يُتابع تيار المستقبل السوري ببالغ الاهتمام الموقف الوطني المسؤول الذي أعلنه مجلسا أمناء حيي جوبر والقابون في العاصمة دمشق، وذلك ببيان تم نشره يوم الثلاثاء2026/10/13 م، وقد حُرر يوم الاثنين، وذلك برفض العرض الحالي لإعادة إعمار الحيين، والمطالبة بوقفه وإعادة طرحه بصيغة تراعي مطالب الأهالي وتضمن مشاركتهم الفعلية في صياغته.
ويُثمن تيار المستقبل السوري هذا الموقف المدني الحضاري، الذي يُعبّر عن وعي شعبي عميق بحقوقه، ورفضه القاطع لأي مشروع يُقرر مستقبل الحيين دون إشراك أصحاب الحق الأصليين.
ويعتبر تيار المستقبل السوري أن هذا الرفض ليس اعتراضاً على مبدأ إعادة الإعمار، بل على صيغة تفتقر إلى الحد الأدنى من الشفافية والوضوح، وتُحمّل الأهالي أعباءً مالية لا ذنب لهم فيها.
يُسجل تيار المستقبل السوري بقلق بالغ التفاصيل الدقيقة للعرض المطروح، التي وثّقتها دراسات المجلسين المحليين:
أولاً: القيمة التقديرية للمشروع – تُشير التقديرات المتداولة إلى أن قيمة العرض الاستثماري لإعادة إعمار جوبر والقابون تبلغ نحو 21 مليار دولار، وهو رقم ضخم يستوجب أعلى درجات الشفافية والتدقيق.
ثانياً: تحميل الأهالي أعباءً مالية إضافية – كشفت دراسات المجلسين أن العرض يتضمن تحميل المشروع تكاليف المنشآت العامة، وإدراج أعباء البنية التحتية، وتوسيع نطاقه، مما يزيد من تعقيداته ومتطلباته المالية.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الأعباء الإضافية قد تصل إلى نحو 9 مليارات دولار ناتجة عن قروض المطور، مما يعني أن الأهالي سيتحملون في نهاية المطاف فاتورة هذه التكاليف.
ثالثاً: غياب الصيغة المكتوبة والمخططات التفصيلية – يُسجل تيار المستقبل السوري بخطورة بالغة أن الدراسات أظهرت غياب الصيغة المكتوبة والمخططات التفصيلية منذ بداية المناقشات، وهو ما أدى إلى انتشار الشائعات وظهور خلافات بين الأهالي أنفسهم حول مستقبل الحيين وآليات إعادة إعمارهما. ويعتبر تيار المستقبل السوري أن غياب هذه الوثائق الأساسية يُشكّل خرقاً لمبدأ الشفافية، ويُعمّق حالة عدم اليقين، ويُعرض حقوق الأهالي للضياع.
رابعاً: مطلب تجزئة المشروع – أشار مجلس أمانة القابون بشكل صريح إلى ضرورة فصل مشروع إعادة إعمار القابون عن جوبر، نظراً لاختلاف ظروف كل حي، وعدم إمكانية التعامل معهما كمشروع واحد. ويرى تيار المستقبل السوري أن هذا المطلب مشروع تماماً، ويستند إلى مبدأ مراعاة الخصوصية المحلية لكل منطقة.
يُذكّر تيار المستقبل السوري في هذا السياق بموقفه الثابت المنشور على موقعه الرسمي بعنوان "تدشين مركز توثيق ملكيات المواطنين في حيي القابون وجوبر"، بتاريخ 4 شباط/فبراير 2026، حيث رحب فيه بالمبادرة الحكومية لتوثيق الملكيات، واعتبرها "خطوة أساسية نحو تنظيم الحقوق العقارية وضمان عودة آمنة ومنظمة للأهالي".
وشددنا في ذلك البيان على أن "إعادة الإعمار هي عملية شاملة تبدأ بحماية الحقوق الإنسانية والملكية الخاصة"، ودعا إلى أن تكون المرحلة القادمة مرحلة "إعمار لكل سورية"، يعود فيها كل مواطن إلى حقه في ملكيته دون خوف من النزاع أو الاستيلاء غير المشروع.
ويُذكّر تيار المستقبل السوري أيضاً بموقفه المنشور بعنوان "وقفة إسقاط قوانين الاستملاك والإيجار القديم"، بتاريخ 29 آب/أغسطس 2026، حيث أكد على أن "مطالب المحتجين، التي تركّزت على رفض قوانين الاستملاك والإيجار القديم التي تعود إلى عهد النظام البائد، مطالبَ عادلةً ومشروعةً، تعبّر عن معاناة حقيقية عانى منها آلاف السوريين لعقود". ويعتبر تيار المستقبل السوري أن ما يحدث اليوم في جوبر والقابون هو استمرار لهذه المعاناة، واختبار حقيقي لمدى التزام الدولة بمبادئ العدالة والشفافية والمشاركة الشعبية.
يُشير تيار المستقبل السوري إلى أن رفض الأهالي للصيغة الحالية يستند إلى أسس قانونية واضحة، أبرزها:
أولاً: القانون رقم 10 لعام 2018 الذي صدر في عهد النظام المخلوع، والذي استُخدم كأداة للاستيلاء على الممتلكات وإحداث تغيير ديموغرافي. ويرى تيار المستقبل السوري أن أي مشروع إعمار في جوبر والقابون يجب ألا يُبنى على هذا القانون، بل يجب إلغاؤه أو تعديله جذرياً، أسوةً بما طالب به التيار في بياناته السابقة.
ثانياً: مبدأ المشاركة العامة في القرارات العمرانية الذي يُشكّل حقاً أساسياً للمواطنين، ويكفله الدستور والقانون الدولي. ويُذكّر تيار المستقبل السوري بأن التجارب الدولية أثبتت أن مشاريع إعادة الإعمار لا تنجح إلا عندما تُبنى على الشراكة الفعلية مع المجتمعات المحلية.
ثالثاً: التجربة الألمانية في إعادة إعمار برلين بعد إعادة توحيد ألمانيا، اعتمدت برلين على نموذج تشاركي واسع، أشركت فيه السكان في تصميم مشاريع الإعمار، ووفرت آليات شفافة للتعويض، مما جعل إعادة الإعمار عملية وطنية جامعة، لا مصدراً للنزاعات.
رابعاً: التجربة اللبنانية في إعمار بيروت رغم تعقيداتها، أظهرت تجربة لبنان أن غياب الشفافية والمشاركة المجتمعية أدى إلى نزاعات عقارية طويلة الأمد، وإلى تهميش الفئات الأكثر هشاشة. ويعتبر تيار المستقبل السوري أن سورية يمكنها تجنب هذه الأخطاء، إذا اعتمدت مقاربة تشاركية شفافة من البداية.
انطلاقاً من مسؤوليته الوطنية، يُوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:
أولاً: الاستجابة الفورية لمطلب الأهالي بوقف العرض الحالي والبدء فوراً في إعداد نماذج بديلة تضمن حقوق السكان وتحافظ على التركيبة السكانية والنسيج المجتمعي، مع الأخذ بعين الاعتبار مطلب فصل مشروع القابون عن جوبر، نظراً لاختلاف ظروف كل حي.
ثانياً: نشر كامل المخططات والدراسات المتعلقة بالمشروع وتوضيح حقوق الأطراف والتزاماتها بشكل كتابي ومعلن، وإتاحتها للرأي العام وللمتخصصين، لإزالة الشائعات ووضع حد للتكهنات. ويُشدد تيار المستقبل السوري على أن الشفافية ليست خياراً، بل هي شرط أساسي لبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
ثالثاً: إشراك ممثلي المجتمع المحلي بشكل فعلي ومباشر في جميع القرارات عبر تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الأهالي والخبراء في التخطيط العمراني والقانون والمحافظة، تكون مسؤولة عن مراجعة العرض الحالي، وإعداد بدائل، والإشراف على التنفيذ. ويؤكد تيار المستقبل السوري أن هذه اللجنة يجب أن تكون قراراتها ملزمة، لا استشارية.
رابعاً: الإعلان عن معايير واضحة وعادلة لنسب التعويض والاستثمار تضمن عدم المساس بحقوق المالكين، وتُراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفئات الأكثر هشاشة. ويقترح تيار المستقبل السوري أن تكون نسب التعويض لا تقل عن 70% من قيمة العقار السوقية، مع إتاحة خيارات متعددة للمالكين (تعويض نقدي، أو وحدة سكنية بديلة، أو شراكة في المشروع).
خامساً: إلغاء أو تعديل القانون رقم 10 لعام 2018 واعتماد تشريع جديد يحمي حقوق الملكية، ويمنع الاستيلاء على الممتلكات تحت أي ذريعة، ويضمن حق الطعن والتظلم لأي مواطن يرى أن حقوقه قد مُسّت.
سادساً: اعتماد مبدأ الشفافية الكاملة في كل مراحل المشروع عبر آليات رقابية مستقلة، وإتاحة المعلومات بشكل دوري، ونشر تقارير مالية وتقنية دورية عن التكاليف والتمويل والتنفيذ.
يُثمن تيار المستقبل السوري موقف مجلسي أمناء جوبر والقابون، ويرى فيه نموذجاً وطنياً يحتذى به في المطالبة بالحقوق بالطرق السلمية والقانونية.
ويؤكد تيار المستقبل السوري أن إعادة إعمار جوبر والقابون ليست مجرد مشروع عمراني، بل هي اختبار حقيقي لمدى التزام الدولة الجديدة بمبادئ العدالة والشفافية والمشاركة الشعبية.
ويُذكّر بأن بناء سورية الجديدة لا يمكن أن يتحقق على حساب حقوق أبنائها، وأن أي مشروع إعمار لا يحظى بتوافق مجتمعي هو مشروع ناقص، مهما كانت مبرراته التنموية.
ويُجدد تيار المستقبل السوري دعوته إلى الحكومة الانتقالية ومحافظة دمشق للاستجابة لمطالب الأهالي، والعمل معهم كشركاء في بناء مستقبل حييهم، لا كمستفيدين من مشروع يُقرر مصيرهم دونهم.