للكاتب السوري: ياسين الحاج صالح
في صمت الرماد الذي تركه سقوط الطاغية، لم تنتهِ الثورة بل بدأت حقيقتها الحقيقية، فلقد كانت الثورة السورية، في أيامها الأولى، صرخة كرامة انطلقت من حناجر الشعب العادي، ثم تحولت – تحت مطرقة الوحوش الثلاثة – إلى جرح مفتوح وذاكرة دامية، لكن الجرح ماكان إلا بذرة.
اليوم، بعد أن انهار عرش الاستبداد في ديسمبر 2024، لم يعد السؤال: كيف سقط الأسد؟
السؤال الآن: ماذا نصنع من كل هذا الدم والأمل الذي سال؟
"الثورة المستحيلة" لياسين الحاج صالح كتاب يُقرأ كـ خريطة فكرية لمن يريد أن يبني مستقبلاً ولا يُعيد إنتاج الماضي.
في كل سطر من سطوره يذكّرنا أن الثورة أُجبرت على الانتظار حتى ينضج الوعي الذي يستطيع أن يحميها من أعدائها ومن أبنائها على السواء.
نقرأه اليوم لنستلهم كيف نُحوّل الجرح إلى قوة، والذاكرة إلى مشروع وطني، والألم إلى دستور جديد لسورية لا تعود إلى الاستبداد، ولا تسقط في فخ الطائفية، ولا تُسلّم مصيرها لأي وحش خارجي.
ولأن الثورة، في النهاية، سؤال مفتوح: هل نستحق أن نكون أحراراً؟
والجواب إنما يكمن في ما سنبنيه غداً من منتوجها الروحي والفكري والإنساني. فإننا نفتح هذا الكتاب.
معلومات الكتاب الأساسية
- العنوان: الثورة المستحيلة: الثورة، الحرب الأهلية، والحرب العامة في سورية
- المؤلف: ياسين الحاج صالح، مفكر يساري سوري، معارض سياسي، قضى 16 عاماً في سجون نظام الأسد (1980–1996)، ويُعد من أبرز الأصوات النقدية للثورة السورية وتحولاتها.
- الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.
- تاريخ النشر الأول: 2017 (الطبعة الأولى).
- عدد الصفحات: حوالي 288–312 صفحة (حسب الطبعة).
- الطبيعة: الكتاب مجموعة مقالات كُتبت أصلاً بالعربية بين 2011 و2016، جُمعت ونُشرت ككتاب متكامل. وهناك ترجمة إنجليزية محررة بعنوان "The Impossible Revolution: Making Sense of the Syrian Tragedy" (Hurst Publishers، لندن 2017، ترجمة Ibtihal Mahmood).
والكتاب يعتبر تحليلاً نقدياً زمنياً يتتبع مسار الثورة من انتفاضة سلمية إلى حرب متعددة الأبعاد، مع التركيز على الجذور الاجتماعية والثقافية والسياسية للمأساة.
المسار السردي والتحليلي للكتاب:
يبدأ الحاج صالح الكتاب بمقدمة يصف فيها الثورة بأنها "وقعت" رغم استحالة وقوعها تحت نظام بني على منع التغيير إلى الأبد. يقول في مقدمة الطبعة:
"كانت الدولة الأسدية انبنت على أن تستحيل الثورة ويمتنع التغيير ويسود الأبد. جرى تفخيخ المجتمع بالمخابرات والمخاوف الطائفية". يُلخص هذا الاقتباس الرؤية الأساسية: النظام كان نظاماً مصمماً لإجهاض أي تغيير جذري، مما جعل الثورة "مستحيلة" في البداية، ثم تحولت إلى مأساة متعددة الوجوه.
في المقالات الأولى (حوالي 2011–2012)، يُركز على الانتفاضة كثورة "العامة"، ثورة أخلاقية وثقافية قبل أن تكون سياسية. يصف كيف انطلقت من أجساد شباب عاديين مطالبين بالكرامة، بعيدة عن الطائفية أو الجهادية. ويرفض الرواية الرسمية التي صورتها كمؤامرة خارجية، مؤكداً أن العنف بدأ من النظام، وأن الثورة كانت تعبيراً عن مجتمع مكبوت طال انتظاره لحظة التنفس.
مع تصاعد القمع، ينتقل إلى تحليل آليات العنف النظامي. حيث يُخصص مقالات لـ"الشبيحة ودولتهم"، موضحاً أن الشبيحة امتداد عضوي للدولة، تعبر عن طائفيتها المؤسسية وعنفها المنهجي. ويحذر من خطر الانزلاق إلى "حالة طبيعة" (حرب الكل ضد الكل) إذا فقدت الثورة طابعها الديمقراطي.
مع بداية التسليح (2012 فصاعداً)، يناقش كيف أصبح السلاح ضرورياً للدفاع، لكنه غير منظم، مما مهد للتحول إلى حرب. ثم يتعمق في "الجذور الاجتماعية والثقافية للفاشية السورية"، معتبراً النظام فاشياً بطبيعته، يعتمد على العنف المطلق كلغة سلطة، مدعوماً ببنية طائفية عميقة.
الضربة الأشد تأتي مع صعود "العدمية المقاتلة" (الجهاديين المتطرفين مثل داعش). يصفها كنتيجة مباشرة لتدمير الثورة السلمية، وحشاً ثانياً يدوس على جثتها، تماماً كالنظام. يقول في سياق مشابه:
"النظام العدمي أكثر خصائص النظام السوري وضوحاً… عدمية تعبر عن نفسها باستخدام أصلي مطلق السراح للعنف، أصلي لكونه ليس رد فعل لعنف مقابل، اختيار تام من النظام العدمي الذي سيرفع مبكراً شعاراً يعتبره الأيديولوجيا السياسية للنظام: «الأسد أو لا أحد» وتوأمه «الأسد أو نحرق البلد».".
يلخص هذا الاقتباس كيف يرى الحاج صالح النظام كعدمي، يفضل تدمير البلد على فقدان السلطة.
يبلغ الكتاب ذروته في مفهوم "الوحوش الثلاثة"، الذي يبتكره ليصف الجهات التي تتقاسم جثة سورية:
- فاشية الدولة الأسدية وحلفاؤها (إيران، حزب الله، روسيا لاحقاً).
- عدمية الجهاديين الدينية (داعش وأخواتها).
- براغماتية القوى الدولية (الغرب بتردده، وروسيا بتدخلها المباشر).
وفي مقالات لاحقة، يتعمق في الرموز والشعارات، موضحاً كيف شقّت الحربُ الهوية السورية: علم الثورة مقابل علم النظام، الأرياف التي حملت السلاح أولاً مقابل المدن تحت سيطرة النظام. ويبرز غياب قيادة سياسية ديمقراطية منظمة كسبب رئيسي في سقوط الثورة في الفخ الطائفي والجهادي.
في الختام، لا يستسلم لليأس. رغم أن الثورة أصبحت "مستحيلة" في شكلها الأول، إلا أنها لم تنتهِ فكرياً. لهذا سنراه وهو يدعو إلى رفض الوحوش الثلاثة معاً، وإعادة بناء هوية سورية ديمقراطية علمانية متعددة، تقوم على العدالة والمساواة.
يقول في إحدى المقدمات أو السياقات المشابهة:
"أن سورية إما تعاد إلى الحكم الأقلي الأسدي المتطرف، أو أن هذا الحكم طوى، بحماية حراب الأجنبي المعادي، الروسي والإيراني وأتباعهما، احتمالات التغيير السياسي الفعلي، وملكية السوريين للتغيير. هذا الطيّ، المؤقت حتماً، يوجب أن يتاح في صورة كتاب تُفتح صفحاته وتطوى" حيث نرى في هذا الاقتباس كيف يعبر عن أمله في أن يكون الكتاب نفسه أداة للحفاظ على ذاكرة الثورة وإمكانية التغيير.
الأهمية في سياقنا الحالي:
بعد سقوط نظام الأسد يظل الكتاب شاهداً حياً على الروح الأصلية للثورة: انتفاضة شعبية تحررية، لا طائفية. ويذكّرنا بأن التحدي ليس فقط إسقاط النظام، إنما يكون ببناء بديل ديمقراطي يتجاوز الوحوش الثلاثة. ورغم علمانية ويسارية الكاتب، إلا أن قراءة الكتاب اليوم ضرورية لأي مشروع سياسي يسعى إلى وحدة وطنية حقيقية، وإعادة صياغة الفكر السوري نحو مستقبل يليق بتضحيات السوريين.
كتاب يُقرأ بتمعن، ويُناقش بعمق، ويُعاد إليه دائماً لأنه لا يروي تاريخاً فقط، بل يسأل: كيف نفهم ما حدث لنبني ما يجب أن يكون؟