إدارة مخاطر الفيضانات في سورية خلال المرحلة الانتقالية

المقدمة، سياق كارثي متكرر في مرحلة انتقالية هشة:

دخلت سورية في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، مرحلة انتقالية معقدة تتسم بجهود إعادة بناء الدولة المؤسسية، وعودة ملايين النازحين واللاجئين، ومحاولات استعادة السيادة على التراب الوطني وسط تحديات اقتصادية وأمنية هائلة.

ومع ذلك، تظل الكوارث الطبيعية – وعلى رأسها الفيضانات والسيول الناجمة عن الأمطار الغزيرة الشتوية – عاملاً مهدداً يفاقم الضعف الهيكلي للمجتمعات، خاصة في المناطق الشمالية الغربية مثل محافظتي إدلب واللاذقية.

وقد شهدت في 7-8 فبراير 2026، هاتان المحافظتان موجة أمطار غزيرة أدت إلى سيول جارفة أغرقت 14 مخيماً للنازحين في منطقة خربة الجوز بريف إدلب الغربي، وأثرت بشكل مباشر على أكثر من 300 عائلة (تقريباً 1200-1800 فرد)، مع وفاة طفلين في منطقة عين عيسى بريف اللاذقية الشمالي يوم 7 فبراير، ووفاة متطوعة من الهلال الأحمر السوري وإصابة ستة آخرين (بينهم خمسة متطوعين) في حادث مروري أثناء عمليات الإنقاذ في جبل التركمان باللاذقية يوم 8 فبراير.
فيما يبدو أن هذه الحادثة ليست استثنائية، بل إنها حلقة في سلسلة طويلة من الكوارث المتكررة التي تكشف عن فشل تراكمي في إدارة مخاطر الكوارث، وتؤكد الحاجة الملحة إلى تحول جذري من نمط الاستجابة الطارئة المتكررة إلى استراتيجية وقائية شاملة تعتمد على التنبؤ والتخطيط طويل الأمد.

يستند هذا المقال إلى إطار سينداي لتقليل مخاطر الكوارث (Sendai Framework for Disaster Risk Reduction 2015-2030)، الذي اعتمدته الأمم المتحدة في 18 مارس 2015، مع التركيز على أولوياته الأربع:

1- فهم مخاطر الكوارث.
2- تعزيز الحوكمة.
3- الاستثمار في المرونة.
4- تحسين الاستعداد للاستجابة والتعافي.

كما يستفيد المقال من دراسات حالة في سياقات ما بعد النزاع، ليقدم رؤيته لكيفية دمج إدارة مخاطر الفيضانات في عملية الانتقال السورية.

تاريخ الفيضانات في سورية:

منذ اندلاع الثورة في مارس 2011، تحولت الفيضانات من ظاهرة طبيعية موسمية إلى كارثة إنسانية متفاقمة بسبب تدمير البنية التحتية وانتشار المخيمات في مناطق منخفضة وعرضة للخطر.

ومن الأحداث البارزة:

  • 27 أبريل 2011: فيضانات شمال شرق سورية أغرقت 26 قرية وأودت بحياة 5 أطفال من عائلة واحدة.
  • يناير 2021: تضرر أكثر من 22 ألف نازح في شمال غرب سورية، مع تدمير أكثر من 4000 خيمة في إدلب وحلب.
  • مارس 2020: فيضانات الرقة أسفرت عن 7 وفيات وتدمير منازل.
  • مارس 2023: تأثر 41,200 شخص في إدلب وحلب، مع غمر أكثر من 60 مخيماً.
  • يناير 2026: عواصف ثلجية تلتها فيضانات أثرت على 158 ألف شخص سابقاً، مع تضرر آلاف الخيام.
  • فبراير 2026 (7-8): السيول الأخيرة أغرقت 14 مخيماً في خربة الجوز، أدت إلى وفيات وإصابات، وأجبرت على إجلاء مئات العائلات إلى مدارس ومراكز إيواء مؤقتة.

يعكس هذا النمط المتكرر "الضعف المركب" (compound vulnerability)، حيث يتفاعل النزاع المسلح مع التغير المناخي (تزايد شدة الأمطار المفاجئة) وضعف التخطيط الحضري، مما يجعل المخيمات – التي تضم مئات الآلاف من النازحين – أكثر عرضة للكوارث السنوية.

التحديات الهيكلية في المرحلة الانتقالية (2024-2026):

  • عودة النازحين واللاجئين دون بنية تحتية آمنة، فحتى نوفمبر 2025، عاد أكثر من 1.2 مليون لاجئ و1.9 مليون نازح داخلياً، لكنهم يواجهون تدمير المنازل، وانتشار الألغام، ونقص الخدمات، مما يدفعهم إلى البقاء أو العودة إلى مخيمات غير آمنة.
  • الجفاف الشديد يليه فيضانات مفاجئة، حيث الجفاف في 2025 (الأسوأ منذ 36 عاماً، بهطول أمطار 25% من المعدل) يقلل امتصاص التربة، مما يزيد شدة السيول عند هطول الأمطار الغزيرة.
  • ضعف المؤسسات والتنسيق، إضافة إلى الاقتصاد المدمر، واستمرار تأثير بعض العقوبات، ونقص السيولة يعيقان بناء أنظمة إنذار مبكر فعالة.
    على أن اجتماع الطوارئ في 8 فبراير 2026 (بمشاركة وزراء الصحة والطوارئ ومحافظي إدلب واللاذقية) كان استجابة سريعة، لكنه ركز على الإجلاء والإيواء المؤقت دون حلول جذرية.

النزاعات المحلية والوصول الإنساني، فالاشتباكات المستمرة في بعض المناطق تعيق الوصول، كما حدث في حوادث سابقة.

الحلول الوقائية، الانتقال من رد الفعل إلى التنبؤ والتخطيط:

يؤكد إطار سينداي على أن الاستثمار في الوقاية أكثر كفاءة اقتصادياً (كل دولار يُنفق في الوقاية يوفر 4-7 دولارات في الاستجابة).

وفي السياق السوري، يتطلب ذلك:

  • نقل المخيمات من مجاري الأنهار والمناطق المنخفضة إلى مواقع مرتفعة آمنة، في حال عدم القدرة على إعمار البيوت حاليا.
  • تطوير أنظمة إنذار مبكر متعددة المخاطر (MHEWS) عبر بناء شبكات رصد جوي محلية متصلة بتطبيقات هاتفية، مع تدريب المجتمعات المحلية، كما نجح في إندونيسيا بعد إعصار إيدي (مارس 2019) حيث انخفضت الخسائر بنسبة 25%.
  • البنى الخضراء والتحسين البيئي من خلال زراعة غابات وإنشاء حواجز طبيعية لتقليل الجريان السطحي بنسبة تصل إلى 30%، مع إعادة تأهيل أنظمة الصرف في المناطق الحضرية.
  • اللامركزية الإدارية مع تنسيق مركزي، وتفويض السلطات المحلية بصلاحيات تخطيطية، مع غرفة عمليات وطنية مركزية لضمان التنسيق، مستفيدة من نموذج "الباب الواحد" في نيبال بعد زلزال 25 أبريل 2015.
  • دمج DRR في خطط إعادة الإعمار، و تخصيص نسبة من التمويل الدولي (مثل 20-30%) لمشاريع وقائية، مع شراكات عامة-خاصة لتجنب الفساد.


وأيضا، يمكن الاستفادة من دروس و تجارب دول أخرى في سياقات مشابهة، مثل:

  • نيبال (ما بعد النزاع 1996-2006 والزلزال 2015): اعتمدت تنسيقاً مركزياً لكن عانت من تأخير بسبب تعدد الجهات المانحة؛ درس يحذر سورية من تشتت الجهود.
  • إندونيسيا (إعصار إيدي 2019): ركزت على مشاركة المجتمعات وأنظمة إنذار مبكر، مما قلل الخسائر في الكوارث اللاحقة.
  • كوسوفو (ما بعد 1999): حدثت رموز البناء لتقليل الضعف بنسبة 30%، نموذج يناسب إعادة الإعمار السورية.

الخاتمة:

في المرحلة الانتقالية، يوصي تيار المستقبل السوري أن تُدمج إدارة مخاطر الفيضانات ضمن رؤية وطنية شاملة للتنمية المستدامة.
فالاستمرار في الاستجابة الطارئة فقط (كما في اجتماع 8 فبراير 2026) سيؤدي إلى تكرار المأساة سنوياً.
إن الحل يكمن في الاستثمار الوقائي، وتعزيز الحوكمة المحلية، والشراكة الدولية، لتحويل الكوارث إلى فرص لبناء سورية أكثر مرونة وعدالة، مستلهمة إطار سينداي وتجارب الدول التي نجحت في الخروج من دوامة الضعف المركب.

شاركها على:

اقرأ أيضا

رموز وأعلام الدولة في سورية (45) يوسف الحكيم

يوسف الحكيم، ابن الطبيب يعقوب الحكيم، درس وتخرج في اللاذقية. تعرف على مسيرته التعليمية والمهنية.

9 فبراير 2026

إدارة الموقع

تنظيم حركة الشحن في سورية: دراسة تحليلية لقرار الهيئة العامة للمنافذ والجمارك

تستعرض هذه الدراسة تنظيم حركة الشحن في سورية والقرارات الجديدة التي تؤثر على حركة الشاحنات والنقل.

8 فبراير 2026

إدارة الموقع