أفول نجم تنظيمات ما دون الدولة في تحولات الحوكمة بسورية

تمهيد:

شهدت سورية، خلال العقدين الأخيرين، تحولاً جذرياً في بنية السلطة، تمثل في صعود "تنظيمات ما دون الدولة" كفواعل أساسية في المشهد السياسي والأمني.
فمع انهيار مؤسسات الدولة المركزية، برزت كيانات مسلحة وإدارية موازية، استطاعت فرض سيطرتها على مساحات شاسعة من الأراضي، وبناء أنظمة حوكمة بديلة، وإعادة تعريف مفهوم السلطة والسيادة في المنطقة.

لكن الأفق السياسي في سورية يشهد اليوم تحولاً جديداً، حيث أعلنت "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) والإدارة الذاتية في 25 آب/أغسطس 2026 حلهما رسمياً واندماجهما الكامل في مؤسسات الدولة السورية.
وجاء هذا الإعلان بعد أسابيع من إزالة اسم سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأميركية، مما يعكس تحولاً استراتيجياً في السياسة الأميركية تجاه المنطقة.

هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً، وهو هل يعني حل هذه التنظيمات نهاية دورها نهائياً؟ أم أننا أمام مرحلة جديدة من التحول، تنتقل فيها هذه القوى من منطق السلاح إلى منطق العمل السياسي والمؤسسي؟
وما هي الدروس المستفادة من تجربة سورية، التي يمكن أن تنير الطريق لفهم مستقبل تنظيمات ما دون الدولة في الشرق الأوسط؟

أولاً، من الدولة الفاشلة إلى الحوكمة دون حكومة:

تعريف تنظيمات ما دون الدولة:

تُعرّف تنظيمات ما دون الدولة بأنها "التنظيمات والقوى التي تملك كيانات تعمل سياسياً أو عسكرياً أو اجتماعياً خارج إطار الدولة الرسمي".
وتشمل هذه التنظيمات الأحزاب والحركات السياسية ذات الأذرع المسلحة، والميليشيات والتنظيمات المسلحة، والجماعات القومية والإثنية العابرة للحدود، فضلاً عن التنظيمات الدينية والحركات الاجتماعية.

وفي السياق الأكاديمي، تعرف "الجماعات المسلحة غير الحكومية" بأنها "أي فاعل مسلح يعمل خارج سيطرة الدولة ويستخدم القوة لتحقيق أهدافه السياسية أو شبه السياسية".
وهذا التعريف يلتقط جوهر الظاهرة، فهي كيانات تتحدى احتكار الدولة للقوة المشروعة، وتسعى إلى فرض أجنداتها الخاصة، سواء كانت سياسية أو إثنية أو دينية.

نظريات الدولة الفاشلة والحوكمة دون حكومة:

ترتبط ظاهرة تنظيمات ما دون الدولة ارتباطاً وثيقاً بمفهوم "الدولة الفاشلة" أو "الدولة الضعيفة"، ففي سياقات انهيار مؤسسات الدولة، كما حدث في سورية والعراق وليبيا واليمن، تبرز كيانات بديلة تسعى لملء الفراغ.
وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى أن "الجهات غير الحكومية في الدول الضعيفة غالباً ما تتولى وظائف تُنسب عادةً إلى الدولة".

وتقدم نظرية "صنع الحرب وصنع الدولة" لتشارلز تيلي إطاراً مهماً لفهم هذه الظاهرة، فوفقاً لهذه النظرية، فإن عملية بناء الدولة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقدرة على شن الحرب وحشد الموارد.
وقد طبقت هذه النظرية على حالة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في شمال شرق سورية، حيث أظهرت الدراسة أن الحزب انخرط في "أنشطة شبيهة بالدولة" من خلال قدراته الحربية، واستعداده التنظيمي، وسلطته الأيديولوجية، وتحالفاته المحلية والأجنبية.

وتشمل آليات بناء الدولة التي استخدمها حزب الاتحاد الديمقراطي: الإدارة، والسيطرة على الأراضي، واحتكار العنف، والتجنيد العسكري، وتوفير الحماية والأمن، والهيكل القضائي، والخدمات العامة، والتنظيم الاقتصادي، ونظام الضرائب، والعلاقات الدبلوماسية.
وهذا يوضح كيف يمكن للفواعل غير الحكومية أن تعيد إنتاج آليات الدولة التقليدية، بل وتتفوق عليها في بعض الأحيان.

الحوكمة دون حكومة في الشرق الأوسط:

يُعد مفهوم "الحوكمة دون حكومة" إطاراً تحليلياً مهماً لفهم المنطقة.
ففي الشرق الأوسط، تنتشر أنظمة الحوكمة الهجينة والمجزأة، حيث تتعايش الدولة والفواعل غير الحكومية.

وتشير الدراسات إلى أن هذه الأنظمة تنشأ في سياقات ما بعد النزاع، حيث تتداخل آليات الحوكمة الرسمية وغير الرسمية.

وقد لعبت الحرب على إيران دوراً حاسماً في تغيير نمط التعاطي الأميركي مع هذه التنظيمات، حيث تشكل تنظيمات ما دون الدولة أذرع إيران وقوتها الضاربة في الخارج. ومع تغير الاستراتيجية الأميركية، والتحول نحو إدارة التوازنات الإقليمية متعددة الأطراف، بدأت هذه التنظيمات تفقد غطاءها الخارجي.

ثانياً، دراسة حالة سورية:

مرحلة الصعود:

مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، وانهيار مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، برزت فواعل مسلحة متنافسة، كل منها تسعى لملء الفراغ السياسي والأمني.
وقد تنوعت هذه الفواعل بين فصائل المعارضة المسلحة، والتنظيمات الجهادية (مثل داعش وجبهة النصرة)، والقوى الكردية (مثل وحدات حماية الشعب وحزب الاتحاد الديمقراطي)، والميليشيات الموالية لإيران.

وقد تمكن حزب الاتحاد الديمقراطي، في الفترة بين 2012 و2019، من بناء كيان شبه دولي في شمال شرق سورية، استند إلى نموذج "الحكم الذاتي الديمقراطي" و"الكونفدرالية الديمقراطية" المستوحى من أفكار عبد الله أوجلان.
وقد اعتمد هذا الكيان على آليات دولة متكاملة، شملت الإدارة المحلية، والخدمات العامة، والنظام القضائي، والقوات العسكرية (وحدات حماية الشعب ثم قسد).

مرحلة التحول:

مع سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تغيرت المعادلة السياسية في سورية بشكل جذري. فقد أدركت قسد أن بقاءها كقوة عسكرية مستقلة لم يعد ممكناً، في ظل التحولات الإقليمية والدولية، وبدأ مسار التفاوض مع الحكومة السورية الجديدة، الذي توج باتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026، الذي نص على وقف إطلاق النار والبدء بعملية دمج تدريجية للقوات والمؤسسات التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية.

وشمل الاتفاق ترتيبات تتعلق بالمعابر الحدودية، وحقول النفط والغاز، والسجون والمخيمات، والمؤسسات المدنية، إلى جانب ضمان حقوق مدنية وتعليمية للكرد وعودة المهجرين.
وقد جاء الاتفاق بعد مواجهات عسكرية بين الحكومة و"قسد" في كانون الثاني الماضي، قبل أن يتحول مسار العلاقة من المواجهة إلى التفاوض.

مرحلة الحل:

في 25 آب/أغسطس 2026، أعلن القائد العام لقوات سورية الديمقراطية مظلوم عبدي حل "قسد" و"الإدارة الذاتية" وجميع التشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لهما، واندماجها الكامل في مؤسسات الدولة السورية. وجاء الإعلان خلال مؤتمر صحفي في قصر الشعب بدمشق، بحضور الرئيس أحمد الشرع.

وبعد يومين من الإعلان، أصدر الشرع المرسوم رقم "164″ لعام 2026، الذي قضى بتعيين مظلوم عبدي مستشاراً لدى رئاسة الجمهورية. كما تم دمج عناصر "قسد" العسكرية في وزارة الدفاع، وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) في وزارة الداخلية. وقد رحب المجتمع الدولي بهذه الخطوة، حيث أكد المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص توماس باراك أن عملية حل "قسد" ودمج مقاتليها في الجيش الوطني قد بدأت.

ثالثاً، دوافع الحل:

العامل الخارجي:

يظل العامل الخارجي هو الأساس في تحديد مصير تنظيمات ما دون الدولة. فعندما تغيرت الاستراتيجية الأميركية، وذهبت جهة التخلي عن استخدام هذه القوى، تغيرت موازين القوى في المنطقة بشكل كامل.

وقد لعبت الحرب على إيران دوراً حاسماً في هذا التحول، حيث تشكل تنظيمات ما دون الدولة أذرع إيران وقوتها الضاربة في الخارج.
فبدأت واشنطن حربها ضد إيران بتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله اللبناني، باغتيال زعيمه حسن نصر الله، ومن قبله اغتيال قاسم سليماني، مما أدى إلى تغيير جذري في موازين القوى في الشرق الأوسط. وشكل انسحاب حزب الله من الساحة السورية أحد أهم العوامل المباشرة لسقوط نظام الأسد.

وأشار الباحث روب غايست بينفولد، من كلية كينغز كوليدج في لندن، إلى أن حل "قسد" "هو جزء من اتجاه مستمر لفقدان قسد لقوتها التفاوضية في سورية، ببساطة لأن الولايات المتحدة أوضحت أن [قسد] لم يعد لها وضع محمي من قبل الولايات المتحدة".

العامل الداخلي:

لم تكن العوامل الخارجية وحدها هي التي دفعت نحو الحل، بل ساهمت أيضاً إخفاقات تنظيمات ما دون الدولة في تقديم بديل مستدام للدولة.
فقد أظهرت التجارب أن هذه القوى، عندما تتحول إلى بديل دائم للدولة، تواجه معضلات كبيرة، تتمثل في صعوبة بناء شرعية جامعة لمكونات المجتمع، والعجز عن إدارة الاقتصاد وتقديم الخدمات بكفاءة الدولة ومؤسساتها.

والأخطر من ذلك، أن هذه التنظيمات تضطر إلى الارتهان للقوى الخارجية للحصول على التمويل أو السلاح أو الحماية، فيتحول السلاح خارج الدولة إلى عامل انقسام داخلي. ومع مرور الزمن، يزداد الاحتجاج الشعبي ضدها، بسبب فشلها في إرساء الأمن والاستقرار، وعجزها عن تقديم الخدمات الضرورية.

العامل الجيوستراتيجي:

يمثل الموقع الجغرافي لسورية عاملاً حاسماً في حسابات القوى الكبرى. فقد أكد الباحث محمد نادر العمري أن "سقوط النظام السابق قدّم لواشنطن فرصة جيوستراتيجية لإعادة تشكيل التوجه الإقليمي لسورية بعد عقود من العلاقات الوثيقة مع روسيا وإيران". ويضيف أن "الموقع الجغرافي لسورية يمنحها أهمية خاصة في الحسابات الأميركية تجاه العديد من المنافسين الإقليميين والدوليين".

رابعاً: التحديات المتبقية في مرحلة ما بعد الحل:

رغم أهمية الإعلان، تواجه عملية الاندماج تحديات عدة، تحدد مدى نجاحها في تحقيق الاستقرار الدائم:

تحديات الاندماج العسكري:

يشير المحللون إلى أن "الاتفاق قد ينهي التقسيم العسكري لسورية، لكن المؤسسات الجامعة وسلسلة القيادة الوطنية الموحدة هي ما سيجعل الوحدة مستدامة وفعالة".
وقد أكد الباحث نافار سابان أن "الدمج الرسمي قد اكتمل، لكن خلق ثقافة عسكرية موحدة وسلسلة قيادة سيستغرق وقتاً أطول بكثير".

تحديات التمثيل والحقوق المحلية:

يثير حل "قسد" أسئلة بشأن مستقبل الملف الكردي، والضمانات الدستورية للحقوق الثقافية والتعليمية، وآليات دمج المقاتلين في الجيش والأجهزة الأمنية.
وقد أشار عبدي إلى أن الرئيس الشرع أبدى تأييده لحق التعليم باللغة الكردية، لكن مدى الالتزام بهذه الضمانات يبقى موضع ترقب.

التهديدات الأمنية المتبقية:

لا تزال فلول تنظيم الدولة الإسلامية تشكل تهديداً في المناطق الشرقية، وقد يؤدي أي فراغ أمني أو سوء إدارة لعملية الاندماج إلى خلق بيئة مناسبة لعودة التنظيم.

عامل قيادة قنديل:

تشير المصادر إلى أن "قيادة قنديل ما زالت غير راضية عن تخلي قسد عن سلاحها، وخصوصاً أن منظومة ب ك ك وتوابعها لديها الخبرة الطويلة في نقض العهود، وإعادة التموضع، والظهور من جديد من خلال أسماء مدنية، تخفي تحت عباءتها البندقية".

خامساً: السيناريوهات المستقبلية:

السيناريو الأول، الاندماج الناجح (الأكثر ترجيحاً):

في هذا السيناريو، تنجح الحكومة السورية في استكمال عملية الاندماج، ودمج مقاتلي "قسد" في الجيش والأجهزة الأمنية، مع تقديم ضمانات للحقوق الثقافية والتعليمية للكرد.
ويستمر الدعم الأميركي والتركي لهذا المسار، مما يعزز الاستقرار في شمال شرق سورية، ويشجع فواعل مسلحة أخرى على الاندماج.

السيناريو الثاني، الاندماج الشكلي (السيناريو المتشائم):

في هذا السيناريو، يبقى الاندماج شكلياً، مع استمرار الولاءات القديمة، وعدم اندماج القيادات فعلياً في المؤسسات. وقد تحتفظ "قسد" بهياكلها التنظيمية تحت مسميات جديدة، مما يبقي على حالة الانقسام الفعلية، ويعيد إنتاج التوترات.

السيناريو الثالث، عودة التوتر (السيناريو الأسوأ):

إذا تعثرت عملية الاندماج، أو إذا شعر الأكراد بالتهميش، أو إذا تغيرت الإدارة الأميركية وغيرت استراتيجيتها، فقد تعود التوترات إلى الواجهة.
وقد تستغل "قيادة قنديل" أي فراغ لإعادة تنظيم قواتها، مما يعيد إنتاج الصراع.

سادساً، التوصيات الاستراتيجية:

انطلاقاً من التحليل السابق، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

أولاً: إضفاء الطابع المؤسسي على الاندماج، ويجب أن يكون اندماج "قسد" في مؤسسات الدولة عملية شفافة وشاملة، مع وضع آليات واضحة لدمج القيادات والكوادر، وضمان تمثيل جميع المكونات في مؤسسات الدولة.

ثانياً: تعزيز الثقة من خلال الضمانات، عبر تقديم ضمانات دستورية وقانونية للحقوق الثقافية والتعليمية للكرد، مع آليات تنفيذية واضحة، لضمان عدم الشعور بالتهميش.

ثالثاً: استمرار الدعم الدولي، يجب على المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وتركيا، الاستمرار في دعم مسار الاندماج، وتقديم المساعدة الفنية والمالية لتعزيز قدرات المؤسسات السورية.

رابعاً: معالجة الأسباب الجذرية، ومعالجة الأسباب التي أدت إلى صعود تنظيمات ما دون الدولة، من خلال بناء دولة شاملة، تعزز سيادة القانون، وتكافح الفساد، وتوفر الخدمات الأساسية لجميع المواطنين.

خامساً: الحذر من عودة التموضع، ومراقبة تحركات "قيادة قنديل" ومنظومة "ب ك ك"، لضمان عدم محاولتها إعادة التموضع تحت مسميات جديدة، والاستعداد لأي محاولة لتقويض عملية الاندماج.

خاتمة:

يمثل حل "قوات سورية الديمقراطية" والإدارة الذاتية، واندماجهما في مؤسسات الدولة السورية، لحظة فارقة في تاريخ سورية الحديث.
فهذه الخطوة، التي جاءت بعد عقدين من صعود تنظيمات ما دون الدولة، تعكس تحولاً استراتيجياً في موازين القوى الإقليمية والدولية، وتفتح الباب أمام إعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة.

غير أن هذا التحول، رغم أهميته، ليس نهاية الطريق.
فالتحديات المتبقية في مجالات الاندماج العسكري، والتمثيل السياسي، والحقوق الثقافية، والأمن، تتطلب معالجة حذرة وشاملة.
كما أن استدامة هذا التحول تتوقف على استمرار الدعم الدولي، وقدرة الحكومة السورية على بناء دولة شاملة تحمي حقوق جميع مكوناتها.

في النهاية، لم ولن ينتهِ دور تنظيمات ما دون الدولة بشكل مطلق، لكن زمن صعودها بوصفها بديلاً دائماً للدولة يواجه أزمة حقيقية. فالتحول من منطق القوة التي تسيطر على الأرض، إلى منطق القوة التي تعمل داخل مؤسسات الدولة، يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة سورية على بناء مستقبل يسوده السلام والاستقرار والازدهار.

شاركها على:

اقرأ أيضا

نجاحات سورية (19): رؤى محمود شيخ

قصة رؤى محمود شيخ التي تحدت الظلم وتمكنت من تحقيق إنجاز أكاديمي بارز في الثانوية العامة.

1 سبتمبر 2026

إدارة الموقع

أزمة صرف المعاشات التقاعدية

أزمة صرف المعاشات التقاعدية التي يعاني منها المتقاعدون وحقوقهم المنتهكة من النظام السابق.

1 سبتمبر 2026

إدارة الموقع