تمهيد، في تأصيل المفهوم:
ليس الصيام في جوهره الشرعي مجرد امتناع حسي عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بل هو نسك يتجاوز المادة إلى المعنى، ويتخطى الجسد إلى الروح، ويرتحل بالمسلم من فردانيته الضيقة إلى آفاق الوجود الإنساني الرحبة.
فحين يقرر الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فإنه يضع الغائية الكبرى لهذه الفريضة في كلمة واحدة جامعة مانعة: "لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ".
فالتقوى هي المقصد الأسمى، وهي الجامع الشرعي لكل القيم والأخلاق التي يريدها الله لعباده.
وإذا كانت التقوى – كما يقول الإمام ابن القيم – "هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، حباً ورجاءً وخوفاً"، فإن سؤالاً مقاصدياً عميقاً يفرض نفسه على السوري في رمضانه هذا: كيف يمكن لهذا الشهر أن يكون معبراً لنا من طقوس العادة إلى صيام القيمة؟
وكيف نحول الامتناع المؤقت عن المباح إلى اكتساب دائم للمعاني الكبرى التي بها يعمر الإنسان الأرض، وبها يبني السوري وطنه الجديد على أسس متينة من الأخلاق والعدل والإنساني؟
أولاً، التقوى بوصفها "أم القيم" ومنطلق البناء الحضاري:
لقد استقر في علم مقاصد الشريعة أن العبادات شرعت لتحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل، وأن الله غني عن تعذيبنا، كما قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147].
والتكليف بالصيام إنما هو رحمة بالإنسان، وتربية له على معاني الكمال، والتقوى التي هي ثمرة الصيام ليست مجرد علاقة عمودية بين العبد وربه فحسب، بل هي ناظم أخلاقي للحياة كلها.
فهي التي تجعل من الإنسان كائناً متوازناً، لا هو كالبهيمة يرتع في الشهوات، ولا هو كالمَلك لا يعرف الضعف البشري، بل هو الإنسان المكرم الذي قال الله فيه: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70].
من هنا كان ارتباط الصيام الوثيق بمفهوم "التحرر": التحرر من عبودية الشهوة، ومن أسر العادة، ومن هيمنة النزعة الاستهلاكية التي تلهي الإنسان عن رسالته الوجودية.
وفي الواقع السوري الراهن، حيث يعيش الناس أول رمضان لهم بعد عقود من النظام البائد، تكتسب هذه المعاني بعداً جديداً.
فالتحرر من الاستبداد السياسي لا يكتمل دون تحرر داخلي من أنانية النفس وهوى السلطة.
وإن الأمة التي تريد أن تبني مستقبلها لا بد لها من "صيام القيم" الذي يعيد تشكيل الوعي على قاعدة المسؤولية الفردية والجماعية.
وهذا هو الجهاد الأكبر الذي أشار إليه النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم"، وفيه يقول الدكتور مجدي شلش: "لا يمكن أبداً الانتصار على الأعداء إلا بالانتصار أولاً على أنفسنا".
ثانياً، صيام القيم بين التزكية الفردية والإصلاح الاجتماعي:
إذا كانت التقوى هي الإطار العام، فإن الصيام يعمل على تزكية النفس البشرية وفق منهج دقيق.
يقول ابن الهمام في "فتح القدير": "إن الصوم يُسَكّن النفس الأمارة، ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج".
ولذلك كان الحديث القدسي العظيم: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة".
والجنة -بضم الجيم- هي الوقاية التي تحمي صاحبها من سقوطه في مستنقع الرذيلة.
من هنا تتولد سلسلة من القيم الضرورية لإعادة بناء المجال العام في سورية:
أولها: الصدق والشفافية.
يقول النبي ﷺ: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"، فالصيام الذي لا يورث صاحبه صدقاً مع الله وصدقاً مع الناس هو صيام أجوف لا قيمة له.
وفي مرحلة ما بعد الاستبداد، يحتاج السوريون إلى ثقافة جديدة تقوم على الصدق في الخطاب السياسي، والشفافية في إدارة المال العام، ونبذ النفاق والزيف الذي كان سمة العهد البائد.
ثانيها: كف الأذى والتسامح. من أعظم القيم الإنسانية في شهر رمضان كف الأذى عن الناس باللسان واليد، وتنقية القلوب من الأحقاد والضغائن.
وقد وصف النبي ﷺ المسلم الحق بأنه "من سلم الناس من لسانه ويده".
وسئل عبد الله بن المبارك عن حسن الخلق فقال: "هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى".
وسورية الجديدة تحتاج إلى هذا الخلق تحديداً، فجراح الماضي عميقة، وذاكرة الحرب مثقلة بالآلام. لكن شهر رمضان هو فرصة ذهبية لتطييب النفوس، والعفو عمن ظلم، وتجاوز إساءة الماضي لإحسان المستقبل.
ثالثها: التكافل والمسؤولية المجتمعية.
فالصيام مدرسة عملية لاستشعار آلام الفقراء والمحتاجين، كما أشار إلى ذلك العلماء منذ القدم، فحين يجوع الإنسان السوري الطيب، يتذكر جوع إخوانه في المخيمات شمال البلاد وجنوبها، وحاجة النازحين واللاجئين الذين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى ديارهم.
وهنا يتحول الصيام من مجرد شعيرة فردية إلى محرك للعمل الاجتماعي المنظم، عبر موائد الرحمن، وتوزيع السلال الغذائية، والمبادرات الأهلية التي تعكس حضور المجتمع المدني حتى في ظل ضعف الإمكانات .
ثالثاً، مقصد "اليسر" في زمن العسر – قراءة مقاصدية للواقع المعيش:
من القواعد الكلية في التشريع الإسلامي "رفع الحرج"، وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].
لكن اليسر هنا ليس بالضرورة هو ما نفهمه بأذهاننا القاصرة من انسيابية الحياة وتوفر الخيرات.
إن اليسر الحقيقي -كما يقول العلماء- هو ما يوصلنا إلى رضا الله وكرامة النفس.
وفي الواقع السوري المعاصر، حيث تعاني الغالبية العظمى من ضغوط معيشية هائلة، وارتفاع في الأسعار، وتآكل في القدرة الشرائية، وانقطاع في الخدمات، يتجلى معنى اليسر المقاصدي في قدرة الإنسان على الحفاظ على كرامته رغم العسر. لقد أشارت تحليلات سوسيولوجية إلى أن الأسر السورية باتت تعيد تعريف مفهوم "الكفاية" بما يتناسب مع الموارد المتاحة، وتنتج أنماطاً من "التدبير العقلاني" القائم على حساب المصروفات بدقة، وهذا التدبير هو تكيف أخلاقي مع الواقع، وصيانة للنفس عن السؤال وعن الاستدانة وعن الانزلاق في المحرمات.
إن المسلم السوري الذي يصبر على انقطاع الكهرباء، ويتكيف مع غلاء الأسعار، ويحافظ على صلاته وصلة رحمه رغم كل الصعاب، هو الذي يحقق معنى "اليسر" الذي أراده الله؛ يسر الرضا بالقضاء، ويسر الصبر على البلاء، ويسر السعي في الأرض مع التوكل على الله.
وهذا ما عبر عنه عالم الاجتماع أنطوني جيدنز بـ"الأمن الوجودي"، أي شعور الفرد باستقرار العالم المحيط به رغم تغير الظروف.
رابعاً، رمضان السوري بين "المجال العام" و"المستقبل الأخلاقي":
يكشف شهر رمضان في سورية عن أبعاد اجتماعية تتجاوز الإطار التعبدي إلى كونه لحظة كاشفة لبنية المجتمع وتحولاته.
فالمساجد التي كانت تحت رقابة أمنية مشددة في عهد النظام البائد، تعود اليوم لتكون فضاءات للحرية والتآلف، تمتلئ بالمصلين الذين يصلون دون خوف، وتعلو فيها أصوات الأذان دون أن تخفض.
وهنا يبرز سؤال المستقبل: كيف نبني سورية الغد على قاعدة القيم التي نتدرب عليها في رمضان؟
يمكن القول إن "صيام القيم" هو المدخل العملي لتحقيق رؤية إسلامية حداثية للمجتمع؛ مجتمع تقوم علاقاته على الصدق بدل النفاق، وعلى التسامح بدل الثأر، وعلى التكافل بدل التكالب، وعلى المواطنة المتساوية بدل الولاءات الضيقة. هذا هو معنى "صيام القيم" الذي نحتاجه: تحويل المقاصد النظرية إلى ممارسات يومية، وجعل العبادات طريقاً لصناعة الإنسان الصالح الذي يصنع المجتمع الصالح.
في الختام:
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه أبو أمامة: "عليك بالصوم، فإنه لا مثل له".
لا مثل له لأنه يجمع بين تزكية الروح وتقوية الجسد، وبين فردانية التعبد واجتماعية الأثر. والصائم الذي يدرك مقاصد صيامه هو الذي يستطيع أن يحول هذا الشهر إلى دافع للتغيير الدائم.
نسأل الله أن يجعل رمضاننا هذا بداية حقيقية لبناء سورية جديدة، تقوم على أسس الكرامة الإنسانية والعدل والحرية والمسؤولية، وأن يرزقنا جميعاً "صيام القيم" قبل صيام الجوارح، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.