سورية والشرق الأوسط الجديد

في جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 14 أيار/مايو 2026، قدّم قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) الأميرال براد كوبر واحدة من أكثر المقاربات الأمريكية وضوحًا حول شكل الشرق الأوسط بعد الحرب الأخيرة مع إيران، وما تعتبره واشنطن “مرحلة إعادة تشكيل استراتيجية” للمنطقة بأكملها.

الجلسة، وما تبعها من تقارير وتحليلات صادرة عن مراكز القرار والإعلام الأمريكي، لم تتحدث فقط عن نتائج المواجهة العسكرية مع إيران، بل رسمت ملامح رؤية أمريكية أوسع تقوم على فكرة أن الشرق الأوسط دخل فعلًا مرحلة انتقال تاريخية، تتراجع فيها أنماط النفوذ القديمة، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وموازين القوى وأدوار الدول المركزية في الإقليم.

ومن أبرز ما ورد في الطرح الأمريكي:

  • أن إيران تعرضت لأكبر تراجع استراتيجي منذ عام 1979.
  • أن جزءًا واسعًا من بنيتها المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الإمداد والوكلاء تعرض لضربات عميقة.
  • أن الولايات المتحدة تسعى إلى تقليل الحاجة للتدخل العسكري المباشر طويل الأمد.
  • أن المنطقة تتجه نحو بناء منظومات أمنية وتحالفات إقليمية جديدة أكثر استقلالًا.
  • أن واشنطن تنظر بقلق بالغ إلى أي فراغ أمني قد يسمح بعودة الفوضى أو إعادة تشكل النفوذ الإيراني.
  • وأن “مرحلة ما بعد الحرب” لا تقل أهمية عن الحرب نفسها.

لكن النقطة الأكثر أهمية في هذه الرؤية لم تكن إيران وحدها، بل الدول التي ستشكّل “أعمدة الاستقرار” في الشرق الأوسط الجديد، وهنا تحديدًا تبرز سورية بوصفها لاعبًا أساسيًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة إقليمية قادمة.

فسورية ليست دولة هامشية في الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل تُعدّ نقطة ارتكاز تربط بين الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط ولبنان والأردن، ما يجعل أي مشروع استقرار أو إعادة تشكيل إقليمي غير قابل للحياة دون وجود سورية مستقرة وقادرة على لعب دور فاعل ومتوازن.

ولعلّ ما يمنح سورية هذه الأهمية المتزايدة ليس فقط موقعها الجغرافي، بل أيضًا طبيعة المرحلة القادمة نفسها.

فالشرق الأوسط يتجه تدريجيًا من مرحلة “الصدامات المفتوحة” إلى مرحلة “إدارة التوازنات”، ومن منطق الحروب الطويلة إلى منطق الاستقرار القابل للاستدامة، وهذا التحول يحتاج إلى دول تمتلك القدرة على:

  • ضبط الحدود.
  • حماية الممرات الحيوية.
  • منع تشكل البيئات الفوضوية.
  • استيعاب التوازنات الإقليمية والدولية المعقدة.
  • خلق بيئة تمنع عودة التنظيمات المتطرفة أو شبكات النفوذ العابر للحدود.

وهذه كلها ملفات ترتبط بسورية بصورة مباشرة.

فاستقرار لبنان يرتبط بسورية. وأمن شرق المتوسط يرتبط بسورية. وضبط طرق التهريب والسلاح والهجرة غير الشرعية يرتبط بسورية.
وحتى مستقبل العلاقة بين العالم العربي وتركيا سيمرّ بدرجة كبيرة عبر البوابة السورية.

إضافة إلى ذلك، فإن أحد أهم التحولات التي يشهدها العالم اليوم يتمثل في إعادة رسم الممرات التجارية وسلاسل التوريد العالمية، خصوصًا بعد الأزمات الدولية المتلاحقة، وتعطل خطوط الشحن، وتصاعد التنافس الدولي على الموانئ والطاقة والممرات البحرية.
وهنا تعود سورية لتظهر مجددًا بوصفها موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

فسورية تمتلك واجهة مباشرة على البحر المتوسط، وتقع في نقطة اتصال طبيعية بين الخليج العربي والعراق من جهة، وتركيا وأوروبا وشرق المتوسط من جهة أخرى، ما يمنحها قابلية كبيرة للتحول إلى عقدة لوجستية وتجارية محورية ضمن أي مشروع إقليمي مستقبلي للنقل والطاقة وسلاسل الإمداد.

وفي عالم يتجه نحو تقليل الاعتماد على المسارات الطويلة والهشة، تصبح الدول القادرة على تأمين ممرات برية وبحرية مستقرة ذات قيمة استراتيجية استثنائية.

ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الدولي المتزايد بمفاهيم:

  • الممرات الاقتصادية.
  • الربط البري الإقليمي.
  • خطوط الطاقة والغاز.
  • الموانئ المتوسطة.
  • سلاسل التوريد البديلة.

فسورية، بحكم موقعها، تستطيع أن تتحول مستقبلًا إلى:

  • معبر تجاري بين الخليج والبحر المتوسط.
  • محطة ربط لخطوط الطاقة والنقل.
  • مركز لوجستي إقليمي.
  • نقطة وصل بين الأسواق العربية والتركية والأوروبية.

بل إن جزءًا من الصراع الدولي القادم لن يكون فقط على الجيوش والقواعد العسكرية، بل على “من يتحكم بحركة التجارة والطاقة وسلاسل التوريد”.

ولهذا فإن استقرار سورية لا يرتبط فقط بالجانب الأمني، بل أيضًا بالاقتصاد العالمي الجديد، الذي بات يبحث عن مسارات أكثر استقرارًا وأقل كلفة وأكثر أمانًا.

ومن هنا يمكن فهم الإشارات الأمريكية المتزايدة إلى “التعاون العملي” مع الدولة السورية في مرحلة ما بعد الحرب، ليس باعتبار سورية مجرد ملف أمني، بل باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في منع انهيار التوازن الإقليمي الجديد.

إن القراءة الاستراتيجية العميقة لما ورد في جلسة مجلس الشيوخ تكشف أن واشنطن، ومعها العديد من القوى الدولية، لم تعد تنظر إلى سورية فقط من زاوية الحرب الداخلية أو الأزمة الإنسانية، بل بدأت تنظر إليها باعتبارها:

  • عقدة توازن إقليمي.
  • حجر أساس للاستقرار المستدام.
  • دولة محورية في منع عودة الفوضى إلى المشرق العربي.
  • شريكًا محتملًا في شبكات النقل والطاقة والتجارة المستقبلية.

لكن هذا الدور لا يمكن أن يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب مشروعًا وطنيًا سوريًا جديدًا يعيد بناء مفهوم الدولة ومؤسساتها ووظيفتها الإقليمية.

فسورية القادمة لا يُفترض أن تكون مجرد دولة خارجة من الحرب، بل دولة تمتلك:

  • مؤسسات قوية.
  • اقتصادًا قابلًا للنهوض.
  • بنية تحتية حديثة.
  • موانئ وطرقًا وشبكات نقل متطورة.
  • علاقات متوازنة مع محيطها.
  • رؤية سيادية عقلانية.
  • قدرة على التحول من ساحة صراع إلى مركز استقرار وربط اقتصادي إقليمي.

فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن “إيقاف الحروب”، بل عن إنشاء منظومات مستقرة تمنع عودة الحروب أصلًا، وتؤمن في الوقت نفسه حركة التجارة والطاقة وسلاسل التوريد العالمية.

وفي هذا السياق تحديدًا، تصبح سورية واحدة من أهم الدول المرشحة للعب دور “الركيزة الجيوسياسية” في الشرق الأوسط الجديد، لا بوصفها تابعًا لمحور، بل بوصفها دولة قادرة على المساهمة في إنتاج توازن إقليمي أكثر عقلانية واستدامة، وأكثر اتصالًا بالاقتصاد العالمي الجديد.

إن الفرصة المطروحة اليوم أمام السوريين قد تكون واحدة من أهم الفرص التاريخية منذ عقود: فرصة إعادة بناء سورية ليس فقط كدولة نجت من الحرب، بل كدولة قادرة على المشاركة في صياغة مستقبل المنطقة بأسرها.

وهذا يتطلب عقل دولة حقيقي، يفهم أن المرحلة القادمة لن تُبنى بالشعارات، بل بالاستقرار، والمؤسسات، والتنمية، والشراكات الذكية، والقدرة على تحويل الموقع الجغرافي السوري من عبء صراع إلى مصدر قوة واستقرار دائم.

وانطلاقًا من ذلك، يوصي تيار المستقبل السوري بجملة من المسارات الوطنية والاستراتيجية التي يرى أنها ضرورية لتحويل سورية إلى عنصر استقرار فاعل في الشرق الأوسط الجديد:

العمل على إعادة بناء الدولة السورية على أسس مؤسساتية حديثة، تعزز سيادة القانون والكفاءة الإدارية والاستقرار السياسي بعيدًا عن منطق الفوضى والمحاصصة والانقسام.

تطوير البنية التحتية الوطنية، خصوصًا في مجالات:

  • الموانئ.
  • النقل البري والسككي.
  • المناطق اللوجستية.
  • الطاقة.
  • الربط التجاري الإقليمي، بما يؤهل سورية لتكون مركز عبور اقتصادي ولوجستي إقليمي ضمن شبكات التجارة وسلاسل التوريد المستقبلية.
  • إطلاق رؤية وطنية شاملة لتحويل الساحل السوري إلى منصة اقتصادية واستثمارية مرتبطة بشرق المتوسط، مع الحفاظ الكامل على السيادة الوطنية والمصالح السورية العليا.
  • دعم مشاريع الربط الإقليمي مع دول الجوار العربي وتركيا، بما يسهم في تحويل سورية من ساحة توتر إلى جسر للتكامل الاقتصادي والتجاري.
  • تعزيز مفهوم “الأمن التنموي”، عبر الربط بين الأمن والاستقرار الاقتصادي وفرص العمل، باعتبار أن التنمية المستدامة هي أحد أهم أدوات حماية الأمن الوطني ومنع عودة الفوضى والتطرف.
  • بناء سياسة خارجية سورية متوازنة تقوم على الشراكات الذكية والانفتاح المدروس، وتجنب تحويل سورية إلى ساحة صراع دائم بين القوى الإقليمية والدولية.
  • الاستثمار في الكفاءات السورية البشرية والعلمية داخل البلاد وخارجها، واعتبار إعادة بناء الإنسان السوري جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة بناء الدولة.
  • دعم مسارات الاستقرار الإقليمي والتعاون المشترك في حماية الممرات التجارية والطاقة وسلاسل التوريد، بما يرسخ دور سورية كشريك إقليمي مسؤول وفاعل.
  • الدفع نحو بيئة قانونية واستثمارية حديثة تجذب رؤوس الأموال العربية والدولية، وتعيد الثقة بالاقتصاد السوري على المدى البعيد.

ويرى تيار المستقبل السوري أن نجاح سورية في التحول إلى دولة مستقرة ومنفتحة وقادرة على الاندماج الإيجابي في الاقتصاد الإقليمي والعالمي، لن يشكل مكسبًا وطنيًا للسوريين فحسب، بل سيكون أحد أهم مفاتيح الاستقرار المستدام في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

المفاوضات مع إسرائيل وعودة اللاجئين بين التصريح ومتطلبات بناء الدولة

تحليل رؤية الوزير أسعد الشيباني حول المفاوضات مع إسرائيل وعودة اللاجئين وتأثيرها على مستقبل سورية.

14 مايو 2026

الدكتور زاهر بعدراني

المطالبة الرسمية الأولى تسليم المخلوع بشار الأسد من روسيا

خطوة جديدة نحو العدالة، المطالبة الرسمية الأولى تسليم المخلوع بشار الأسد من روسيا تفتح باب ملاحقة الجرائم.

14 مايو 2026

إدارة الموقع