يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ القلق والاهتمام الاحتجاجات الشعبية المتصاعدة في مدينة القامشلي ومحيطها، والتي انطلقت يوم الأحد 21 حزيران/يونيو 2026 وتواصلت خلال اليوم التالي، احتجاجاً على الارتفاع غير المسبوق في أسعار المحروقات، وشحّ المازوت المدعوم، وتدني الخدمات الأساسية، في ظل موجة حر شديدة تضرب المنطقة.
ونرى هذه الاحتجاجات، التي حملت مطالب معيشية وخدمية مشروعة، تُشكّل إنذاراً مبكراً بخطورة الفشل في إدارة الملفات المعيشية والخدمية، وتُظهر هشاشة مسار الاندماج بين مؤسسات الدولة وإدارة الحسكة، وتطرح أسئلة جادة حول مدى قدرة الأطراف المعنية على تجاوز تداعيات المرحلة الانتقالية.
أولاً: يستوعب تيار المستقبل السوري دوافع الاحتجاجات، ويُقر بمشروعية المطالب الشعبية التي تعكس معاناة يومية للمواطنين في ظل تفاقم الأزمة المعيشية.
ويُدرك تيار المستقبل السوري أن الاحتجاجات لم تنشأ من فراغ، بل هي تتويج لتراكمات اقتصادية ومعيشية تفاقمت في الأسابيع الأخيرة.
حيث نُشير إلى الأسباب المباشرة للاحتجاجات، وفي مقدمتها:
- ارتفاع غير مسبوق في أسعار المحروقات: حيث رفعت إدارة المحروقات في الحسكة سعر ليتر المازوت الحر من 55 سنتاً إلى 75 سنتاً، بينما وصل سعر المازوت القادم من المصافي الحكومية إلى 88 سنتاً، وهو الأعلى منذ سنوات، كما قفز سعر البنزين الحر إلى 1.10 دولار للتر.
- نقص حاد في المازوت المدعوم: تزامن ارتفاع الأسعار مع انقطاع توريد المازوت المدعوم للمولدات الأهلية والأفران ووسائل النقل، مما أدى إلى توقف معظم المولدات وانقطاع الكهرباء.
- ضعف البنية التحتية وغياب الخدمات: تفاقمت الأزمة بسبب ضعف التواصل الحكومي، ما زاد من معاناة المواطنين في ظل موجة حر شديدة.
وعليه، فإننا نرى أن هذه المطالب هي تعبير عن حق مشروع للمواطنين في العيش الكريم، وأن الاستجابة لها هي مسؤولية أساسية للدولة ومؤسساتها، كما نُشير إلى أن رفع المحتجين شعارات تطالب بخفض أسعار المحروقات وتحسين الوضع المعيشي، ومكافحة الفساد، وتوفير الكهرباء والمياه، يعكس وعياً مجتمعياً متنامياً بأهمية الحوكمة الرشيدة والشفافية في إدارة الموارد.
ثانياً: يُحذّر تيار المستقبل السوري من تداعيات استمرار الأزمة، ويُحمّل الأطراف المعنية مسؤولية معالجة جذورها.
ويُلاحظ تيار المستقبل السوري أن احتجاجات القامشلي تتقاطع مع خطوط الصدع التاريخية في المنطقة، وتُشكّل اختباراً صعباً للحكم في المرحلة الانتقالية، ونُحذّر من أن استمرار هذه الأزمة دون معالجة جذرية قد يؤدي إلى:
- تفاقم الاحتقان الشعبي وانتشار الاحتجاجات إلى مناطق أخرى، خاصة في ظل تردي الأوضاع المعيشية في معظم المحافظات السورية.
- إضعاف الثقة بمسار الاندماج بين مؤسسات الدولة والإدارة الذاتية، وإعادة إنتاج حالة من عدم الاستقرار التي تستغلها قوى خارجية لتعزيز نفوذها.
- تعميق الأزمة الإنسانية، حيث يؤدي نقص المحروقات والكهرباء إلى شلّ الحركة الاقتصادية، وتوقف الخدمات الأساسية، وتفاقم معاناة الفئات الأكثر هشاشة.
هذا، و يُحمّل تيار المستقبل السوري الأطراف المعنية، وفي مقدمتها شركة "سادكوب" ومحافظة الحسكة وقوات سوريا الديمقراطية، مسؤولية معالجة هذه الأزمة، ويُطالبها بالتحرك الفوري لتأمين احتياجات المواطنين من المحروقات والخدمات الأساسية.
ثالثاً: يستذكر تيار المستقبل السوري مواقفه الثابتة الداعمة لحقوق المواطنين في الخدمات الأساسية، والمنشورة على موقعه الرسمي، ومنها:
- بيان "تفاقم أزمة النفايات في حلب" (بتاريخ 17 أيّار/مايو 2026)، حيث شدد على أن تحسين الخدمات العامة وتعزيز البنية التحتية هما شرط أساسي لجذب الاستثمارات وتحسين صورة المدن السورية، وهو ما ينطبق أيضاً على ضرورة توفير المحروقات والكهرباء في القامشلي.
- بيان "تصنيف سورية ضمن أخطر بؤر الجوع العالمية" (بتاريخ 19 حزيران/يونيو 2026)، الذي حذّر من أن استمرار تدهور الأوضاع المعيشية يهدد السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي، ودعا إلى استراتيجية وطنية شاملة لمعالجة الأزمة.
رابعاً: انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- تشكيل لجنة طوارئ عليا، تضم ممثلين عن الحكومة السورية، ومحافظة الحسكة، وقوات سوريا الديمقراطية، وشركة "سادكوب"، لتقييم الأزمة بشكل فوري، وتأمين احتياجات المواطنين من المحروقات والكهرباء والمياه، ووضع خطة عاجلة لمعالجة النقص الحاد في المازوت المدعوم.
- الإعلان عن آلية شفافة لتوزيع المازوت المدعوم، وضمان وصوله إلى مستحقيه، ومكافحة ظاهرة التهريب إلى السوق السوداء، ومحاسبة المتورطين في أي فساد أو احتكار.
- تسريع وتيرة دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" ضمن مؤسسات الدولة، بما يضمن توحيد السياسات والإجراءات، ويمنع تكرار حالات التفاوت في الأسعار ونقص الإمدادات، ويعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجات المواطنين.
- فتح حوار جاد مع المحتجين وممثلي المجتمع المحلي، للاستماع إلى مطالبهم، والعمل على تلبيتها بشكل عاجل، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، أسوةً بتجارب ناجحة في مناطق أخرى.
ختاماً: يُجدد تيار المستقبل السوري تأكيده على أن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين هو مسؤولية أساسية للدولة، وأن الفشل في هذا المجال يُهدد الاستقرار الاجتماعي ويُقوّض الثقة بمسار بناء الدولة.
ونرى أن الحكومة السورية والأطراف المعنية مدعوون اليوم إلى التعامل بجدية مع احتجاجات القامشلي، والعمل على معالجة جذور الأزمة، وليس فقط أعراضها، لضمان أن تكون هذه الاحتجاجات إنذاراً يُؤخذ به، وليس بداية لموجات احتجاج أوسع.
وبدرونا، سيبقى تيار المستقبل السوري داعماً وناقداً ومراقباً لهذا الملف، سعياً إلى بناء سورية الجديدة على أسس العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والتنمية المستدامة.