اللقاءات الرئاسية بين التواصل المدني والغياب السياسي

يمثل لقاءَي الرئيس أحمد الشرع مع المؤثرين الإعلاميين والنشطاء المدنيين في 3 مارس 2026، ثم مع وفد من منظمات المجتمع المدني في 7 مارس 2026، محاولات لتعزيز التواصل الحكومي مع القطاعات غير الرسمية.

ويبدو أن هذان اللقاءان، اللذين عقدا في قصر الشعب بدمشق، يعكسان جهوداً للانتقال من نموذج الحكم العسكري السابق إلى إطار أكثر شمولاً، مع التركيز على الاستقرار والتعافي الاقتصادي والإنساني.
ووفقاً لتقارير الوكالة السورية للأنباء (سانا) ركز اللقاء الأول على دور الإعلام في تعزيز الوعي الوطني، بينما شدد الثاني على الشراكة في الاستجابة الإنسانية.

ومع ذلك، يبرز غياب الكيانات السياسية والأحزاب من هذه اللقاءات، في ظل توترات أمنية مستمرة مثل الهجمات الطائفية والحدودية في مارس 2026، تحدياً أساسياً يعيق فتح صفحة جديدة نحو التعددية السياسية.

إيجابيات وسلبيات اللقاءين:

يُعد اللقاءان خطوة نحو تعزيز الشرعية الداخلية للحكومة الانتقالية، التي تولت السلطة في 29 مارس 2025 بقيادة الشرع، لمدة خمس سنوات حتى اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات وطنية.
في اللقاء الأول (3 مارس 2026)، استمع الرئيس إلى مقترحات الإعلاميين والنشطاء حول التحديات المحلية والإقليمية، مؤكداً على الحاجة إلى "جهود متكاملة وعمل بروح الفريق الواحد" لدعم الاستقرار والتنمية.

ويظهر أن هذا النهج يساهم في بناء الثقة مع الرأي العام، خاصة في ظل عودة أكثر من 1.3 مليون لاجئ سوري منذ ديسمبر 2024 حتى يناير 2026، وفقاً لتقارير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، مما يعزز الاستجابة الإنسانية والاقتصادية.

أما اللقاء الثاني (7 مارس 2026)، فقد ركّز على الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى برامج التعافي المبكر، مع طرح تحديات مثل نقص التنسيق، حيث منحت UNHCR مساعدات لأكثر من 1.2 مليون عائد حتى نهاية 2025.

ومما يبدو أن هذه اللقاءات تعكس تحولاً نحو الشراكة مع المجتمع المدني، كما أشادت به لجنة التحقيق الدولية للأمم المتحدة في 6 مارس 2026، التي شددت على أهمية تمكين المنظمات المدنية لتعزيز المصالحة.

ومع ذلك، تكمن السلبيات في الطابع الانتقائي لهذه اللقاءات، حيث أثار انتقادات لاقتصارها على "المقربين من الإدارة" و"الموالين"، مع تجاهل النخب الصحفية المستقلة والمعارضة الحقيقية، كما في تقارير "عنب بلدي" و"هيومن رايتس ووتش" في مارس 2026.

هذا، وقد أكد الرئيس في اللقاء الأول أن تلبية جميع الاحتياجات في عام واحد "غير ممكن"، مشيراً إلى قيود الموارد، بينما يقدر البنك الدولي تكاليف إعادة الإعمار بـ216 مليار دولار أمريكي كتقدير محافظ في تقريره لأكتوبر 2025.
كما أن تركيزها على القضايا الخدمية دون مناقشة العدالة الانتقالية أو الانتخابات يثير انتقادات، تشكو من "عدم الشفافية" و"التناقضات" في الخطاب الرسمي، بالإضافة إلى مخاوف من استخدامها لتبرير قيود على المعارضة في سياق توترات أمنية مستمرة .

كما يُعزز هذا الغياب عن الجانب السياسي مخاوف من استمرار السيطرة المركزية، مما يعيق التعافي الشامل في ظل استمرار التوترات الطائفية والاقتصادية، بما في ذلك الضغوط الإسرائيلية في الجنوب والحدود مع لبنان في مارس 2026.

غياب الكيانات السياسية:

يبرز غياب أي حضور للكيانات السياسية والأحزاب السورية من هذه اللقاءات فجوة كبيرة في عملية الانتقال.
ورغم إصدار مراسيم رئاسية في 17 مايو 2025 لإنشاء لجنة العدالة الانتقالية ولجنة المفقودين الوطنية، فإن هذه الهيئات لم تشمل حتى سبتمبر 2025 استشارات واسعة مع الأحزاب أو مجموعات الضحايا، كما أفادت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2026.

ويعيق هذا الغياب فتح صفحة جديدة نحو التعددية السياسية، حيث يجب أن تكون المرحلة الانتقالية فرصة لإطلاع الأحزاب على مجريات الحكم، بما في ذلك التحديات الاقتصادية مثل عودة 1.07 مليون لاجئ في 2025، والتي تتطلب مشاركة سياسية لضمان التوزيع العادل للمساعدات.

على أن هذا الوضع يعكس تحدياً في توازن القوة، حيث يمكن أن يؤدي إقصاء الأحزاب إلى تعزيز "الديمقراطية الوهمية"، حيث يفشل الانتقال إذا لم يُبنَ على متطلبات أعمق مثل مشاركة جميع الأطراف، خاصة في سياق التوترات الإقليمية مثل النزاعات في الشمال الشرقي مع قسد في يناير 2026 والتوترات الحدودية في مارس.

إيجابيات وسلبيات فتح صفحة التعددية:

يحمل فتح صفحة جديدة نحو التعددية السياسية في المرحلة الانتقالية إيجابيات جوهرية، مستندة إلى نظرية "الديمقراطية التوافقية" (consociationalism) لأرند ليفهارت، التي تؤكد على مشاركة السلطة في المجتمعات المقسمة لمنع الصراعات الطائفية.

إيجاباً، يعزز هذا الفتح الاستقرار من خلال دمج الأحزاب في عملية صنع القرار، مما يساعد في معالجة التوترات الإقليمية والداخلية مثل تلك في اللاذقية وطرطوس في مارس 2025.
كما يدعم التعافي الاقتصادي، حيث يمكن أن يجذب استثمارات دولية بفضل رفع العقوبات، مع توقعات نمو أعلى من تقديرات البنك الدولي بسبب عودة اللاجئين.
ويعكس هذا النهج مبدأ جون راولز في "العدالة كإنصاف"، حيث يضمن التعددية توزيعاً عادلاً للفرص السياسية، مما يعزز المصالحة الاجتماعية في مجتمع ما بعد الصراع.

أما السلبيات، فتشمل مخاطر زيادة التوترات إذا لم تُدار المشاركة بشكل صحيح، كما في دراسات عن "مشاركة السلطة السياسية في الديمقراطيات ما بعد الصراع" (2023)، التي تشير إلى أن الأشكال الانتقالية قد تؤدي إلى عودة الصراع إذا كانت قصيرة الأمد، أو تحولها إلى "محاصصة طائفية" كما حدث في العراق وليبيا، مما يعمق الانقسامات بدلاً من حلها.

كما يثير هذا تحدياً هابرماسياً حول "التواصل العقلاني"، حيث قد يؤدي الإقصاء إلى فقدان الثقة، مما يعيق بناء مجتمع ديمقراطي مستدام، خاصة مع مخاطر "التعددية المُدارة" في سياق سلطة انتقالية قوية كما في سورية، حيث يمكن أن تُستخدم لتعزيز السيطرة المركزية بدلاً من التوزيع الحقيقي للسلطة.

كما أن التركيز على التعددية قد يُبطئ الإصلاحات الاقتصادية، مع استمرار عقوبات ثانوية تَحول دون الاستثمار الكامل، كما في تقرير صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2025.

خاتمة:

للتغلب على هذه التحديات، يوصي تيار المستقبل السوري بعقد لقاء رئاسي خاص بالكيانات والأحزاب السياسية السورية في غضون الشهرين القادمين، يُركز على مناقشة الدستور الدائم والانتخابات.

كما ونوصي أن يشمل هذا اللقاء ممثلين عن الأحزاب السورية كافة، مع دعوة مراقبين دوليين من الأمم المتحدة لضمان الشفافية.

وأخيرا، نرى أن هذه الخطوة ستعزز العدالة الانتقالية، كما أوصت بها لجنة التحقيق الدولية، وتفتح الباب لمشاركة حقيقية تساهم في بناء سورية مستقرة ومتعددة، مع مراعاة المخاطر الأمنية المستمرة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

حول تطبيق "شام كاش" في مرحلة الإنتقال الوطني

تعرف على تطبيق شام كاش ودوره في صرف رواتب موظفي الدولة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة في سورية.

9 مارس 2026

إدارة الموقع

أزمة المباني الآيلة للسقوط في سورية

يستعرض تيار المستقبل السوري بيان حول أزمة المباني الآيلة للسقوط في سورية وضرورة الإصلاحات العاجلة لحماية المواطنين.

9 مارس 2026

إدارة الموقع