لم تكن الأنظمة الأيديولوجية طويلة عمرٍ يوماً، لأنها وببساطة، حين تتصلّب تفقد القدرة على التجدد، فتتعفّنُ حتى تموت.
ونظام «ولاية الفقيه» في إيران، الذي تأسس عام 1979م، دخل في السنوات الأخيرة مرحلة ما يسميه علماء السياسة (مرحلة الإرهاق البنيوي)، فبات اقتصاده منهكاً بالعقوبات، وأضحى مجتمعه الشاب ناقماً، مع شرعيةٍ دينيةٍ متآكلة، وصراع أجنحة داخل السلطة نفسها.
وهنا لم يعد السؤال: هل سيتغيّر النظام في إيران؟
بل: كيف سيكون شكل إيران بعده؟ ومن سيرث المجال السياسي والجيوسياسي الذي صنعه وأحكم قبضته عليه ملالي بلاد فارس طيلة أربعة عقود؟
ثم هل سقوط نظام الملالي ممكن؟
إنه ووفق نظريات التحول السياسي، تسقط الأنظمة العقائدية عندما تجتمع لها عناصر ثلاث:
- تآكل الشرعية: والجيل الإيراني الجديد لم يعد يرى في رجال الدين ممثلين للدين ولا للثورة! وبات الحجاب إجبارياً، والقيود الاجتماعية صارمةً، والفساد الاقتصادي حوّل السلطة السياسية والعسكرية والدينية عبءً مضافاً.
- العجز الاقتصادي المزمن: فإيران تمتلك موارد ضخمة، لكنها محاصرة بعقوبات، مع سوء إدارة، واقتصاد حرسٍ ثوري موازٍ.
وهذا كله يولد ما يسمى في علم السياسة باقتصاد الريع المؤدلج، وهو هشّ مُتداعٍ بطبيعته. - الانقسام داخل مؤسسات القوة: فالجيش التقليدي، وأجنحة الحرس الثوري، وأجهزة الأمن المختلفة، والمؤسسة الدينية المترهلة؛ تُنبي أن الانتقال بات حتمياً، بل وضرورةً مُلحّة.
ولكل هذا فإن منسوب احتمال التغيير البنيوي مرتفع على المدى المتوسط والقريب، لكن ماهي طريقة التغيير؟ هل تكون انهياراً مفاجئاً، أو انتقالاً تفاوضياً، أو انقلاباً ناعماً من داخل النظام نفسه، أو تدخلاً عسكرياً جراحياً استئصالياً سريعاً!.
ثم من يمكن أن يكون الخليفة؟ أو ما هي التيارات المحتملة!
- التيار الجمهوري الوطني (ما بعد الثورة): وهم نخب تكنوقراطية، إصلاحيون، طبقة رجال الأعمال، وجيل الجامعات.
وهؤلاء يريدون: دولةً مدنية، وعلاقة طبيعية مع الغرب، واقتصاداً منفتحاً.
وهذا السيناريو يشبه إيران ما قبل 1979م ولكن بصيغة حديثة وعصرية. - التيار الملكي الرمزي: ويمثله أنصار الأسرة البهلوية، خاصة رضا بهلوي الابن.
ليس ملكية مطلقة، بل ملكية دستورية رمزية، على غرار إسبانيا أو بريطانيا.
ووظيفته توحيد الهوية الوطنية ما بعد الإسلام السياسي. - التيار العسكري الأمني: ويأتي في حال الفوضى، بحيث يملأ الحرس الثوري الفراغ مؤقتاً.
لكن هذا خيار مكلفٌ دولياً ولن يصمد طويلاً بلا شرعية مدنية. - التيار الفيدرالي القومي: وهي حركات كردية وبلوشية وعربية داخل إيران.
وهذا أخطر السيناريوهات لأنه يهدد وحدة الدولة الإيرانية.
ويبقى لدى المجتمع الدولي كل سيناريو "غير الوضع الراهن" قابلاً للحياة شريطة أن يضمن الانتقال دون تفكك الدولة، الدولةِ التي يوحي رفع الثوار والمتظاهرين فيها (العلم الإيراني ما قبل 1979م، والذي يحمل أسداً وسيفاً وشمساً)، وبرمزيته، استعادة الهوية القومية الفارسية، والفصل بين الدين والدولة، ورفض «ولاية الفقيه»، والعودة لإيران الدولة، لا إيران المشيخة!.
وبهذا يكون رفعه اليوم رسالةً سياسيةً لا دينيةً، مفادها أن إيران تريد أن تكون دولة طبيعية لا إمبراطورية مذهبية.
وهنا لكم أن تتساءلوا ونسأل: ماذا تستفيد دمشق وبغداد تحديداً من سقوط نظام الملالي!؟
لاشك ستدخل سورية مرحلة تفكيك النفوذ الإيراني غير الرسمي، فالجيوب الإيرانية التي تحاول العبث اليوم باستقرارها ووحدتها يمكن تصنيفها إلى أربع شبكات:
- شبكات الميليشيا المتبقية، وهي عناصر محلية كانت مرتبطة بالحرس الثوري، منها مجموعات في ريف دمشق، بعض خلايا في البادية، وارتباطات قرب الحدود اللبنانية
وهدفها: خلق اضطراب أمني محدود لإظهار أن "الدولة الجديدة عاجزة". - قنوات مع بقايا العلويين المتشددين، وليس مع الطائفة العلوية ككل! بل مع ضباط أمن سابقين، وعائلات فقدت امتيازاتها ونحوهما، بينما تحاول إيران تحويلهم إلى "ورقة ضغط"، أو مشروع تمرد منخفض الشدة.
لكنهم بلا حاضنة شعبية، وبلا غطاء دولي، ولذلك خطرهم مزعج لكنه غير وجودي. - محاولات التواصل مع بعض الفصائل الكردية الانفصالية، والهدف الإيراني من ذلك خلق توازن ضد تركيا، وفتح ثغرة على الحدود العراقية، ولكن الأكراد اليوم مرتبطون أكثر بواشنطن، وليسوا مستعدين لحرق علاقتهم بأمريكا من أجل طهران، وإشارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضحة من تحذيرهم بيع النفط لإيران ومد قنوات معها.
ويبقى هذا المسار قيد التجريب الإيراني لكنه ضعيف الجدوى. - شبكات تدريب ضباط النظام السابق في لبنان، فإيران وحزب الله يحاولان الحفاظ على كادر أمني سابق، واستخدامه في عمليات استخبارية، أو كخلايا نائمة، لكن لبنان نفسه تحت ضغط دولي، ووجود هذه الشبكات مكشوف، ومدى حركتها محدود جداً.
وبالمقابل، فإن إدارة الرئيس أحمد الشرع التي تمتلك الآن شرعية ثورية داخلية، وقبول إقليمي عربي، وغطاء تركي مباشر، وضوء أخضر غربي ضمني، وتنسيق استخباراتي أمني عالي، وهذه عناصر لم يمتلكها أي نظام سوري منذ 1970م.
سيجعل من ملف النفوذ الإيراني في سورية ملفَ تنظيفٍ وتجريف، لا ملف حرب، وسقفهُ إن ارتفعَ، إزعاجٌ أمنيٌّ محدودٍ لتحسين شروط تفاوض لاحق، وهو تكتيك معروف في الأدبيات Spoiler Strategy، أي استراتيجية المفسد (لكنه المفسد بلا قدرة تنفيذية كبيرة).
فسورية "العهد الجديد" دخلت اليوم مرحلة إنهاء إرث النفوذ الإيراني برمّته، وهي مرحلة تحتاج وقتاً، وصبراً مؤسساتياً، لكنها محسومة الاتجاه.
أما العراق: فإنه أكثر المستفيدين ولاريب بسقوط نظام الملالي، فنهاية هيمنة الفصائل الإيرانية الهوى المسلحة، واستعادة سيادة القرار الوطني، فإنه سيخلق ولاريب توازن جديد بين العرب والكرد، والسنة والشيعة الوطنيين، وسيتحول العراق من ساحة صراع إلى دولة عبور اقتصادي، ولا يتأتّى ذلك إلا بسقوط إيران الشيعوفارسية، بما تحمله من إرثٍ دمويٍّ تخريبيٍّ ثقيل.
وبعد كل هذا، يتساءل البعض: هل اقترب إذاً طلوع بدر "أهل السنة" بعد أفول نجم الشيعة؟!
بدايةً، يجب التفريق بين الطائفة كدين وبين المشروع السياسي المذهبي!.
فإن ما يتراجع اليوم ليس "الشيعة"،
بل الإسلام السياسي الشيعي الملالِلِيُّ المسلّح المرتبط بإيران.
وبالمقابل، لا يوجد مشروع سني عقائدي موحّد، بل هناك عودة إلى الدولة الوطنية العربية.
وبذلك يمكننا القول: نحن لا ندخل "عصر السنة" بسقوط نظام الملالي من جانب، وشرعنة (بمعنى لون أحمد الشرع اليوم) هيئة تحرير الشام من جانبٍ آخر! ولكن ندخل عصر ما بعد الطائفية السياسية، بحيث الهوية الوطنية تتقدم، والاقتصاد يتفوق، والدول تُؤَسَّس.
وهذا التحول بدأ فعلاً في الخليج، ومصر، والأردن، والمغرب، وسورية بدأت تتذوقه، والحبل على الجرار.