، لأن مكان الوثيقة وتسلسلها وعلاقتها ببقية الملفات قد يكون مهماً بقدر مضمونها.
خامساً: رقمنة الأرشيف وإنشاء نسخ احتياطية مشفرة، مع تسجيل كل عملية دخول أو نسخ أو تعديل، حتى لا تضيع الوثائق بسبب الحريق أو الرطوبة أو السرقة أو التلف.
سادساً: تصنيف الوثائق بحسب حساسيتها وقيمتها القضائية والأمنية والتاريخية، وعدم السماح بالنشر العشوائي أو التسريب الانتقائي.
سابعاً: إعطاء الأولوية لملفات المعتقلين والمفقودين والمقابر الجماعية وأوامر الاعتقال والتحويل والتحقيق، لما لها من أثر مباشر في حقوق آلاف العائلات.
ثامناً: وضع آلية قانونية تمكّن الضحايا وذوي المفقودين والمحاكم واللجان المختصة من طلب المعلومات، مع حماية بيانات الأشخاص وخصوصيتهم وحقهم في الاعتراض والتصحيح.
تاسعاً: الاستعانة بخبرات السوريين المتخصصين وبالتجارب الدولية في حفظ أرشيفات الأنظمة القمعية، من دون التفريط بالسيادة الوطنية على الوثائق أو السماح بخروج الأصول من البلاد.
عاشراً: إصدار بيان رسمي واضح يشرح للسوريين ما جرى حفظه، وما فُقد، وما الإجراءات المتخذة، لأن الغموض في هذا الملف يفتح المجال للشائعات والابتزاز والاتهامات المتبادلة.
ليست غنائم ولا تذكارات:
ينبغي ترسيخ قاعدة وطنية واضحة تقول: كل ما يوجد داخل الأفرع الأمنية السابقة ليس غنيمة لأحد، ولا مادة تذكارية، ولا فرصة لالتقاط الصور، ولا ملكاً للجهة أو الشخص الذي وصل إليه أولاً.
إنه ملك للدولة السورية، وحق للشعب السوري، وأمانة مرتبطة بدماء الضحايا وحقوق الأحياء وذاكرة الأجيال القادمة.
حتى الصور والشعارات واللوحات التي تبدو ذات قيمة رمزية فقط ينبغي توثيقها قبل إخراجها من مكانها، فقد تكون جزءاً من المشهد التاريخي للمؤسسة التي وُجدت فيها.
ولا يجوز أن يكون الوصول إلى هذه المواقع خاضعاً للمعارف الشخصية أو للمكانة الإعلامية أو السياسية أو العسكرية.
فحين يدخل شخص إلى الأرشيف ويخرج منه بورقة، لا يمكن بعد ذلك التأكد مما إذا كانت تلك الورقة هي الشيء الوحيد الذي أُخذ، ولا يمكن ضمان ألا تكون ملفات أخرى قد نُقلت أو صُورت أو أُتلفت.
كما أن حسن النية وحده لا يكفي في التعامل مع أرشيف من هذا النوع.
فالمسألة تتعلق بأدلة وحقوق وأسرار دولة، لا بمواد صحفية عادية أو مقتنيات تاريخية يمكن تداولها بحرية.
حفظ الذاكرة جزء من الوفاء للضحايا:
إن سقوط نظام الأسد لم يكن نهاية المسؤولية، بل بداية مسؤولية أكبر.
فالثورة التي قدّمت الشهداء والمعتقلين والمهجّرين لا يليق بها أن تترك أدلة جرائمهم تتبعثر في الطرقات، أو تتحول إلى محتوى عابر على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن الوفاء للضحايا ألا نكتفي برفع صور سقوط الطغاة، بل أن نحفظ الوثائق التي تكشف كيف حكموا، ومن ساعدهم، ومن تضرر منهم، وكيف يمكن منع تكرار تجربتهم.
إن بناء سورية الجديدة لا يبدأ من إزالة رموز الماضي وحدها، بل من فهم ذلك الماضي، وتوثيقه، وكشف حقيقته، ومحاسبة المسؤولين عنه ضمن القانون.
فكل وثيقة تُحفظ اليوم قد تنصف مظلوماً غداً.
وكل ملف يضيع قد يدفن حقيقة إلى الأبد.
وكل تقصير في حماية هذا الأرشيف هو تقصير في حماية العدالة، وذاكرة السوريين، وأمن الدولة الجديدة.
لهذا، فإن الصور المتداولة من داخل الأفرع الأمنية السابقة لا ينبغي أن تمر بوصفها مشاهد رمزية لانتهاء عهد الأسد فحسب، بل يجب أن تتحول إلى جرس إنذار رسمي وشعبي مفاده أن أنقذوا أرشيف الأفرع الأمنية قبل أن تضيع الحقيقة، وقبل أن تتحول ذاكرة الاستبداد إلى فراغ يسمح للظالم بالنجاة، وللبريء بأن يُظلم مرة أخرى.