إعادة تشكيل ديناميكيات الطاقة في سورية بعد سقوط نظام الأسد

دخلت سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024، مرحلة انتقالية شهدت تحولاً جذرياً في قطاع الطاقة، الذي كان يُشكل سابقاً أحد أبرز أدوات النفوذ الإيراني والروسي.

فخلال عقودٍ من حكم الأسد، اعتمدت البلاد بشكل كبير على التوريدات الإيرانية للنفط والوقود، التي غطت ما يصل إلى 60-70% من احتياجاتها، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من "محور المقاومة".

أما اليوم، فإن أزمة الكهرباء الحادة – التي تتراوح في معظم المناطق بين 2-4 ساعات تغذية يومياً، مع تحسن نسبي في دمشق يصل أحياناً إلى 6 ساعات – دفعت الحكومة الانتقالية إلى إعادة توجيه الاعتماد نحو مصادر إقليمية عربية ودولية، مع إحياء مشاريع مثل الخط العربي للغاز.
ويُعد هذا التحول تعبيراً عن استراتيجية جيوسياسية أوسع تعتمد على إعادة دمج سورية في النظام الإقليمي العربي، بدعم رئيسي من قطر والأردن ومصر، وبموافقة ضمنية أمريكية، مقابل تقليص النفوذ الإيراني تدريجياً.
ومع ذلك، يأتي هذا التحول وسط تصعيد عسكري كبير في عام 2026، حيث أدت الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران (منذ بداية فبراير 2026) إلى اضطرابات هائلة في أسواق الطاقة العالمية، مما يعرض التوريدات الجديدة لمخاطر متزايدة.

تاريخياً، أُنشئ الخط العربي للغاز في مراحل متعددة:
بدءاً من مصر إلى الأردن عام 2003، ثم امتداده إلى سورية عام 2008 ولبنان عام 2009، بهدف نقل الغاز المصري شمالاً بسعة تصل إلى حوالي 10 مليارات متر مكعب سنوياً.
حيث توقف التشغيل الفعال بعد عام 2011 وخلال عهد الأسد البائد، بسبب انخفاض الإنتاج المصري، والهجمات الإرهابية المتكررة في سيناء، وتدمير أجزاء من الشبكة الداخلية السورية أثناء الحرب.

ولكن منذ عام 2012 وحتى نهاية 2024، ظل الجزء السوري-الأردني من الخط غير مستخدم لتوريد غاز إلى سورية، مما عزز الاعتماد الكلي على إيران.

مع التغيير السياسي في نهاية 2024، أصبح إحياء الخط جزءاً أساسياً من جهود إعادة الإعمار الإقليمية.
ففي مارس 2025، جرت تجربة أولية قصيرة (استمرت حوالي 50 يوماً) بتمويل قطري، حيث تم استيراد غاز مسال (LNG) عبر ميناء العقبة الأردني، وإعادة تغويزه وضخه إلى محطة دير علي جنوب دمشق، مما ساهم في توليد حوالي 400 ميغاواط.
وفي أغسطس 2025، أُعيد تشغيل الجزء الشمالي (كيليس-حلب) لنقل غاز أذربيجاني عبر تركيا، بكميات تصل إلى 1.2-1.6 مليار متر مكعب سنوياً، مدعوماً أيضاً بتمويل قطري، لدعم محطات في حلب وحمص.

أما الضخ المنتظم، فقد بدأ فعلياً منذ 1 يناير 2026، بناءً على اتفاق رسمي وقّع في 26 يناير 2026 بين شركة البترول السورية والشركة الوطنية الأردنية للكهرباء (NEPCO). حيث ينص الاتفاق على توريد حوالي 4 ملايين متر مكعب يومياً (ما يعادل نحو 140 مليون قدم مكعب، أو 1.5 مليار متر مكعب سنوياً)، وبكميات أولية تتراوح بين 30-90 مليون قدم مكعب يومياً ثم ارتفاع تدريجي.

هذا، ويعتمد التوريد على استيراد LNG من أسواق عالمية (بما في ذلك الولايات المتحدة وقطر سابقاً)، كما يُعاد تغويزه عبر وحدة عائمة (Energos Force) في العقبة حتى نهاية مارس 2026، ثم نقلها شمالاً عبر الخط العربي لدعم محطات الكهرباء.
وقد بدأت الشركة الوطنية الأردنية إجراءات استئجار وحدة تغويز عائمة جديدة لضمان استمرارية التوريد بعد مارس.

ساهمت هذه التوريدات في رفع الإنتاج الكلي للكهرباء إلى حوالي 3 جيجاواط (من 1.5-1.6 جيجاواط سابقاً)، مع تحسن نسبي في بعض المناطق مثل دمشق، حيث وصلت ساعات التغذية إلى 6 ساعات يومياً في بعض الأحيان.

ومع ذلك، لا يزال التقنين شديداً في معظم المحافظات بسبب الخسائر الفنية العالية (تصل إلى 30-40%) والطلب المتزايد، وقد أدت التطورات الأخيرة في مارس 2026 – خاصة انخفاض واردات الغاز من الأردن – إلى تخفيض إضافي في ساعات التغذية، كما أعلنت وزارة الطاقة السورية في 2 مارس 2026، حيث أصبحت الكميات الموردة أقل من المستهدف للحفاظ على استقرار الشبكة.

ومما يحسن الحديث عنه هنا، أنه لا يوجد توريد مباشر من إسرائيل إلى سورية، لكن الارتباط غير المباشر موجود عبر الشبكة الأردنية.
حيث يعتمد الأردن على غاز إسرائيلي من حقول ليفياثان وتمار (حوالي 300 مليون قدم مكعب يومياً سابقاً)، وقد يحدث اختلاط في الشبكة، إلا أن الاتفاقيات السورية-الأردنية تصنف الغاز كـ"مستورد عالمي" لأسباب سياسية.

وقد أدت الضربات الإيرانية إلى إيقاف إنتاج هذه الحقول مؤقتاً، مما أثر سلباً على توريدات الأردن ثم على سورية، حيث اضطر الأردن إلى إعطاء الأولوية لاحتياجاته الداخلية واستخدام بدائل مثل الديزل والفيول الثقيل.

كما أدت الحرب الجارية على إيران إلى تدمير منشآت تصدير إيرانية رئيسية، وانقطاع توريدات الوقود الإيراني، واضطرابات في مضيق هرمز (الذي يمر من خلاله نحو 20% من الغاز المسال العالمي)، وهجمات على مصافي خليجية مثل رأس تنورة السعودية.
ونتيجة لذلك، توقفت إمدادات قطرية ومصرية مؤقتاً، وأوقفت مصر توريد حوالي 100 مليون قدم مكعب يومياً إلى سورية ولبنان عبر الخط العربي، مع إعادة توجيه الكميات إلى الداخل والأردن.
كما ارتفعت أسعار الغاز المسال عالمياً بشكل حاد، مما زاد من هشاشة التوريدات السورية.

ومن الناحية الاستراتيجية، يفتح هذا التحول فرصاً كبيرة لإعادة دمج سورية إقليمياً من خلال الاعتماد على مصادر متنوعة (قطر، الأردن، مصر، أذربيجان عبر تركيا)، مما يقلص النفوذ الإيراني-الروسي ويعزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي عبر تحسين إمدادات الكهرباء.

لكن المخاطر تبقى كبيرة والتي تتمثل بـ:

  • التقلبات الأمنية في الخليج.
  • ارتفاع التكاليف.
  • الاعتماد على بنية تحتية هشة قد تؤدي إلى عودة التقنين الشديد أو احتجاجات شعبية إذا لم تُدار الأزمة بحكمة.

في الختام، يمثل إحياء الخط العربي وتنويع مصادر الطاقة في سورية نموذجاً لإعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بعد انهيار "المحور الإيراني". كما يعكس الاعتماد الجديد على الغاز المسال المستورد عبر الأردن (بتمويل ودعم قطري سابق) يعكس استراتيجية "الاندماج مقابل الاستقرار"، لكنه يظل هشاً أمام التصعيد العسكري المستمر.

على المدى الطويل، حيث يرى تيار المستقبل السوري أن الاستقرار في سورية يتطلب:

  • استثمارات حقيقية في الإنتاج المحلي (خاصة حقول شرق الفرات بعد استعادة السيطرة عليها، بالإضافة إلى مشاريع جديدة مثل اتفاقيات بناء 5 جيجاواط من القدرة الجديدة مع تحالف قطري-تركي-أمريكي).
  • تسويات سياسية داخلية.
  • شراكات دولية تضمن التمويل المستمر والأمان (مثل الضمانات الأمريكية أو القطرية للتوريدات).

وبدون ذلك، فإننا نرى أنه قد تظل أزمة الكهرباء مرآة تعكس التحديات الجيوسياسية الأعمق في الشرق الأوسط، وتهدد بإعاقة مسار الإعمار والاستقرار في سورية.

شاركها على:

اقرأ أيضا

التقرير الإقليمي 66 للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين بشأن الوضع في سورية

التقرير الإقليمي 66 للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين يبرز أهمية العودة الآمنة والكريمة للاجئين السوريين.

3 مارس 2026

إدارة الموقع

نحو تعاون إعلامي سوري-تركي في مواجهة التضليل

آلية الاتصال المشتركة بين تركيا وسوريا تسعى لمواجهة التضليل الإعلامي وتعزيز التعاون بين الحكومتين.

2 مارس 2026

إدارة الموقع