لمحة سريعة:
كشف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أمس في مقابلة مع موقع "يورونيوز" على هامش مشاركته في "منتدى تنسيق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وسورية" في بروكسل، عن تفاصيل جديدة لسياسة سورية الخارجية تقوم على مفاوضات غير معلنة مع إسرائيل بوساطة أمريكية، بهدف اتفاق "أمني" لا "تطبيع" قسري.
و اتهام إسرائيل بمواصلة زعزعة الاستقرار واستهداف البنى التحتية.
وكما كشف عن جذب استثمارات بقيمة 62 مليار دولار خلال عام ونصف.
كما وتحدث عن عودة 1.5 مليون لاجئ + 1.5 مليون نازح، وربط العودة بدمار خلفه النظام السابق.
وهنا يتبادر السؤال حول جدوى هذه الرؤية التي قدمها الوزير الشيباني لبناء الدولة السورية الجديدة؟.
أولاً: التفاؤل الحذر:
لقد أظهر الوزير فهماً لعقلية الدولة عندما ميز بين "السلام" و"التطبيع"، فالأول هدف استراتيجي، والثاني خط أحمر شعبي وسياسي، وهذا التمييز يبقي هامش المناورة مفتوحاً.
كما أن ربط عودة اللاجئين بإعادة الإعمار معادلة منطقية تمنع تحميل الدولة أعباء لا تطاق، وتحفز المانحين على الاستثمار في مشاريع تنموية حقيقية.
كما وإن كشفه عن مفاوضات مباشرة مع إسرائيل (بغض النظر عن رأينا الرسمي في تيار المستقبل السوري) لدليل على ثقة دولية متنامية بقدرة الدولة السورية على تحمل مسؤولياتها.
وبالمجمل فإن النقاط تشير إلى أن سورية (العهد الجديد) باتت تجيد حديث لغة الدول، لا لغة فصيل أو مكون.
ثانياً: المخاطر:
إن التحليل السابق لا يعفينا من التنويه بشدة من خطورة بعض المطبّات:
الغموض حول "الاتفاق الأمني" مع إسرائيل، فقد تحدث الوزير عن اتفاق "يحترم السيادة"، لكنه بقيَ دونما تفاصيل.
وهنا قد يسمح الغموض لـِ تل أبيب تفسير الاتفاق لاحقاً لمصلحتها، ناهيكم عن المتصيدين بالماء العكر وهم كُثُر.
فعدم الوضوح الآن يخلق مشاكل غداً، و إذا كان هناك ترتيبات أمنية (نقاط تفتيش، قواعد مراقبة، مناطق عازلة) فيجب طرحها للنقاش الوطني قبل التوقيع.
62 مليار دولار بلا آليات رقابية، هذا الرقم ضخم جداً حقيقة، إذا لم يرافقه هيئة رقابةٍ مستقلة للإعمار والاستثمار (دعونا لها مراراً وتكراراً في تيار المستقبل السوري)، تصحبها محاسبة شفافة ونزيهة، وإلا فالخطورة أن نعيد سيناريو العراق بعد 2003!!، ملياراتٌ تدفقت، ثم فساد يصحبه إفساد، ينهي أي حلم بدولة مدنية.
عودة اللاجئين ليس الأمر مقتصراً على ذاك "الدمار المادي"، فالربط بين العودة وإعمار الخراب المادي أمرٌ لا مناص منه، لكنه غير كاف!، فاللاجئون اليوم يخافون من قضايا مختلفة، على رأسها تحقيق العدالة الانتقالية التي توقف أي صور الثأر الشخصي ونحوه، بالإضافة لغياب الخدمات الأساسية (كهرباء، ماء، انترنت، صحة، مدارس).
فأيُّ سياسة تعيد ملايين السوريين تبقى منقوصة ومهددة بالاستقرار المستدام.
ثالثاً: دروس من الماضي:
التجربة الناجحة، ألمانيا ما بعد الحرب:
لم تعتمد ألمانيا الغربية بعد 1945، على الأموال وحدها، بل أنشأت مؤسسات رقابية (البنك الاتحادي، المحاكم المستقلة) وأخضعت خطة مارشال لشفافية صارمة.
وكانت النتيجة: دولة قوية حتى اليوم.
التجربة الفاشلة، العراق بعد 2003:
حيث تدفق أكثر من 60 مليار دولار، لكن غياب المحاسبة حوّلها إلى مستنقع فساد، كما لم تبنَ مؤسسات، بل انقسمت الدولة على نفسها، وهذا ما نخشاه لسورية إذا لم نتعلم الدرس.
رابعاً: توصيات واقعية:
كي نبني الدولة ومؤسساتها من خلال هذه الملفات، ومن موقع داعم لها، فإننا نقترح في تيار المستقبل السوري الآتي:
- رفع مستوى الشفافية في ملف المفاوضات مع إسرائيل لحساسيته، عبر طرحه للاستفتاء الشعبي المباشر وعبر مجلس الشعب، قبل التوقيع على أي ترتيبات أمنية.
- إنشاء "الهيئة العليا للإعمار والاستثمار" وتكون مستقلة، وتخضع لرقابة ديوان محاسبة مع تقارير دورية منشورة عبر الإعلام الرسمي وقنواته النظامية.
بحيث تتولى إدارة الـ 62 مليار دولار وغيرها، وتحدد أولويات المشاريع. - إطلاق "ميثاق وطني للتعافي" يعالج مخاوف اللاجئين ولا يقتصر على إعادة البناء والإعمار، بل يشمل تعويضات عادلة، وضمانات أمنية، وتجنيداً اختيارياً، وإعادة تأهيل نفسي، وغير ذلك.
- منح منظمات المجتمع المدني حق الرقابة على الصرف والمشاريع، دون عرقلة عمل الدولة، وقد نكون مفيدين هنا كتيار مدني مستقل.
الخلاصة: بالعموم فإن تصريحات السيد وزير الخارجية السوري خطوة صحيحة الاتجاه، وتعكس وعياً بحاجة سورية للانخراط الواقعي مع العالم، لكن الفجوة بين الطموح والإنجاز ما زالت كبيرة.
والمطلوب الآن:
- تحويل الوعود إلى سياسات مؤسساتية ملموسة.
- تحويل 62 ملياراً إلى مشاريع تُرى بالعين المجردة.
- تحويل عودة اللاجئين إلى برامج تطمئن المترددين وتثبت إقامة العائدين.
وإذا نجحت سورية في ذلك، فسنكون أمام ولادة دولة مدنية حديثة، وهذا ما نرجوه.
هذا رأينا، نطرحه هنا بعيداً عن التمجيد أو التجريح.
والمعول علينا جميعاً كسوريين بما فينا من منظمات المجتمع المدني وأحزاب وتيارات بناءَ سورية المؤسسات على أسس واضحة بينة قوامها النزاهة، وعمادها شراكةٌ مع الشعب على أساس الشفافية الواقعية.