الكوادر السورية بين التهميش وإعادة التفعيل

تبرز اليوم واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً وأملًا في آنٍ معاً، وهي عودة مئات الآلاف من السوريين إلى ديارهم. فقد عاد بالفعل نحو 1.6 مليون لاجئ و1.9 مليون نازح داخلي منذ ديسمبر 2024، وتتوقع مفوضية اللاجئين عودة مليون إضافي خلال عام 2026، ليتجاوز عدد العائدين الأربعة ملايين خلال عامين.
تحمل هذه الموجة الاستثنائية في طياتها فرصة تاريخية لإعادة إعمار سورية بالدماغ السوري المغترب. ولكن، هل المشهد على الأرض مؤهل حقاً لاستقبال هذه الكفاءات؟ الإجابة المختصرة، بحسب شهادات العائدين أنفسهم وتقارير المنظمات الدولية، هي لا.

واقع المهارات المنكودة بغياب الفرص:

يتفق الباحثون والمنظمات الإنسانية على أن غياب الفرص الاقتصادية هو العائق الأكبر أمام إعادة الاندماج المستدام.
يؤكد تقرير صادر عن المنظمة الدولية للهجرة أن انعدام الفرص الاقتصادية والخدمات الأساسية هو التحدي الأكبر الذي يواجه العائدين. هذا الواقع يجد صداه في إحصاءات البطالة المروعة، حيث تتجاوز النسبة 25% وفقاً لتقرير بحثي صدر بعد سقوط النظام للبائد، بينما تشير مصادر أخرى إلى أرقام تفوق 30% بين العائدين المستجوبين تحديداً.

ولعل أشد الأطراف تضرراً هم الشباب المتعلمون الذين قضوا سنوات من عمرهم في دول اللجوء خارج مساراتهم المهنية. فقد تحولت شهاداتهم الجامعية إلى أوراق لا قيمة لها في بلد يعاني من انهيار اقتصادي متواصل، حيث أن انهيار الناتج المحلي الإجمالي تجاوز 60% من مستويات ما قبل 2011. ولعل اللافت هنا ما كشف عنه وزير الاقتصاد السوري نفسه حين تحدث عن أن نحو 2.7 مليون شاب في سورية لا يجيدون القراءة أو الكتابة أو أداء أي عمل، مما يستدعي إطلاق برامج تأهيل شاملة تشمل إنشاء مصانع ومدارس ومراكز تدريب. كيف يمكن إذن لطبيب عائد من ألمانيا أو مهندس من تركيا أن يجد مكاناً له في سوق عمل تعاني من أزمة مهارات حادة حتى بين مواطنيها الأصليين؟

تحديات قانونية وبيروقراطية تعيق الاندماج:

الأمر لا يتعلق فقط بالبطالة، بل بغياب البنية التحتية الداعمة أساساً. تشير تقارير المنظمات الدولية بالإجماع إلى أن غياب الوثائق المدنية يشكل عائقاً رئيسياً أمام العائدين للحصول على الخدمات الأساسية أو المطالبة بحقوق السكن والأراضي. وتقول مديرة منظمة إنقاذ الطفل في سورية، رانيا علي، إن العائدين "يصرون على إعادة بناء حياتهم وسط بنية تحتية مدمرة، ووصول محدود للمدارس والرعاية الصحية، وواقتصاد منهار".
وفي دراسة أجرتها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والبنك الدولي على آلاف العائدين، سلطت الأضواء مجدداً على أولوية سبل العيش والإسكان كشرط أساسي لأي عودة طوعية وآمنة ومستدامة.

فرصة تاريخية لإعادة البناء:

لكن النظرة المتشائمة لا ينبغي أن تحجب فرصة تاريخية للاستثمار في رأس المال البشري. فوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، تعتبر أن عودة اللاجئين تمثل تطوراً إيجابياً ليس فقط من الناحية الاجتماعية، بل من حيث الإمكانات البشرية التي تعود بسوق العمل، إذ راكم الكثير من العائدين خبرات ومهارات خلال سنوات عملهم خارج البلاد يمكن الاستفادة منها في إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي.

هنا تبرز الحاجة الماسة إلى برامج إعادة تأهيل عملية لا تقتصر على التدريب النظري، بل تركز على التطبيق المباشر والتحديث المهني وبناء الجسور مع فرص العمل. تشير الأبحاث إلى أن تقديم أشكال محددة من تدريب المهارات، مثل التدريب المهني ودورات اللغة، "يمكن أن يعزز بشكل كبير من قابلية توظيف اللاجئين العائدين في سوق العمل المتطورة في سورية". وقد أثبتت النماذج المطبقة في دول الجوار، مثل مشروع "التدريب المهني للوظائف" (VET4JOB) في تركيا الذي يوفر التعليم والتدريب المهني للشباب والكبار من اللاجئين والمجتمعات المضيفة، ومشروع "كودرا" في الأردن الذي نجح في توفير برامج تطوير المهارات والتدريب المهني، أن هذه المبادرات قابلة للتطبيق ومثمرة.

خلاصة:

ما تحتاجه الكوادر السورية العائدة اليوم ليس مجرد وعود، بل مسار واضح يعيد وصل ما انقطع بسبب سنوات الحرب واللجوء: من المعرفة إلى التطبيق، ومن الانتظار إلى الفعل. إن الاستثمار في هذه الكوادر ركيزة أساسية لأي تعافٍ اقتصادي حقيقي. في الخلاصة، لا تكمن المعضلة في غياب الكفاءة، بل في غياب الفرصة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

من الأيديولوجيا إلى العمران بعد المرحلة الانتقالية

تقدم هذه الورقة دراسة لرؤية 'الإسلام الحضاري' كإطار بديل لتجاوز الصراعات الأيديولوجية وتأثيرها على البناء الوطني.

1 مايو 2026

جمعة محمد لهيب

يوم العمال العالمي

تيار المستقبل السوري يهنئ الجميع بيوم العمال العالمي ويعبر عن أهمية القوى العاملة في مسيرة التعافي الاقتصادي.

1 مايو 2026

إدارة الموقع