تفكيك خطاب المؤامرة في التجربة السورية

سؤال لم يُطرح بعد:

يبادر البعض في كل مرة يُرفع فيها صوت نقدي في سورية ضد الفساد أو المحسوبية أو غياب الكفاءة، إلى إطلاق صرخة تحذيرية بأن هناك مؤامرة لإسقاط سورية، كما أسقطوا محمد مرسي في مصر.

صحيح أن هذا الربط الآلي بين أي نقد وبين مشاريع التآمر الخارجي آلية دفاعية تهدف إلى إسكات النقد عبر تخوين صاحبه.
لكن المشكلة أعمق من مجرد اتهام.

فالسؤال الحقيقي ليس: "هل النقد مؤداه انقلاب؟" — لأن الجواب البديهي هو: لا، النقد كلمة والانقلاب سلاح.
إنما السؤال الحقيقي هو: هل يمكن للنقد أن يكون جزءاً من مشروع انقلابي؟ وهل يمكن لخطاب المؤامرة أن يكون مبرراً في بعض الحالات؟

ما هو الانقلاب العسكري؟ :

الانقلاب العسكري ليس احتجاجاً شعبياً ولا مقالاً نقدياً، بل هو فعل عسكري منظم يستهدف الاستيلاء على السلطة التنفيذية عبر السيطرة على مراكز القيادة والاتصالات.

قدم صامويل هنتنغتون في كتابه Political Order in Changing Societies (1968) تحليلاً رائداً للانقلابات، ميز فيه بين "الانقلابات التأسيسية" التي تحدث في مجتمعات ضعيفة المؤسسات، و"الانقلابات التآمرية" التي تحدث في مجتمعات أكثر تعقيداً.

وقدم صامويل فينر في كتابه The Man on Horseback (1962) تصنيفاً للتدخلات العسكرية، ميز فيه بين "التدخل الشرعي" و"التدخل غير الشرعي".

لكن الأكثر صلة بموضوعنا هو عمل ناؤنيال سينغ في كتابه Seizing Power: The Strategic Logic of Military Coups (2014)، حيث يشرح أن الانقلاب هو "لعبة تنسيقية" (coordination game)، وأن نجاحه يتوقف على قدرة الانقلابيين على "إظهار أنهم قد نجحوا بالفعل"، بحيث يتوهم كل مسؤول أن الانقلاب حتمي، فينضم إليه أو يمتنع عن مقاومته.

ويضيف جوناثان باول وتشاد ثاين في دراستهما الشهيرة Global Instances of Coups from 1950 to 2010 (2011) أن الانقلابات الناجحة تميل إلى الحدوث عندما يكون الجيش موحداً، والقيادة المدنية تفتقد إلى الشرعية أو القدرة على المقاومة.
في المقابل، ترتبط الانقلابات الفاشلة بانقسامات داخلية في القوات المسلحة ومؤسسات مدنية قادرة على الصمود.
تكشف هذه الشروط الموضوعية أن الانقلاب ليس "رد فعل" على مقالة أو تغريدة، بل هو عملية عسكرية معقدة تتطلب وحدة صفوف الجيش، ودعماً من النخب، وقدرة على فرض الأمر الواقع.
وهذا كله غائب تماماً عن النقد المدني السلمي.

هل يمكن للنقد أن يخدم مشروعاً انقلابياً؟:

هنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت شروط الانقلاب موضوعية، فهل يمكن للنقد أن يكون جزءاً من هذه الشروط؟
الجواب: نعم، ممكن.
فالتاريخ يظهر حالات استُخدم فيها النقد الممنهج والممول كـ "غطاء" أو "مرحلة تحضيرية" لمشاريع انقلابية أو تدخلات خارجية.
ومن الأمثلة:
التدخل الخارجي في ليبيا (2011): استُخدم خطاب "حماية المدنيين" كغطاء لتغيير النظام، رغم أن التدخل تجاوز تفويض مجلس الأمن.
الانقلاب المصري (2013): استُخدمت حملة "تمرد" التي جمعت 22 مليون توقيع كغطاء شعبي لتدخل عسكري، لكن هذا التدخل كان في جوهره انقلاباً عسكرياً.

لكن هذا لا يعني أن كل نقد هو مؤامرة، ولا أن تهمة المؤامرة صحيحة دائماً، بل يعني أن المنطقة الرمادية موجودة، وأن كلا الطرفين قد يستخدم أدواته لتضليل الآخر.
إذاً، كيف نميز؟

معايير التمييز بين النقد المشروع والمؤامرة:

انطلاقاً من علم الانقلابات والنصوص الدينية والتجارب التاريخية، يمكن اقتراح خمسة معايير عملية للتمييز:

المعيار الأول: العلنية والسرية، فالنقد المشروع يُمارس في العلن، ويستند إلى وقائع قابلة للتحقق، ويقدم بدائل، أما المؤامرة فتُمارس في السر، وتستند إلى معلومات غير قابلة للتحقق، وتكتفي بالتشويش دون تقديم حلول.

المعيار الثاني: الاستهداف، لأن النقد المشروع يستهدف سياسات وأفعالاً، وليس أشخاصاً أو جماعات، أما المؤامرة فتستهدف تقويض الثقة في النظام ككل، بغض النظر عن سياساته.

المعيار الثالث: التمويل والجهة الراعية، وهنا النقد المشروع يعتمد على موارد محلية، أو على دعم شفاف من جهات معروفة، أما المؤامرة فتعتمد على تمويل خارجي خفي، أو على جهات مجهولة.

المعيار الرابع: الغاية المعلنة، النقد المشروع يهدف إلى الإصلاح، ويقبل بالحوار والتصحيح، أما المؤامرة فتهدف إلى الإسقاط، وترفض أي حوار إلا بشروطها.

المعيار الخامس: العنف، فالنقد المشروع سلمي، ويرفض العنف كوسيلة للتغيير، أما المؤامرة فتقبل العنف أو التهديد به، أو تسعى إلى تحريض الجيش على التدخل.

هذه المعايير ليست قاطعة، لكنها أدوات عملية للتمييز.

النقد في الإسلام بين النصيحة والخروج:

لقد فرّق الفقهاء المسلمون بدقة بالغة بين النقد السلمي الذي هو حق وواجب، وبين الخروج المسلح الذي له ضوابط صارمة.
النقد المشروع يستند إلى قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: 104)، وإلى الحديث النبوي: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم).

وقد أكد الفقهاء أن "انتقاد الأوضاع الفاسدة والأمر بالمعروف ليس خروجاً على السلطان، بشرط الالتزام بالطرق الشرعية".
أما الخروج المسلح، فقد حذر منه النبي ﷺ، لأنه يؤدي إلى "الشر العظيم".
وروى البخاري في كتاب الفتن عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإن من فارق الجماعة شبراً فمات فميتة جاهلية" .

وقد أكد ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن "الخروج على الحكام المسلمين بالسلاح من أعظم الفتن والشرور".
لكن الفقهاء أنفسهم فرقوا بين الخروج بالسلاح وإنكار المنكر بالكلمة.

وقد قال الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم إن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس سقط عن الباقين".

وقال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري إن "الإنكار باللسان لا يترتب عليه فتنة، فهو مشروع في كل حال".

الحالة السورية – ما نعرفه وما لا نعرفه:

يبدو خطاب المؤامرة أكثر تعقيداً هنا، فبعد سقوط نظام الأسد، برزت أصوات نقدية تطالب بمحاسبة الفاسدين، وبتعيين الكفاءات، وبوقف المحسوبية، حيث قد أثارت التعيينات الأخيرة جدلاً واسعاً.
لكن السؤال هل هناك "قوة انقلابية عسكرية" في سورية اليوم؟
المؤشرات المتاحة لا تسمح بجزم، فهناك فصائل متعددة، وقيادات متنوعة، وولاءات متداخلة، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن الجيش "غير موحد" بالمعنى الذي يمنع الانقلاب.
فالتاريخ يظهر أن الجيوش غير الموحدة قد تشهد انقلابات ناجحة، كما حدث في دول كثيرة، والعكس صحيح، إذ الجيوش الموحدة قد تفشل في انقلاب إذا كانت القيادة المدنية قادرة على المقاومة.
ما يمكن قوله بثقة هو أن الحكومة الانتقالية لا تزال تحظى بشرعية نسبية، وأن المعارضة المدنية لم تُظهر بعد قدرة على تنظيم صفوفها، وأن الخارج لم يُظهر بعد نية جدية لإسقاط النظام الجديد، خاصة بعد رفع العقوبات وإزالة التصنيف.، كما يوجد قوة عسكرية بالداخل توازي قوة السلطة الانتقالية.

في الخلاصة:

الخلاصة التي يجب أن يدركها كل سوري، أن النقد ليس انقلاباً، لكنه ليس دائماً بريئاً.
فالنقد قد يكون حقاً مشروعاً، وقد يكون جزءاً من مشروع.
والتمييز بينهما ليس بالأمر السهل، لكنه ضروري لحماية الدولة من الفوضى، وحماية النقد من التخوين.
إن خطاب "المؤامرة" الذي يُرفع في وجه كل نقد ليس بريئاً، لأنه يهدف إلى إسكات المحاسبة.
لكن النقد الذي يرفض الحوار ويستهدف الإسقاط ليس بريئاً أيضاً، لأنه يهدف إلى الفوضى.
في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن النقد المسؤول حق وطني وواجب ديني، وأن الحوار هو السبيل الوحيد لتجنب الانزلاق إلى العنف.
وندعو الحكومة الانتقالية إلى فتح قنوات حوار حقيقية مع القوى السياسية والمجتمع المدني، وإلى الاستجابة للمطالب المشروعة بالإصلاح، لأن الاستجابة للنقد هي الضمانة الوحيدة لعدم تحوله إلى ثورة أو انقلاب.

المراجع:

  1. Powell, J. M., & Thyne, C. L. (2011). Global instances of coups from 1950 to 2010: A new dataset. Journal of Peace Research, 48(2), 249-259.
  2. Singh, N. (2014). Seizing Power: The Strategic Logic of Military Coups. Johns Hopkins University Press.
  3. Huntington, S. P. (1968). Political Order in Changing Societies. Yale University Press.
  4. Finer, S. E. (1962). The Man on Horseback: The Role of the Military in Politics. Pall Mall Press.
  5. Linz, J. J., & Stepan, A. (1996). Problems of Democratic Transition and Consolidation. Johns Hopkins University Press.
  6. البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري، كتاب الفتن.
  7. مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  8. ابن تيمية، أحمد. مجموع الفتاوى (المجلد 28). دار الوفاء.
  9. النووي، يحيى بن شرف. شرح صحيح مسلم (المجلد 1). دار إحياء التراث العربي.
  10. ابن حجر العسقلاني، أحمد. فتح الباري بشرح صحيح البخاري (المجلد 13). دار المعرفة.

شاركها على:

اقرأ أيضا

أهالي جوبر والقابون يرفضون مشروع الإعمار بصيغته الحالية

موقف أهالي جوبر والقابون من مشروع الإعمار، وتأثيره على حقوقهم في المشاركة وتحديد مصير الحيين.

15 أكتوبر 2026

•

إدارة الموقع

الجمال سر من أسرار الله: نحو تأصيل حضاري إسلامي للفنون والذوق الجمالي

العلاقة بين الجمال والفن في الإسلام وكيف يسهم ذلك في تعزيز ثقافات حضارية إيجابية.

13 أكتوبر 2026

•

جمعة محمد لهيب