زيارة الوفد اللبناني الرفيع المستوى إلى دمشق

أولاً، الخلفية والسياق الاستراتيجي:

منذ سقوط نظام الأسد أواخر عام 2024، شهدت العلاقات السورية-اللبنانية تحولاً نوعياً من حالة التوتر والحذر المتبادل إلى مسار تدريجي لإعادة البناء على أسس السيادة والندية.

سبق أن زار نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري دمشق في تشرين الثاني 2025، كما زار رئيس الحكومة نواف سلام العاصمة السورية في أيار 2026.

أسفرت هذه اللقاءات عن تقدم جزئي في ملف عودة اللاجئين (عادت مئات الآلاف طوعياً) وبدء معالجة ملف الموقوفين السوريين عبر اتفاقات قضائية محدودة، إلا أن الملفات الأمنية والحدودية بقيت تحتاج إلى آليات تنفيذية أوضح.

تأتي الزيارة المرتقبة مطلع تشرين الثاني 2026 ضمن هذا المسار، وتهدف إلى الانتقال من مرحلة التواصل السياسي إلى مرحلة التعاون المؤسسي.

غير أن مشاركة وزير العمل اللبناني محمد حيدر، المحسوب على حزب الله وفق تقارير إعلامية لبنانية متعددة، تضع الزيارة أمام تحدٍّ حساس يتعلق بحدود التعامل مع نفوذ الميليشيات غير الشرعية في لبنان.

ثانياً، التوصيف الدقيق للزيارة:

وفق مصادر دبلوماسية لبنانية وتقارير إعلامية سورية ولبنانية متطابقة، سيزور وفد برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري دمشق يوم الإثنين 2 تشرين الثاني 2026، يرافقه وزراء الداخلية أحمد الحجار، التربية ريما كرامي، العمل محمد حيدر، والشؤون الاجتماعية حنين السيد.

الملفات المطروحة على طاولة البحث:

  • آليات تنظيم العودة الطوعية للاجئين السوريين بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
  • ضبط الحدود والتنسيق الأمني ومكافحة التهريب.
  • ملف الموقوفين والمعتقلين السوريين في السجون اللبنانية.
  • تطوير آليات التعاون المؤسساتي وإعادة تفعيل الاتفاقيات الثنائية.
    من المتوقع أن يلتقي متري الرئيس أحمد الشرع، وأن تُمهّد الزيارة لزيارة محتملة لرئيس الحكومة نواف سلام أواخر تشرين الثاني واجتماع للجنة العليا المشتركة.

ثالثاً، تحليل الفرص والمخاطر:

الفرص الرئيسية:

تتيح الزيارة تعزيز الاعتراف العملي بالسلطة السورية الجديدة، ومعالجة ملفات إنسانية وأمنية طال أمدها، وفتح مسار مؤسسي قابل للاستمرار.

كما ترسل رسالة إقليمية بأن دمشق قادرة على بناء علاقات طبيعية مع جيرانها بعيداً عن المحاور الإيديولوجية السابقة.

ويُمكن لملف الموقوفين أن يتحول إلى مدخل سريع لبناء الثقة، بينما يخدم ضبط الحدود الأمن القومي السوري مباشرة عبر الحد من تدفق السلاح والمخدرات والعناصر المتطرفة.

المخاطر والتحديات:

أبرز المخاطر تكمن في مشاركة وزير محسوب على حزب الله، مما قد يُفسر داخلياً وخارجياً على أنه تطبيع جزئي مع نفوذ ميليشياوي، ويُضعف صورة الحكومة أمام الرأي العام السوري الذي يرفض أي دور لحزب الله بعد عقود من التدخل.

كما أن غياب آليات تنفيذية واضحة وجداول زمنية قد يحول الزيارة إلى لقاء بروتوكولي دون نتائج ملموسة.

وهناك خطر استغلال بعض الأطراف اللبنانية للزيارة في المناورات الداخلية، إضافة إلى احتمالية تصاعد انتقادات شعبية سورية إذا لم تُدار الرسالة الإعلامية بدقة.

رابعاً، التوصيات العملية:

توصيات قصيرة الأجل (خلال الزيارة والأسبوعين التاليين):

التركيز في الخطاب الرسمي السوري على الطابع الحكومي اللبناني للوفد، وتجنب أي إبراز لدور حزب الله.
والإصرار على إصدار بيان مشترك يؤكد سيادة الدولتين ورفض التدخلات الميليشياوية.
واقتراح آلية قضائية مشتركة عاجلة لمعالجة ملف الموقوفين خلال مدة لا تتجاوز ستين يوماً.
وتشكيل فريق فني سوري لتوثيق مجريات الزيارة وتقييم نتائجها الأولية خلال أسبوعين من انتهائها.

توصيات متوسطة الأجل (حتى نهاية تشرين الثاني وبداية كانون الأول):

ربط نتائج الزيارة بأجندة واضحة لزيارة رئيس الحكومة نواف سلام واجتماع اللجنة العليا، على أن تشمل أجندة اللجنة ملفات الطاقة والمياه والاقتصاد إلى جانب الأمن واللاجئين.

وطلب مشاركة فنية سورية في أي آليات دولية تتعلق بتنظيم العودة أو مراقبة الحدود.

ووضع مؤشرات قياس محددة للنجاح تشمل: عدد الموقوفين الذين يُنقلون أو يُفرج عنهم، وجود إطار زمني مرحلي للعودة الطوعية، ووجود آلية تنسيق حدودي مكتوبة عبر الأجهزة الرسمية فقط.

توصيات طويلة الأجل:

بناء مسار علاقات مؤسسي مستدام يقوم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل، مع الإبقاء على خطوط حمراء واضحة تحول دون أي تغلغل ميليشياوي أو تنازل سيادي.

استخدام التقدم في العلاقات اللبنانية كنموذج قابل للتعميم مع دول الجوار الأخرى، مع الحفاظ على استقلالية القرار السوري.

خامساً، مؤشرات النجاح والمخاطر المتبقية:

يُقاس نجاح الزيارة بمدى تحولها من لقاء سياسي إلى نتائج تنفيذية قابلة للقياس خلال ثلاثة أشهر.

أبرز المخاطر المتبقية تتمثل في إمكانية استغلال الزيارة إعلامياً من قبل أطراف لبنانية أو إقليمية، أو فشل الجانب اللبناني في الالتزام بالآليات المتفق عليها، أو تصاعد ضغط شعبي سوري إذا بدا أن دمشق تتهاون مع رموز حزب الله.

في حال عدم تحقق تقدم ملموس في ملفي الموقوفين والحدود، يُفضل تأجيل الخطوات الرمزية اللاحقة والتركيز على القنوات التقنية فقط.

سادساً، الخلاصة:

تمثل الزيارة فرصة حقيقية لإعادة تأسيس علاقة سورية-لبنانية طبيعية على أسس السيادة والمصلحة المشتركة، بعد عقود من التشوه والهيمنة.

ويبدو أن نجاحها مشروط بإدارة سورية حذرة وذكية، وتقدم النتائج الملموسة على الرمزية، وتحافظ على الثوابت الوطنية في مواجهة أي نفوذ ميليشياوي.

ونوصي أن التعامل مع لبنان يجب أن يبقى ضمن إطار الدولة الرسمية، وأن أي تقدم في الملفات الإنسانية والأمنية يخدم الاستقرار الإقليمي شريطة الحفاظ الكامل على السيادة السورية واستقلالية قرارها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

السوريون العائدون أمام شتاء قاسٍ

تسليط الضوء على المخاطر التي يواجهها السوريون العائدون في ظل تحذيرات الشتاء القادمة

31 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

تضامن جوبر مع درعا والقنيطرة

تضامن أهالي جوبر مع درعا والقنيطرة ودورهم في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.

31 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع