سورية بين وعد التغيير وإعادة إنتاج الرعوية

مقدمة:

سقط نظام بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024، بعد أربعة عشر عاماً من الحرب التي أودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص، ودمرت ثلث رأس المال الوطني، وأحدثت واحدة من أكبر موجات النزوح في التاريخ الحديث.
كانت فرحة السقوط تعبيراً عن أمل عميق في إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس جديدة من الشفافية والعدالة والمواطنة المتساوية.

وبعد ثمانية عشر شهراً من تولي الحكومة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، يبرز سؤال مصيري: هل تسير سورية فعلاً نحو بناء دولة المؤسسات، أم أنها تعيد إنتاج أنماط "الرعوية" التي ميزت نظام الأسد، وإن بوجوه جديدة؟
هذا السؤال ليس أكاديمياً، بل وجودي، إذ يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على استعادة الثقة، وجذب استثمارات إعادة الإعمار التي تقدر بـ 216 مليار دولار بحسب البنك الدولي، وتجنب الانزلاق إلى أزمات جديدة.

الرعوية الجديدة:

تركز السلطة الاقتصادية في يد النخبة الجديدة
تُظهر المعطيات الميدانية أنماطاً واضحة من "الاستيلاء النخبوي" تتكرر في الهيكل الاقتصادي الجديد.
فقد تم تعيين شقيق الرئيس حازم الشرع نائباً لرئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية، المشرف على أصول مصادرة تقدر بـ 1.6 مليار دولار، بالإضافة إلى سيطرته على صندوق الثروة السيادية وشركة سيرياتل للاتصالات.
كما قد شغل شقيق آخر (ماهر الشرع) منصب الأمين العام لرئاسة الجمهورية، قبل أن يتم عزله في مايو من هذا العام، بينما محافظ دمشق الذي يقال أنه هو صهر الرئيس.
وتشير دراسة صادرة عن مركز U4 لمكافحة الفساد إلى أن "المؤسسات الاقتصادية الجديدة تركّز السلطة في يد الرئاسة، وتحد من الرقابة المستقلة، مع تحول مسؤوليات وزارية إلى الرئاسة، مما يعزز تمركز القرار في يد الرئيس ومقربيه".

واقع الفساد بين التحسن النسبي والترتيب المتأخر:

حققت سورية تقدماً متواضعاً على مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2026، بارتفاع ثلاث نقاط عن عام 2024، حيث كانت سورية ضمن قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم محتلة المرتبة الرابعة كأسوأ الدول بعد حصولها على 12 نقطة فقط.

ومع ذلك، لا تزال سورية تحتل المرتبة 172 من أصل 182 دولة على المؤشر، ومراكز متأخرة في مؤشرات الحوكمة وسيادة القانون وجودة التنظيم. هذا التحسن الضئيل لا يعكس تحولاً نوعياً، بل قد يشير إلى تحسن هامشي في بيئة الرقابة، مع بقاء الهيكل الرعوي كما هو.

الاقتصاد بين طموح الموازنة وواقع العجز:

كشفت موازنة عام 2026 عن إيرادات متوقعة بنحو 8.716 مليارات دولار، ونفقات بـ 10.516 مليارات دولار، بعجز يقدر بـ 1.799 مليار دولار.

ورغم أن الحكومة أطلقت "نسخة المواطن" من الموازنة كخطوة نحو الشفافية، فإن غياب التقارير الربعية لصندوق الثروة السيادية، وعدم الإفصاح عن عقود قطاع النفط، وعمليات التسوية الغامضة مع رجال أعمال نظام الأسد، كلها مؤشرات على استمرار ثقافة العتامة.

احتجاجات عمالية تعكس أزمة ثقة:

شهد عام 2026 موجة احتجاجات عمالية غير مسبوقة شملت معلمين، وعمال موانئ ومصانع، وسائقي شاحنات، في دمشق ومناطق الساحل، حيث كشفت عن "أزمة ثقة وغياب تشاركية في صناعة القرار، ما يجعل الشارع أداة ضغط مباشرة بدل
النقابات". وهذا يعيد إنتاج أحد الدوافع الأساسية لانتفاضة 2011. الإطار النظري – لماذا تعيد الأنظمة الرعوية إنتاج نفسها؟:

أ. نظرية الرعوية الجديدة:

تُعرِّف الأدبيات السياسية "الرعوية الجديدة" بأنها هجين بين السلطة التقليدية (حيث تُعامل السلطة كملكية شخصية) والسلطة البيروقراطية الحديثة (حيث توجد مؤسسات شكلية لكنها تخضع لسيطرة شبكات الولاء الشخصي).
في هذا النموذج، تُستخدم مؤسسات الدولة (الوزارات، الصناديق السيادية، الشركات المملوكة للدولة) كأدوات لتوزيع الامتيازات على شبكة الموالين، بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المصلحة العامة.


ب. لماذا تفشل التحولات في كسر هذه الحلقة؟:

تشير أبحاث التحول السياسي إلى أن الأنظمة الرعوية تمتلك قدرة استثنائية على البقاء، حتى في لحظات الانهيار الكبير.
وتقدم الأدبيات التخصصية تفسيرين رئيسيين:

أولاً: المنطق المؤسسي، فعندما تنهار الدولة، تكون شبكات الولاء الشخصي هي الأداة الوحيدة المتاحة للحاكم الجديد لضمان السيطرة.
و في غياب كوادر مؤهلة ومحايدة، يصبح التعيين على أساس الولاء "خياراً عقلانياً" في الأمد القصير، لكنه يتحول بسرعة إلى فخ مؤسسي يعيد إنتاج الرعوية.

ثانياً: التطبيع المجتمعي. خمسة عقود من الحكم الاستبدادي أنتجت "مواطنين رعويين" تعلموا أن "الواسطة" هي استراتيجية البقاء العقلانية.
وهذا التطبيع يجعل المطالبة بالشفافية تبدو ترفاً، بينما تصبح المحسوبية هي القاعدة. العواقب – لماذا الرعوية الجديدة تهدد مستقبل سورية؟:

تقويض الثقة في العدالة الانتقالية:

التناقض بين محاكمة بعض جرائم النظام السابق (خاصة الجرائم السياسية) والتسويات الخاصة على الجرائم الاقتصادية (كما حدث مع رجال أعمال مثل محمد حمشو) يخلق شعوراً بعدم الإنصاف، ويُضعف شرعية العدالة الانتقالية برمتها.

إحباط الاستثمار وإعاقة إعادة الإعمار:

تحتل سورية مرتبة متأخرة في مؤشرات الحوكمة وسيادة القانون، مما يرفع "علاوة المخاطر" التي يطلبها المستثمرون، ويجعل البيئة الاستثمارية غير جاذبة.
فالمستثمرون لا يخافون من المخاطر القابلة للحساب، لكنهم يهربون من "الغموض المؤسساتي" حيث تكون القواعد غير واضحة أو قابلة للتغيير المفاجئ.
ومع حاجة سورية إلى 216 مليار دولار لإعادة الإعمار، فإن استمرار العتامة يعني استمرار العجز التمويلي

تغذية المظالم الطائفية والإقليمية:

احتكار شبكات النخبة الجديدة للمواقع الاقتصادية يخلق إقصاءً للمجتمعات الأخرى (العلوية، الدروز، المسيحية، الكردية)، وهو ما يهدد تماسك النسيج الوطني.
ورغم توقيع اتفاق مع الأكراد في يناير 2026 لدمج إدارتهم الذاتية في مؤسسات الدولة، فإن استمرار أنماط الإقصاء الاقتصادي قد يعيد إنتاج التوترات التي شهدتها البلاد لعقود.

إعادة إنتاج ظروف 2011:

الاحتجاجات العمالية، والقرارات التعسفية، والتهميش الإقليمي، وعوائق الأعمال أمام من لا يملكون وساطات – كلها إنذارات مبكرة تعيد نمط ما قبل 2011.
وكما خلص تقرير BTI 2026، فإن "التغير السياسي السريع لم يخفف التجزؤ، إذ يستمر الانهيار الاقتصادي والتهديدات الأمنية في تشكيل مسار الانتقال".

التوصيات:

انطلاقاً من الرؤية الوطنية التي تؤمن بأن سورية للجميع، وأن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب تصحيحاً جذرياً للمسار، يقترح تيار المستقبل السوري التوصيات التالية:

أولاً: على المستوى المؤسسي – كسر احتكار السلطة:

  • إرساء هيئات رقابية مستقلة: إنشاء هيئة وطنية عليا لمكافحة الفساد، تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، وتُعيّن عبر آلية توافقية تضمن تمثيل جميع مكونات المجتمع، مع صلاحية التدقيق في جميع العقود الحكومية والتسويات المالية.
  • إطلاق منصة وطنية للشفافية المالية: نشر جميع عقود الحكومة، والتقارير الربعية لصندوق الثروة السيادية، وكشوفات التسويات مع رجال أعمال النظام السابق، مع إتاحة المجال لمراجعة المجتمع المدني والصحافة المستقلة.
  • اعتماد معايير الجدارة في التعيينات: وضع جداول زمنية محددة لتحويل التعيينات في المناصب القيادية من نظام الولاء إلى نظام الكفاءة، مع الإفصاح عن مؤهلات جميع المعينين في المناصب العليا.

ثانياً: على المستوى المجتمعي – بناء ثقافة المواطنة

  • إشراك المجتمع المدني في صياغة السياسات: إنشاء مجالس استشارية مهنية (اقتصادية، قانونية، اجتماعية) تضم خبراء مستقلين من مختلف الخلفيات، لتقديم المشورة للحكومة وللرقابة على أدائها.
  • إصلاح التعليم ومناهجه: الاستثمار في بناء مناهج تعزز قيم المواطنة والشفافية والمسؤولية المجتمعية، لكسر ثقافة "الواسطة" التي ترسخت لعقود.
  • دعم النقابات المستقلة: تمكين النقابات العمالية والمهنية من القيام بدورها الرقابي، والاستماع الجاد لمطالب المحتجين كمدخل للحوار البناء بدلاً من قمعها.

ثالثاً: على المستوى الدولي – شراكة قائمة على المعايير

  • ربط المساعدات بالمعايير الواضحة: على المجتمع الدولي أن يربط مساعدات إعادة الإعمار بمعايير قابلة للقياس (نشر مؤهلات كبار المعينين، مراقبة مستقلة للعقود، تقارير دورية عن مؤشرات الحوكمة)، مع تقديم الدعم الفني لبناء القدرات المؤسسية.
  • دعم منظمات المجتمع المدني السورية: توجيه جزء من المساعدات الدولية لدعم قدرات المنظمات السورية المستقلة في مجالات الرقابة والتدقيق والمناصرة، لتصبح شريكاً فاعلاً في عملية الإصلاح.

خاتمة:


إن سورية اليوم تواجه لحظة تاريخية نادرة، وهي فرصة حقيقية للخروج من عقد من الدمار والاستبداد، لكنها أيضاً تواجه خطر إعادة إنتاج نفس الأنماط التي أوصلتها إلى الحرب.

الرعوية الجديدة ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة خيارات سياسية يمكن تغييرها بالإرادة والشفافية والمشاركة.
والطريق إلى سورية الجديدة يمر عبر مؤسسات قوية لا أشخاص أقوياء، وعبر قوانين عادلة لا وسطاء نافذين، وعبر مواطنة متساوية لا محسوبية طائفية.

كما إن نجاح هذا المسار يتوقف على إدراك القيادة السورية أن شرعيتها الحقيقية لا تأتي من الانتصار العسكري، بل من قدرتها على بناء دولة الجميع، حيث تُحمى الحقوق وتُصان الكرامة وتُدار الثروة الوطنية بشفافية تحول دون عودة الظلام.
وختاما، تستحق سورية أكثر من مجرد تغيير الوجوه؛ إنها تستحق تغييراً جذرياً في علاقة الحاكم بالمحكوم، وفي طريقة إدارة المال العام، وفي فهم معنى الدولة.

وهذا التغيير يبدأ اليوم، بقرارات شجاعة تعيد الثقة بين الشعب والدولة، وتفتح الباب أمام مستقبل يليق بتضحيات السوريين العظيمة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

الربط الاقتصادي المرتقب بين سورية والعراق برعاية أميركية

يعرض التحليل حول الربط الاقتصادي المرتقب بين سورية والعراق برعاية أميركية والدلالات السياسية لهذه الاتفاقية.

8 يوليو 2026

إدارة الموقع

زيارة الرئيس الفرنسي وإعادة القطع الأثرية

زيارة إيمانويل ماكرون إلى سورية وإعادة القطع الأثرية تعيد الأمل في تحسين العلاقات الدبلوماسية وتوثيق التعاون.

8 يوليو 2026

إدارة الموقع