المقدمة:
برز ملف نقل السيطرة على السجون والمخيمات التي كانت تحت إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كأحد أبرز التحديات الأمنية والإنسانية.
حيث يشمل هذا الملف نحو 10,000–12,000 مقاتل مشتبه بهم في الانتماء إلى تنظيم "داعش"، إضافة إلى أكثر من 60,000 فرد من عائلاتهم (نساء وأطفال) محتجزين في مخيمات مثل الهول والروج.
شهد الملف في يناير 2026، تطورات سريعة: تسليم سجن "الأقطان" في الرقة يوم 23 يناير، وسجن "الشدادي" في الحسكة، مع تمديد وقف إطلاق النار لمدة 15 يوماً إضافية في 24 يناير لتسهيل عمليات النقل.
كما بدأت عملية نقل معتقلين إلى العراق بتنسيق أمريكي، حيث نقلت دفعة أولى تضم 150 شخصاً في 21–22 يناير، مع خطط محتملة لنقل ما يصل إلى 7,000.
تُمثل هذه التطورات فرصة تاريخية لإغلاق صفحة "داعش"، لكنها تفرض ضرورة ملحة وهي: الإسراع في إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة لتمييز المتهمين الحقيقيين عن الأبرياء، تجنباً لانتهاكات حقوقية ومخاطر أمنية طويلة الأمد.
السياق التاريخي والأمني لعملية النقل:
جاء نقل السيطرة في إطار اتفاق وقف إطلاق نار واندماج تم التوصل إليه بوساطة أمريكية، وينص صراحة على نقل مسؤولية السجون والمخيمات إلى الحكومة السورية.
ومع ذلك، شهدت العملية حوادث أمنية خطيرة، أبرزها هروب نحو 120–150 معتقلاً من سجن "الشدادي" في الحسكة يوم 18–19 يناير، مع إعادة اعتقال 81 منهم حتى الآن.
اتهمت السلطات السورية قسد بالإفراج المتعمد عن بعض السجناء كورقة ضغط، بينما نفت قسد ذلك وأشارت إلى أن الهروب نجم عن الانسحاب السريع.
تكشف هذه الحوادث عن هشاشة الإجراءات الانتقالية، وتؤكد أن التأخير في مراجعة الملفات الفردية قد يؤدي إلى إطلاق سراح عناصر خطرة أو استمرار احتجاز أبرياء، مما يعمق الشقاق الاجتماعي في مناطق شرق الفرات ويعيق عملية التوحيد الوطني.
وجود الأبرياء بين المحتجزين.. تحدٍ حقوقي وإنساني:
تؤكد تقارير منظمات حقوقية دولية موثوقة، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، أن نسبة كبيرة من المحتجزين – خاصة في المخيمات – غير متورطين مباشرة في جرائم التنظيم.
فالكثير من النساء والأطفال هم ضحايا ظروف عائلية أو "انتماء عائلي"، دون أدلة على مشاركة في أعمال إرهابية.
ففي سجون الرجال، اعتُقل بعض السوريين والعراقيين المحليين بتهم "التعاون مع داعش" أثناء سيطرة التنظيم (2014–2019) دون محاكمات نظامية أو أدلة كافية، مما يشكل احتجازاً تعسفياً ينتهك المادة 9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
دليل عملي على ذلك: إفراج السلطات السورية عن 126 طفلاً (جميعهم دون 18 عاماً) من سجن "الأقطان" يوم 24–25 يناير 2026، بعد تسلمها السيطرة، مع روايات من الأطفال عن تعرضهم للإساءة أثناء الاحتجاز.
حيث يثبت هذا الإفراج وجود حالات غير مذنبة، ويؤكد أن الاحتجاز الجماعي دون تمييز فردي يولد انتهاكات إنسانية ويمنع إعادة التأهيل الاجتماعي.
المخاطر المترتبة على التأخير في التحقيقات:
يحمل التأخير مخاطر متعددة الأبعاد:
- أمنياً: يزيد من احتمال إطلاق سراح عناصر خطرة عن غير قصد، أو يتيح لخلايا "داعش" النائمة استغلال الفوضى الانتقالية.
- إنسانياً: يفاقم معاناة الأبرياء في ظروف سجون مكتظة، مع مخاطر "الموت البطيء" بسبب الإهمال الطبي والأمراض المعدية.
- سياسياً: يعمق التوترات بين المكونات الكردية والعربية، ويمنح فرصة لقوى خارجية لاستغلال الملف لأغراض سياسية، مما يعيق بناء دولة موحدة
خاتمة:
للاستفادة من هذه الفرصة التاريخية، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
- تشكيل لجان تحقيق مستقلة مشتركة (سورية–دولية) بمشاركة الأمم المتحدة والتحالف الدولي، لمراجعة الملفات الفردية خلال فترة لا تتجاوز 3–6 أشهر.
- فصل فوري للأبرياء (خاصة النساء والأطفال غير المتورطين) وإطلاق سراحهم مع برامج إعادة تأهيل ودمج اجتماعي.
- محاكمات عادلة وسريعة للمتهمين الحقيقيين، مع ضمانات ضد التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية، وفق المعايير الدولية.
- تعاون وثيق مع العراق والدول الأجنبية لإعادة مواطنيهم، ومع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمراقبة الظروف داخل السجون والمخيمات.
- إنشاء آلية وطنية للعدالة الانتقالية تشمل تعويض الضحايا وإعادة الاعتبار للمحتجزين الأبرياء.
أخيرا، إن نقل السيطرة على سجون ومخيمات "داعش" يمثل خطوة أساسية نحو استعادة السيادة الوطنية وإنهاء إرث التنظيم الإرهابي.
لكن نجاح هذه الخطوة يعتمد على الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة. كما أن الإسراع في إطلاق سراح الأبرياء ليس مجرد واجب أخلاقي وقانوني، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء سورية موحدة، ومستقرة، وخالية من بذور الإرهاب والانقسام.
هذا ويدعو تيار المستقبل السوري جميع الأطراف إلى التعاون الفوري لتحقيق هذا الهدف، ضماناً لمستقبل أفضل لكل السوريين.
مراجع:
- تقارير هيومن رايتس ووتش (يناير 2026): حول الحماية المدنية في شمال شرق سوريا.
- تقارير منظمة العفو الدولية (يناير 2026): حول ضرورة احترام القانون الدولي في شمال شرق سوريا.
- بيانات رسمية من وزارة الداخلية السورية والقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، يناير 2026.