يتابع تيار المستقبل السوري، باهتمام بالغ ومسؤولية وطنية، التطورات القضائية والأمنية في محافظة إدلب، خاصة تلك المتعلقة بالمحاكمات والأحكام الصادرة بحق أعضاء حزب التحرير، والتي تزامنت مع قرارات إفراج عن بعض العناصر السابقة التابعة للنظام البائد.
وإننا إذ نُقدر الظروف الأمنية الاستثنائية التي مرت بها المناطق السورية خلال السنوات الماضية، ونُثمن الجهود المبذولة للحفاظ على الاستقرار والأمن في مرحلة الانتقال الدقيقة هذه، فإننا نؤكد على أهمية التوازن بين متطلبات الأمن والتزامات بناء دولة القانون، التي تُشكل أساساً لسورية المستقبلية الموحدة والمزدهرة.
يُذكّر تيار المستقبل السوري بأن جذور هذه القضايا تعود إلى أحداث سابقة، حيث بدأت حملات الاعتقالات الموجهة ضد أعضاء حزب التحرير في عام 2019، مع اعتقال بعض الأفراد لفترات تصل إلى سبعة أشهر بتهم تتعلق بالنشاط السياسي. تلت ذلك اعتقالات إضافية في يوليو 2022، شملت مداهمات في مناطق مثل معرة مصرين شمال إدلب.
وتصاعدت الحملات في مايو 2023، حيث نفذ جهاز الأمن العام حملة واسعة في 7 مايو 2023، استهدفت بلدة دير حسان شمال إدلب، مما أسفر عن اعتقال حوالي 15 شخصاً، وفقاً لتقارير إعلامية. كما شهدت أيلول 2023 اعتقالات إضافية، واستمرت في منتصف يوليو 2023 اعتقالات أخرى ضمن حملات أمنية أوسع.
هذه الاعتقالات جاءت في سياق اتهامات بالنشاط السياسي المناهض، مثل تنظيم مظاهرات سلمية منذ عام 2017، عقب تأسيس حكومة الإنقاذ السورية في إدلب.
أما الأحكام القضائية الأخيرة، فقد صدرت في ديسمبر 2025، وشملت أحكاماً بالسجن تتراوح بين ثلاث و عشر سنوات بحق بعض الأعضاء، مثل عبد الرزاق المصري (10 سنوات)، وصبري عباس (8 سنوات)، وعلي دلو (6 سنوات).
وتزامنت هذه الأحكام مع إفراج عن آخرين في أكتوبر 2025، مثل محمد الشيخ، ومصطفى الأغا، ومحمد عساف، وفاتح ترمانيني.
وفي الوقت نفسه، شهد ديسمبر 2025 قرارات إفراج عن عشرات من عناصر وضباط النظام البائد بما في ذلك حوالي 70 ضابطاً، مما أثار تساؤلات حول معايير العدالة الانتقالية.
يُعبر تيار المستقبل السوري عن قلقه إزاء سرية بعض هذه المحاكمات، التي قد تكون مبررة مؤقتاً في حالات أمنية حساسة لحماية المشاركين أو منع التصعيد، كما حدث في المحاكمات التي جرت في أقبية سرية مع قضاة ملثمين.
ومع ذلك، يجب أن تظل هذه الإجراءات استثنائية ومحدودة زمنياً، لتجنب إضعاف الثقة في النظام القضائي.
وعليه يدعو تيار المستقبل السوري إلى الانتقال التدريجي والسريع نحو نظام قضائي شفاف وعلني، يضمن علنية المحاكمات، وحق الدفاع الكامل، وإمكانية الاستئناف أمام هيئات مستقلة، ومشاركة مراقبين محليين ودوليين لتعزيز النزاهة.
كما نؤكد على ضرورة مراجعة القوانين القضائية لتتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، مع مراعاة الظروف الانتقالية في المرحلة الأولى، حيث يمكن تبني آليات مؤقتة تحقق التوازن بين الأمن والعدالة دون تعريض الاستقرار للخطر.
في هذا السياق، ينظر تيار المستقبل السوري إلى هذه التطورات بعين وطنية مستقبلية، تراعي وحدة الشعب السوري ومصلحته العليا فوق كل اعتبار.
حيث نرى أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون شاملة وغير انتقائية، تركز على المساءلة العادلة لجميع الأطراف، وتعزز من الاندماج الاجتماعي بدلاً من تعميق الشقاق.
وعليه فإننا في تيار المستقبل السوري ندعو السلطات المختصة، وكافة الفاعلين السوريين، إلى إطلاق حوار وطني شامل يهدف إلى صياغة إصلاحات قضائية جذرية، تضمن المساواة أمام القانون، وتحمي حرية الرأي والتعبير، وتعكس قيم الثورة السورية في الحرية، والعدالة، والكرامة الإنسانية، وتعكس مراتبية الدولة الوطنية الحديثة.
فبناء سورية الجديدة يتطلب جهداً مشتركاً لتجاوز الماضي المؤلم وصنع مستقبل يجمع الجميع تحت مظلة القانون والدولة المدنية.