الاقتصاد الحيوي في المناطق الحضرية السورية

الملخص التنفيذي:

تستند هذه الدراسة إلى مسح ميداني قام به قسم البحوث والدراسات في المكتب العلمي لـِ تيار المستقبل السوري، شمل 600 أسرة في خمس مدن سورية رئيسية (دمشق، حلب، حمص، اللاذقية، طرطوس) خلال عام 2026، بهدف فهم الآليات الفعلية التي يعتمدها السوريون لإدارة حياتهم المعيشية بعد التحرير.
تكشف النتائج عن فجوة كبيرة بين الصورة المستقاة من مؤشرات الفقر الدولية (التي تشير إلى أن أكثر من 90% تحت خط الفقر) والمشاهدات الميدانية التي تظهر أسواقاً نشطة وطلباً على السلع المعمرة وحركة عمرانية.

تقترح الدراسة نظرية "الاقتصاد الحيوي" كإطار تفسيري بديل، يركز على تعدد مصادر الدخل (73% من الأسر)، وشبكات التكافل الاجتماعي (83% لديهم ملجأ في الضائقة)، والمرونة المهنية (60% غيروا مهنتهم)، والإنتاج المنزلي (59% يمارسونه).
كما تبين أن 59% من الأسر تغطي نفقاتها بسهولة أو بشكل معتاد، و80% يشعرون بتحسن مقارنة بفترة ما قبل التحرير.

تختتم الدراسة بتوصيات عملية لتعزيز هذا النموذج، وتقديم رؤية استشرافية لسورية 2030.

مقدمة – إشكالية التناقض بين المؤشرات الدولية والمشهد الميداني:

يسود منذ التحرير تناقض لافت بين الصورة الكارثية التي ترسمها التقارير الدولية للوضع المعيشي في سورية، والواقع الذي يعيشه المواطن السوري في المدن الرئيسية.
فبينما تشير تقديرات البنك الدولي وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن 27% في فقر مدقع (البنك الدولي، 2025؛ WFP، 2025)، فإن المراقب الميداني يلاحظ حركة اقتصادية لافتة تتحلى بـ: امتلاء الأسواق، وارتفاع الطلب على السيارات والأجهزة المنزلية، وزيادة الإيجارات، ونشاط عمراني ملحوظ.

ولا يمكن ردُ هذا التناقض إلى مجرد خطأ في الرصد، بل يشير إلى وجود فجوة منهجية في كيفية قياس الرفاه في سياقات ما بعد النزاع.

تهدف هذه الدراسة إلى اختبار فرضية أن السوريين طوروا آليات اقتصادية بديلة تعتمد على "الطاقة الإنتاجية الذاتية" وشبكات التكافل والمرونة المهنية، وهو ما نسميه بهذه الدراسة: "الاقتصاد الحيوي".
كما تسعى إلى نقد منهجيات القياس التقليدية وتقديم أدوات بديلة تلتقط الخصوصية السورية.

الإطار النظري – من اقتصاد الصمود إلى الاقتصاد الحيوي:

1- نقد مفاهيم الفقر التقليدية:

تعتمد مؤشرات الفقر الدولية على قياس الدخل النقدي والاستهلاك بشكل أساسي (Ravallion, 2016).
لكن هذا النهج يتجاهل عدة أبعاد حاسمة في سياقات الأزمات:

  • الاقتصاد غير الرسمي.
  • تحويلات المغتربين.
  • رأس المال الاجتماعي.
  • المرونة النفسية.

حيث يمكن لهذه العوامل مجتمعة أن تنتج مستوى من الرفاه لا يتناسب مع الدخل النقدي الظاهر.

2-أدبيات اقتصاد الصمود والاقتصاد غير الرسمي في سياقات ما بعد النزاع:

تشير أدبيات "الصمود" إلى قدرة الأسر على الصمود أمام الصدمات عبر تنويع مصادر الدخل والاعتماد على الشبكات الاجتماعية

حيث أظهرت بعض الدراسات عن حالات مشابهة، مثل العراق بعد 2003، ولبنان بعد الحرب الأهلية، أن الأسر تلجأ إلى الاقتصاد غير الرسمي وتحويلات المغتربين كآليات تكيف أساسية.
وفي البلقان، وثّقت بعض الدراسات كيف أعادت الأسر بناء سبل عيشها عبر مزيج من المساعدات الدولية والمبادرات الذاتية (World Bank, 2005).

وتنفرد سورية بدرجة عالية من التماسك الاجتماعي وشبكات القرابة الممتدة، مما قد يفسر فاعلية هذه الآليات.

3-تأصيل مصطلح "الاقتصاد الحيوي":

صاغ نيكولاس جورجيسكو-رويجن مصطلح "الاقتصاد الحيوي" ليربط بين القوانين الاقتصادية والقوانين البيولوجية والفيزيائية.
لكن الاستخدام المعاصر للمصطلح يُركز من قبل منظمات مثل OECD على الاقتصاد القائم على الموارد البيولوجية المتجددة.

ونحن نقدم هنا تعريفاً جديداً يلتقط خصوصية الحالة السورية، حيث نُعرّف الاقتصاد الحيوي السوري بأنه نموذج اقتصادي قائم على استثمار "الطاقة البشرية" عبر تعدد مصادر الدخل، والمرونة المهنية، وشبكات التكافل الاجتماعي، والإنتاج المنزلي، مما ينتج قدرة على "إدارة الحياة" تتجاوز محدودية الدخل النقدي.

ويختلف هذا المفهوم عن "الاقتصاد غير الرسمي" في كونه يُركز على الجوانب الإيجابية والمنتجة، وليس مجرد التهرب من الضرائب أو التنظيم.

منهجية البحث:

1- نوع الدراسة والمنهج:

اعتمدنا المنهج المختلط (Mixed Methods) الذي يجمع بين المسح الكمي (الاستبيان) والأدوات النوعية (المقابلات المعمقة والمجموعات البؤرية).
يسمح لنا هذا المنهج بقياس الظاهرة على نطاق واسع مع فهم الآليات الكامنة وراءها.

2- مجتمع البحث والعينة:

استهدف المسح الأسر في المناطق الحضرية الرئيسية: دمشق، حلب، حمص، اللاذقية، طرطوس.
وقد تم اختيار عينة عنقودية طبقية، حجمها 600 أسرة، موزعة حسب الكثافة السكانية التقريبية للمدن: دمشق (32%)، حلب (28%)، حمص (18%)، اللاذقية (12%)، طرطوس (10%).

وتم تقسيم كل مدينة إلى أحياء حسب المستوى المعيشي (راقٍ، متوسط، شعبي) واختيار أحياء عشوائياً من كل طبقة.

وداخل كل حي، تم اختيار الأسر بشكل منهجي:
في المنازل المستقلة تم اختيار كل منزل خامس، وفي العمارات السكنية تم اختيار شقة واحدة من كل عمارة عبر رقم عشوائي.
هذا، وحجم العينة يضمن هامش خطأ ±4% عند مستوى ثقة 95%.

وبلغت نسبة الاستجابة 78%، وكانت أسباب الرفض الرئيسية: الخوف من الضرائب والتموين (42% من الرافضين)، وعدم الرغبة في الإجابة (35%)، وغياب رب الأسرة (23%).
مما قد يعني تحيزاً طفيفاً نحو الأسر الأكثر ثقة أو انفتاحاً.

أداة القياس – استبيان "الرفاه الحيوي":

1- صمم الاستبيان لقياس أربعة أبعاد رئيسية:

  • البعد الأول: مصادر الطاقة الإنتاجية (تعدد مصادر الدخل، الإنتاج المنزلي، المرونة المهنية).
  • البعد الثاني: رأسمال الصمود (شبكات التكافل، المهارات الحرفية، الدعم العيني).
  • البعد الثالث: الاستقرار المعيشي الديناميكي (تغطية النفقات، الشعور بالتحسن، الأمان الاقتصادي، شراء السلع المعمرة).
  • البعد الرابع: التحديات والفرص (أسئلة مفتوحة).


تم اختبار الاستبيان مبدئياً على 30 أسرة للتأكد من وضوح الأسئلة وملاءمتها، وأجريت تعديلات طفيفة.
وتم حساب معامل كرونباخ ألفا للثبات الداخلي، وكانت قيمته 0.82 للأسئلة الكمية، مما يشير إلى ثبات مقبول.
كما تم التأكد من الصدق الظاهري عبر عرضه على 5 خبراء اقتصاديين وباحثين اجتماعيين ليسوا أعضاء في تيار المستقبل السوري.

2- الأدوات النوعية:

أجريت مقابلات معمقة مع 25 فرداً يمثلون أنماطاً مختلفة من العينة (صاحب عمل صغير، أسرة تعتمد على تحويلات مغترب، أرملة تعيل أسرتها، شاب عاطل عن العمل).
كما نُظمت 4 مجموعات بؤرية في أحياء شعبية، نوقشت فيها آليات التكيف والتحديات اليومية.
وتم تسجيل المقابلات وتفريغها وتحليلها موضوعياً وفق منهج براون وكلارك.

3- تحليل البيانات:

تم تحليل البيانات الكمية باستخدام برنامج SPSS، وشمل:

  • إحصائيات وصفية (نسب مئوية، متوسطات).
  • اختبارات الفروق بين المدن لفحص التباين المكاني.
  • تحليل الانحدار اللوجستي لتحديد العوامل المرتبطة بـ "القدرة على إدارة الحياة".

أما البيانات النوعية فتم تحليلها عبر الترميز الموضوعي.

4- حدود الدراسة:

تقتصر العينة على المناطق الحضرية، ولا تمثل المناطق الريفية أو المخيمات. لذلك لا يمكن تعميم النتائج على كامل سورية.
اعتمدنا على إفادات المستجيبين الذاتية، والتي قد تتأثر بـ "تحيز الرغبة الاجتماعية" (خاصة في أسئلة مثل "إدارة الحياة") أو "تحيز التفاؤل" بعد التحرير.
عدم وجود مسح تتبعي (Panel) يحول دون رصد التغيرات بدقة على مستوى الأسر.
صعوبة التحقق من دقة بعض الإجابات المتعلقة بالدخل بسبب الخوف من الضرائب أو الأسباب القانونية، رغم تأكيد السرية.
قد يكون للظروف السياسية والأمنية في بعض المناطق تأثير على الإجابات، ولم نتمكن من قياس ذلك.

نتائج المسح الميداني:

1-خصائص العينة

تكونت العينة من 48% ذكور و52% إناث (كبيرات أسر غالباً).
الفئة العمرية الأكثر تمثيلاً كانت 31-45 سنة (41%).
من حيث التعليم، 34% يحملون شهادة جامعية فأكثر، و29% ثانوي، و37% دون ثانوي.
متوسط عدد أفراد الأسرة 4.8 فرد.

2- مصادر الطاقة الإنتاجية:

أظهرت النتائج أن 73% من الأسر تعتمد على أكثر من مصدر دخل واحد.
وقد توزعت الأسر حسب عدد المصادر:
27% مصدر واحد، 41% مصدران، 22% ثلاثة مصادر، 10% أربعة مصادر فأكثر.
عند تحليل طبيعة مصادر الدخل (مع إمكانية التعدد)، توزعت الإجابات كالتالي: عمل حر (58%)، عمل يومي أو موسمي (43%)، تحويلات من أقارب (45%)، وظيفة حكومية (31%)، وظيفة قطاع خاص (27%)، مساعدات منظمات (18%)، تأجير عقار (12%)، زراعة أو تربية مواشي (9%).
وقد كانت المرونة المهنية عالية: 38% غيروا مهنتهم مرة واحدة خلال السنتين الماضيتين، و22% غيروها أكثر من مرة. فقط 13% بقوا في نفس العمل دون تغيير.
أما الإنتاج المنزلي للبيع أو المقايضة، فذكر 31% أنهم يمارسونه بشكل منتظم، و28% أحياناً، بينما أعرب 22% عن رغبتهم وقدرتهم على ممارسته لو توفرت الإمكانيات.

3- رأسمال الصمود:

أظهرت النتائج قوة شبكات التكافل من خلال:
54% لديهم من يلجؤون إليه "دائماً" في الضائقة، و29% "أحياناً". فقط 5% قالوا إنهم لا يملكون أحداً.
حول دور العائلة في تحسين الوضع المعيشي، قال 48% إنه "أساسي وكبير جداً"، و33% "متوسط". أي 81% يرون أن للعائلة دوراً مهماً.
الدعم العيني المنتظم (مواد غذائية، أدوية، مساعدة ترميم) يتلقاه 23% بشكل منتظم، و41% أحياناً.
وأما بالنسبة للمهارات الحرفية، 42% يمتلكون مهارة ويعملون بها بشكل إضافي، و31% يمتلكون مهارة لكن لا يعملون بها حالياً. فقط 27% لا يمتلكون مهارة محددة.
والمشاركة في المجموعات التعاونية أو الجمعيات محدودة: 18% يشاركون بشكل منتظم، و24% أحياناً، لكن 32% أعربوا عن رغبتهم.
وفي سؤال افتراضي: "لو توقفت مساعدات الأقارب، كيف سيتأثر وضعك؟".
أجاب 23% "سينهار تماماً"، و41% "سيتأثر بشكل كبير". أي أن 64% يعتمدون بشكل جوهري على هذه المساعدات.

4- الاستقرار المعيشي الديناميكي:

سئلت الأسر عن كيفية تغطية النفقات الأساسية خلال الأشهر الستة الماضية: 16% يغطونها بسهولة ويدخرون أحياناً، 43% يغطونها بشكل معتاد دون مشاكل كبيرة، 28% يغطونها بصعوبة في بعض الأشهر، 13% يغطونها بصعوبة كبيرة ودائماً يعانون عجزاً.
المقارنة الزمنية: مقارنة بالعام الماضي (2025)، 29% أفضل بكثير، 38% أفضل قليلاً (67% تحسن)، 21% كما هي، 8% أسوأ قليلاً، 4% أسوأ بكثير.
مقارنة بفترة ما قبل التحرير (قبل 2024): 52% أفضل بكثير، 28% أفضل قليلاً (80% تحسن)، 12% كما هي، 5% أسوأ قليلاً، 3% أسوأ بكثير.
الشعور بالأمان الاقتصادي تجاه المستقبل: 19% أمان كبير وتفاؤل، 36% أمان متوسط (55% أمان)، 22% غير متأكد، 15% قلق، 8% خوف شديد.
شراء سلع معمرة خلال السنة الماضية: 24% اشتروا أكثر من سلعة، 38% اشتروا سلعة واحدة (62% اشتروا)، 22% لم يشتروا لكن يخططون، 16% لم يشتروا ولا يخططون.
الترميم والإصلاحات المنزلية: قام 47% بترميم أو إصلاح كبير في منازلهم خلال العام الماضي.
السؤال الأكثر دلالة: "هل يستطيع الإنسان في منطقتك أن يدير حياته بشكل معقول حتى لو كان دخله محدوداً؟"
أجاب 38% نعم بالتأكيد، 41% نعم إلى حد ما (79% إيجابي)، 14% صعب جداً، 7% مستحيل.

5-الأسئلة المفتوحة:

أكبر التحديات: ارتفاع الأسعار وتدني قيمة العملة (76%)، غلاء الإيجارات (54%)، عدم استقرار فرص العمل (41%)، ضعف الخدمات الحكومية (38%)، صعوبة تأمين الدواء (27%).
أهم المساعدات المطلوبة: تسهيل الحصول على قروض صغيرة (63%)، دعم السكن أو تخفيض الإيجارات (44%)، تحسين البنية التحتية (38%)، دعم غذائي مباشر (22%).

6- تحليل الفروق بين المدن والتباين الداخلي:

أظهر تحليل ANOVA فروقاً ذات دلالة إحصائية بين المدن في بعض المتغيرات.
ففي دمشق، كانت نسبة الاعتماد على تحويلات المغتربين أعلى (54%) منها في حمص (38%)، مما يعكس كثافة الاغتراب.
كما كانت نسبة شراء السلع المعمرة في دمشق (68%) أعلى منها في اللاذقية (55%).
في المقابل، كانت المرونة المهنية (تغيير المهنة) أعلى في حمص (68%)، ربما بسبب حجم الدمار الأكبر والحاجة لإعادة البناء.
تؤكد هذه الفروق أن "الاقتصاد الحيوي" ليس متجانساً في كل المناطق، بل يتشكل حسب الظروف المحلية.

مناقشة النتائج:

1- تفسير التناقض الظاهري مع التقارير الدولية:

تشير نتائجنا إلى أن التقارير الدولية لا تخطئ بقدر ما هي غير ملائمة للسياق السوري.
فاعتمادها على الدخل النقدي فقط يتجاهل: تعدد مصادر الدخل (73% من الأسر)، وشبكات التكافل التي توفر أماناً غير رسمي (83% لديهم ملجأ)، والإنتاج المنزلي (59% يمارسونه)، والمهارات الحرفية كرأسمال كامن (73% يمتلكون مهارة).
لذلك، فإن نسبة 13% الذين يعانون عجزاً دائماً (وهو مؤشرنا للفقر المدقع) أقرب إلى الواقع من نسبة 27% التي تذكرها التقارير.
لكن هذا لا يعني إنكار وجود فقر حاد في مناطق مهمشة خارج نطاق دراستنا.

2- معالجة التناقض الظاهري في النتائج – الاعتماد على الأقارب والقدرة على إدارة الحياة:

قد يبدو تناقضاً أن 64% يعتمدون على مساعدات الأقارب بشكل جوهري، بينما 79% يقولون إنهم يديرون حياتهم بشكل معقول.
لكن التحليل النوعي يكشف أن "إدارة الحياة" تشمل استثمار هذه المساعدات كأحد الموارد، وليس إنكارها.
فقد أظهرت المقابلات أن الأسر تدمج تحويلات المغتربين مع الدخل المحلي والمهارات الحرفية والإنتاج المنزلي في استراتيجية متكاملة.

والمساعدات هنا لاتُعتبر "عاراً" بل هي جزء من شبكة الأمان المتوقعة.
كما أن "إدارة الحياة" تعني القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية بكرامة، وليس الاستغناء عن المساعدات.

3- تفسير العلاقات السببية – دور الاقتصاد الحيوي مقابل عوامل أخرى:

قد يرى ناقد أن التحسن المبلغ عنه يعود ببساطة إلى عودة الأمن والاستقرار، وليس إلى آليات "الاقتصاد الحيوي".
ولكن، أظهر تحليل الانحدار اللوجستي أن المتغيرات المرتبطة بقوة بـ "القدرة على إدارة الحياة" هي: تعدد مصادر الدخل (أرجحية 3.2)، وامتلاك مهارة حرفية (أرجحية 2.8)، ووجود شبكة تكافل قوية (أرجحية 2.5)، وتلقي تحويلات (أرجحية 2.1).
بينما كان تأثير تحسن الأمن العام (كمتغير مراقب) أقل (أرجحية 1.6). مما يشير إلى أن آليات الاقتصاد الحيوي تلعب دوراً مستقلاً ومهماً.

4- مقارنة مع دراسات سابقة:

تتوافق نتائجنا مع دراسة عن العراق بعد 2003 وجدت أن 68% من الأسر اعتمدت على مصادر دخل متعددة، وأن تحويلات المغتربين شكلت 40% من دخل الأسر في بعض المناطق (Al-Mawlawi, 2020).
كما تتفق مع دراسة عن لبنان أظهرت أن شبكات العائلة لعبت دوراً حاسماً في الصمود أثناء الأزمة الاقتصادية (Chaaban, 2009).
لكن ما يميز الحالة السورية هو الانتشار الأوسع للإنتاج المنزلي (59%)، ودرجة المرونة المهنية العالية (60% غيروا مهنتهم)، مما قد يعكس خبرة متراكمة من سنوات الأزمة الطويلة.

5- الآثار النظرية:

تؤكد النتائج ضرورة تطوير نظريات الفقر والرفاه لتناسب سياقات ما بعد النزاع. فمفاهيم مثل "خط الفقر" القائمة على الدخل النقدي يجب أن تستكمل بمؤشرات تأخذ في الاعتبار رأس المال الاجتماعي والمهاري وشبكات الأمان غير الرسمية.
كما تدعم النتائج نظرية "الصمود" التي تؤكد أن الأسر ليست مجرد ضحايا سلبيين، بل فاعلون يطورون استراتيجيات تكيف معقدة.

6- رؤية استشرافية – سورية 2030 في ضوء الاقتصاد الحيوي:

استناداً إلى النتائج السابقة، نقترح في المكتب الإقتصادي لـِ تيار المستقبل السوري ثلاثة سيناريوهات:

السيناريو الأول (الاستثمار في الحيوية): تتبنى الدولة سياسات تستثمر في الطاقة الإنتاجية الذاتية عبر صندوق وطني للمشاريع متناهية الصغر (بتمويل 50 مليون دولار من موازنة الدولة والمنح الدولية)، إضافة إلى برامج تدريب مهني (تمويل 10 ملايين دولار بالشراكة مع منظمة العمل الدولية)، وأيضا منصة لربط المغتربين بفرص استثمارية صغيرة. ليصل النمو إلى 7-8% سنوياً، وتنخفض نسبة الفقر المدقع إلى 5% بحلول 2030.

السيناريو الثاني (التوازن): تحسن تدريجي في الخدمات، واستمرار تدفق الاستثمارات الخليجية بشكل يكون ملموساً، وبقاء شبكات التكافل كمظلة رئيسية. ليؤدي إلى نمو 4-5%، وفقر مدقع 8-10%.

السيناريو الثالث (إهدار الفرصة): فشل الدولة في استيعاب ديناميكية الاقتصاد الحيوي، واستمرار البيروقراطية، وهجرة الكفاءات. ليؤدي إلى نمو دون 2%، وفقر مدقع 15%.

ونرى هنا، أن السيناريو الأول هو المستهدف، ويتطلب تدخلات فورية.

توصيات السياسات:
أولا، على المدى القصير (2026-2027):

إنشاء صندوق وطني لتمويل المشاريع متناهية الصغر بالشراكة مع البنوك المحلية القادمة، والصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، بحيث يقدم قروضاً ميسرة بفائدة رمزية (2-3%) وفترة سماح سنة، ويستهدف تحويل الأنشطة المنزلية (59% من الأسر) إلى مشاريع مسجلة.
والتمويل المقترح: 50 مليون دولار (30 مليون من موازنة الدولة، 20 مليون من المنح الدولية).

آليات التنفيذ: فتح فروع للصندوق في المحافظات الرئيسية، وتبسيط إجراءات التقديم، وضمانات ميسرة (كفالة شخصية أو جماعية).

إطلاق برنامج وطني للتدريب المهني القصير بالتعاون مع منظمة العمل الدولية ووزارة الشؤون الاجتماعية. يستهدف استثمار المهارات الحرفية الموجودة (73%) عبر تحسين الجودة والتسويق الرقمي وإدارة المشاريع الصغيرة.

مدة البرنامج 3-6 أشهر، ويشمل تدريباً عملياً في ورش محلية.
تمويل مقترح: 10 ملايين دولار (منحة من الاتحاد الأوروبي أو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
شركاء التنفيذ: غرف الصناعة والتجارة، ومنظمات المجتمع المحلي.

تطوير منصة إلكترونية لربط المغتربين بفرص استثمارية صغيرة، بالتعاون مع وزارة المغتربين واتحاد غرف التجارة، بحيث تقدم المنصة خدمات قانونية واستشارية وتسهل تحويل الأموال عبر قنوات آمنة.
وتتضمن قاعدة بيانات للفرص الاستثمارية (مشاريع صغيرة، عقارات، شراكات) مصنفة حسب المنطقة ونوع الاستثمار.
التمويل: شراكة بين القطاع الخاص (شركات تقنية) ومنحة من المنظمة الدولية للهجرة.

إطلاق حملة إعلامية وطنية لتوثيق قصص نجاح الاقتصاد الحيوي، بالشراكة مع وسائل الإعلام المحلية، لتعزيز الثقة ونشر ثقافة المبادرة.
تشمل الحملة برامج تلفزيونية وتقارير صحفية ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

ثانيا، على المدى المتوسط (2028-2030):

بناء "مؤشر الرفاه الحيوي السوري" بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء والمنظمات الدولية (اليونيسيف، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي).
يتكون المؤشر من 12 متغيراً موزونة (تعدد مصادر الدخل 20%، قوة شبكات التكافل 20%، المهارات الحرفية 15%، الإنتاج المنزلي 15%، القدرة على إدارة الحياة 15%، الأمان الاقتصادي 15%).
يهدف إلى استبدال مؤشرات الفقر التقليدية بمؤشر أكثر ملاءمة، ويتم نشره سنوياً.

تشريع قانون للاقتصاد التكافلي ينظم عمل الجمعيات التعاونية والصناديق العائلية ومجموعات التوفير، ويوفر حوافز ضريبية (إعفاء لمدة 5 سنوات) للمشاركين، ويحمي حقوقهم عبر آلية رقابية.
يستند إلى خبرات دولية مثل قانون التعاونيات في ألمانيا والنموذج الكندي للصناديق المجتمعية.
ويتطلب القانون حواراً وطنياً مع الخبراء ومنظمات المجتمع المدني.

إنشاء مناطق حاضنة للمشاريع الصغيرة في ضواحي المدن الكبرى (مثلاً في عدرا بريف دمشق، الشيخ نجار بحلب)، توفر بنية تحتية أساسية (كهرباء، مياه، اتصالات) وخدمات مشتركة (تسويق، تغليف، تصدير) بأسعار مدعومة.
تمويل مقترح: شراكة بين وزارة الإدارة المحلية (توفير الأراضي) والقطاع الخاص (إنشاء وإدارة) والمانحين الدوليين (تمويل البنية التحتية).

وهنا نوصي بأن نموذج الحاضنات في تركيا يمكن الاستفادة منه.

على المدى الطويل (2030+):

  • دمج مفاهيم الاقتصاد الحيوي في المناهج التعليمية بالتعاون مع وزارة التربية، عبر إدخال أنشطة عملية عن المهارات الحرفية والزراعية والمالية في مراحل التعليم الأساسي، وإنشاء نوادٍ للمشاريع الصغيرة في المدارس الثانوية.
    ونرى أن ذلك يتطلب تطوير مناهج جديدة وتدريب معلمين.
  • بناء شراكة إستراتيجية مع دول الخليج وتركيا والاتحاد الأوروبي تركز على الاستثمار في "الطاقة البشرية" السورية، عبر تمويل برامج التدريب ودعم المشاريع الصغيرة وربطها بأسواق إقليمية.
    تتولى وزارة التخطيط والتعاون الدولي تنسيق هذه الشراكة، مع تحديد أولويات واضحة (قطاعات: حرفية، زراعية، تقنية) وآليات متابعة.
  • ترويج العلامة التجارية "سورية أرض الاقتصاد الحيوي" عبر مشاركات دولية (منتديات اقتصادية، معارض) ومنصات رقمية، لعرض قصص النجاح وجذب الاستثمارات.
    يتضمن ذلك إنتاج مواد تسويقية بالعربية والإنجليزية والتركية، وإنشاء موقع إلكتروني تفاعلي.

حدود الدراسة واقتراحات للبحوث المستقبلية:

إضافة لاعتمادنا بهذه الدراسة على طلاب جامعيين متطوعين، على اعتبار أن هذه الدراسة عينة يمكن البناء عليها في دراسات قادمة لعلها تكون أكثر توسعا بميزانية تحملها لنشرك بها أعداداً أكبر من الجامعيين.
فإننا نذكر أيضا، أن حدود الدراسة هي:

  • اقصرت العينة على المناطق الحضرية وعدم تمثيل الريف والمخيمات.
  • احتمال تحيز الرغبة الاجتماعية في بعض الإجابات (خاصة أسئلة "إدارة الحياة").
  • عدم القدرة على التحقق من دقة الدخل المبلغ عنه.
  • تأثير الظروف السياسية والأمنية على استعداد البعض للإجابة.
  • عدم وجود مسح تتبعي لرصد التغيرات على مستوى الأسر.

لهذا فإننا نقترح للبحوث المستقبلية ما يأتي:

  • إجراء مسح مماثل في المناطق الريفية والمخيمات لمقارنة النتائج.
  • دراسة تأثير المتغيرات السياسية (مثل الاستقرار الأمني، سياسات الحكومة) على الاقتصاد الحيوي.
  • مسح تتبعي (Panel) لنفس الأسر على مدى 3-5 سنوات لرصد تطور آليات الصمود.
  • بحث معمق في دور المرأة في الاقتصاد الحيوي، خاصة في الإنتاج المنزلي.
  • دراسة مقارنة مع دول أخرى خرجت من نزاعات (العراق، لبنان، البوسنة) لاستخلاص دروس أوسع.

المراجع

  • البنك الدولي. (2025). تقرير عن الفقر في سورية: تحديات الانتقال وإعادة الإعمار (تقرير رقم 178965-SY). مجموعة البنك الدولي، واشنطن العاصمة.
  • برنامج الأغذية العالمي. (2025). تقييم الأمن الغذائي في سورية: النتائج والتوصيات. الأمم المتحدة، روما.
  • Al-Mawlawi, A. (2020). Informal Economy and Livelihoods in Post-2003 Iraq. Middle East Centre Report, London School of Economics and Political Science, London.
  • Barrett, C. B., & Constas, M. A. (2014). Toward a theory of resilience for international development applications. Proceedings of the National Academy of Sciences, 111(40), 14625-14630. https://doi.org/10.1073/pnas.1320880111
  • Braun, V., & Clarke, V. (2006). Using thematic analysis in psychology. Qualitative Research in Psychology, 3(2), 77-101. https://doi.org/10.1191/1478088706qp063oa
  • Bugge, M., Hansen, T., & Klitkou, A. (2016). What is the bioeconomy? A review of the literature. Sustainability, 8(7), 691. https://doi.org/10.3390/su8070691
  • Chaaban, J. (2009). Labour markets and migration in post-conflict Lebanon. In Labour Markets and Migration in Conflict-Affected Countries. World Bank Publications, Washington, DC.
  • Creswell, J. W., & Plano Clark, V. L. (2017). Designing and conducting mixed methods research (3rd ed.). SAGE Publications, Thousand Oaks, CA.
  • De Soto, H. (2000). The mystery of capital: Why capitalism triumphs in the West and fails everywhere else. Basic Books, New York.
  • Fine, B. (2001). Social capital versus social theory: Political economy and social science at the turn of the millennium. Routledge, London.
  • Georgescu-Roegen, N. (1971). The entropy law and the economic process. Harvard University Press, Cambridge, MA.
  • Groves, R. M., Fowler, F. J., Couper, M. P., Lepkowski, J. M., Singer, E., & Tourangeau, R. (2009). Survey methodology (2nd ed.). Wiley Series in Survey Methodology, John Wiley & Sons, Hoboken, NJ.
  • Holling, C. S. (1973). Resilience and stability of ecological systems. Annual Review of Ecology and Systematics, 4, 1-23. https://doi.org/10.1146/annurev.es.04.110173.000245
  • Kish, L. (1965). Survey sampling. John Wiley & Sons, New York.
  • Loayza, N. V., & Rigolini, J. (2011). Informal employment: Safety net or growth engine? World Development, 39(9), 1503-1515. https://doi.org/10.1016/j.worlddev.2011.03.015
  • Nunnally, J. C. (1978). Psychometric theory (2nd ed.). McGraw-Hill, New York.
  • OECD. (2018). The bioeconomy to 2030: Designing a policy agenda. OECD Publishing, Paris. https://doi.org/10.1787/9789264056886-en
  • Putnam, R. D. (2000). Bowling alone: The collapse and revival of American community. Simon & Schuster, New York.
  • Ravallion, M. (2016). The economics of poverty: History, measurement, and policy. Oxford University Press, Oxford.
  • Viaggi, D. (2018). The bioeconomy: Delivering sustainable green growth. CAB International, Wallingford, UK.
  • World Bank. (2005). Resilience and reconstruction in the Balkans. World Bank Publications, Washington, DC.
  • World Bank. (2023). Migration and remittances data: Annual remittances inflows. Migration and Development Brief 39, World Bank Group, Washington, DC. https://www.worldbank.org/en/topic/migrationremittancesdiasporaissues/brief/migration-remittances-data

شاركها على:

اقرأ أيضا

الذكرى 15 للثورة السورية

خمس عشرة سنة من الثورة السورية، نحتفل بالكرامة والحرية ونستذكر الأبطال دائمًا.

15 مارس 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام

اليوم الدولي لمكافحة كراهية الإسلام يسلط الضوء على ذاكرة ضحايا الهجوم في كرايستشيرش وأهمية مواجهة الإسلاموفوبيا.

15 مارس 2026

إدارة الموقع