تداعيات حلف مكة الثلاثي على محور المقاومة وقراءة في حراك الشيباني بأنقرة

تمهيد:

انعقد مؤتمر صحفي في العاصمة التركية أنقرة في 6 آب/أغسطس 2026، جمع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان، أعلنا خلاله عن الاتفاق على إنشاء "مجلس التنسيق الأعلى" بين البلدين، وتحويل العلاقات الثنائية إلى "شراكة استراتيجية" شاملة، تمتد من الاقتصاد والتجارة إلى الأمن والدفاع، مروراً بمشاريع البنية التحتية والربط الإقليمي.

جاء هذا الإعلان في توقيت دقيق، إذ تزامن مع تقارير عن تبلور تحالف دفاعي ثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان، في خطوة تعيد رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، وتضع سورية في قلب محور استراتيجي جديد يمتد من الخليج إلى الأناضول، ويهدف إلى مواجهة النفوذ الإيراني والردع الإسرائيلي على حد سواء.

هذا المقال يحاول قراءة هذه التطورات في سياقها الجيوسياسي، وتحليل دلالاتها على مستقبل سورية والمنطقة، انطلاقاً من رؤية تيار المستقبل السوري في بناء دولة المؤسسات والاندماج الإقليمي.

ما الذي أُعلن في أنقرة؟ قراءة في مخرجات اللقاء:

حملت تصريحات الشيباني وفيدان في طياتها خريطة طريق واضحة المعالم للعلاقة السورية-التركية في المرحلة المقبلة، ويمكن تلخيص مخرجات اللقاء في أربعة مسارات رئيسية:

المجلس التنسيقي الأعلى:

الاتفاق على إنشاء "مجلس التنسيق الأعلى" بين البلدين، وهو هيكل مؤسسي رفيع المستوى يُتوقع أن يضم وزراء ومسؤولين كباراً من الجانبين، يُعنى بتنسيق السياسات في الملفات الاقتصادية والأمنية والسياسية، حيث لن يكون هذا المجلس مجرد إطار تشاوري، بل المفترض أن يكون أداة لصناعة القرار المشترك، تعكس نية البلدين تجاوز العلاقات الثنائية التقليدية إلى شراكة استراتيجية شاملة .

التعاون الاقتصادي:

أعلن الجانبان عن سلسلة من المشاريع الاقتصادية الطموحة، تشمل:

  • اتفاقيات التجارة الحرة والجمارك بهدف زيادة التبادل التجاري الذي بلغ العام الماضي 3.7 مليارات دولار إلى 5 ثم 10 مليارات دولار .
  • تطوير المعابر الحدودية لتعزيز حركة البضائع والأفراد.
  • مشروع الربط السككي الاستراتيجي الذي يربط سورية بتركيا والأردن والسعودية، ويضع سورية كممر جغرافي واقتصادي يربط المنطقة .
  • تفعيل لجنة البحار الأربعة التي تهدف إلى جعل سوريا وتركيا مركزاً لشبكة طاقة ونقل تمتد من الخليج إلى البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود .

التعاون الأمني والدفاعي:

في الملف الأمني، كان اللقاء أكثر حزماً، حيث أكد الجانبان على:

  • مكافحة الإرهاب وحصر السلاح بيد الدولة .
  • إنهاء وجود أي قوات مسلحة خارج إطار مؤسسات الدولة، مع إشارة واضحة إلى ضرورة تسريع اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في الجيش السوري .
  • دعم جهود العراق ولبنان في حماية حدودهما، مما يعكس رؤية أمنية إقليمية متكاملة .
  • التعاون في مجالات الدفاع، في إشارة إلى تنسيق عسكري أوثق بين البلدين .

المواجهة الإسرائيلية:

جاء الموقف من إسرائيل متطابقاً بين الجانبين، حيث أدان الشيباني "الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة" على الأراضي السورية، ودعا إلى العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والانسحاب إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 .

من جهته، وصف فيدان الهجمات الإسرائيلية بأنها "أحد أكبر التهديدات لاستقرار سورية والمنطقة" . التحالف الثلاثي أنقرة-الرياض-إسلام آباد:

يأتي هذا التطور في العلاقات السورية-التركية في سياق أوسع، يمثله تبلور تحالف دفاعي ثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان.

هذا التحالف، الذي وقّعت السعودية وتركيا وباكستان، اليوم الجمعة "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" في خطوة تؤسس لإطار دفاعي ثلاثي يهدف إلى تعزيز الأمن الجماعي، وترسيخ مبدأ الردع المشترك، وتوسيع مجالات التعاون العسكري والاستراتيجي بين الدول الثلاث.

وهذا الاتفاق يُقرأ في دوائر التحليل الاستراتيجي على أنه محور سني جديد يهدف إلى:

مواجهة النفوذ الإيراني:

تمثل إيران الخصم الجيوسياسي المشترك للدول الثلاث، وإن بدرجات متفاوتة، فتركيا تنظر بارتياب إلى النفوذ الإيراني في العراق وسورية، والسعودية تعتبر إيران منافساً إقليمياً رئيسياً، وباكستان تواجه تحديات أمنية على حدودها الشرقية والغربية ترتبط بدعم إيراني لبعض الجماعات، ويبدو أن تحالف هذه الدول الثلاث سيُشكل ثقلاً استراتيجياً يُوازن النفوذ الإيراني في المنطقة.

الردع الإسرائيلي:

رغم أن العلاقات التركية-الإسرائيلية تشهد توتراً وهدوءاً متناوبين، فإن التحالف مع السعودية وباكستان، اللتين تمثلان ثقلاً إسلامياً ودولياً، يمنح أنقرة ورقة ضغط إضافية في مواجهة إسرائيل.
وقد تجلى ذلك في التصريحات المتزامنة من أنقرة والرياض الداعية إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية على سورية.

إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية:

يعكس هذا التحالف تحولاً في السياسة التركية نحو الشرق، بعد سنوات من التوتر مع السعودية والإمارات.
كما يعكس رغبة الرياض في بناء تحالفات بديلة عن الاعتماد الكامل على واشنطن، وباكستان في سعيها لكسر عزلتها الإقليمية. دلالات التحالف على مستقبل سورية:

سورية في قلب المحور الجديد:

بفضل موقعها الجغرافي وعلاقاتها مع تركيا والسعودية، تجد سورية نفسها في قلب هذا المحور الاستراتيجي الناشئ.
وهذا يمنح دمشق عدة مزايا لعل أهمها:

  • دعم إقليمي لإعادة الإعمار، من خلال الاستثمارات التركية والسعودية في مشاريع البنية التحتية.
  • غطاء سياسي وأمني لمواجهة التحديات الداخلية، بما في ذلك ملف الميليشيات المسلحة.
  • ورقة ضغط في المفاوضات مع إسرائيل، إذ يمكن الاستناد إلى الدعم التركي-السعودي في مطالبة إسرائيل بالانسحاب من الأراضي السورية.

ملف الميليشيات في المقدمة:

وضعت أنقرة ودمشق ملف الميليشيات على رأس أولوياتهما، وأكدتا على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة ، وهذا يضع "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) تحت ضغط مضاعف، فمن جهة، المطالبة التركية بإنهاء وجودها، ومن جهة، التزام الحكومة السورية ببسط سلطتها على كامل الأراضي.

وقد أشار فيدان بوضوح إلى أن "مرحلة اندماج قسد في مؤسسات الدولة يجب أن تنتهي سريعاً من دون عوائق" .

الأمن الإقليمي المتكامل:

تمثل رؤية "لجنة البحار الأربعة" ومشروع الربط السككي إطاراً لربط أمن المنطقة باقتصادها.
فالتكامل الاقتصادي بين سورية وتركيا والسعودية والأردن يخلق مصالح مشتركة تجعل من مصلحة هذه الدول التعاون أمنياً لحماية هذه المصالح.

المواجهة مع إسرائيل:

الموقف الموحد من إسرائيل، مع الدعم التركي-السعودي، قد يُشجع دمشق على تبني خطاب أكثر حزماً تجاه إسرائيل، مع الاستناد إلى غطاء إقليمي.

لكن هذا يحمل أيضاً مخاطر، إذ قد يُحوّل سورية إلى ساحة لمواجهة غير مباشرة بين إسرائيل والمحور الجديد. التحديات والعقبات:

رغم التفاؤل، تواجه هذه الديناميكيات الجديدة تحديات كبيرة:

أولاً: التناقض مع المصالح الإيرانية، إيران التي كانت الشريك الاستراتيجي للنظام البائد، تنظر بعين الريبة إلى هذا التحول السوري نحو تركيا والسعودية.
وقد تسعى طهران إلى تقويض هذا التقارب عبر أدواتها المختلفة، من الفصائل المسلحة إلى الضغط الدبلوماسي.

ثانياً: ملف قسد، حيث يمثل اندماج "قوات سوريا الديمقراطية" في مؤسسات الدولة تحدياً كبيراً، يتعلق بتوزيع السلطة والموارد، وحقوق المكون الكردي.
وقد أشارت المصادر إلى أن الأكراد غير راضين عن مقاومة دمشق لإقرار حق التعليم باللغة الكردية في الدستور، وإصرارها على عدم السماح للمقاتلات الكرديات بالانضمام للجيش السوري.

ثالثاً: الموقف الأميركي، تبقى واشنطن لاعباً رئيسياً في سورية، ودورها في ملف قسد، والموقف من الوجود التركي في سورية، والانخراط في مفاوضات تخفيف التوتر مع إسرائيل، كلها عوامل قد تُعقّد التحالف الجديد.

رابعاً: التحديات الاقتصادية، تتطلب مشاريع البنية التحتية والربط الإقليمي استثمارات ضخمة، في وقت تعاني فيه كل من سورية وتركيا من تحديات اقتصادية.

الخلاصة:

ما شهده لقاء الشيباني وفيدان في أنقرة في 6 آب/أغسطس 2026، وما تلاه من تبلور لتحالف دفاعي ثلاثي يضم تركيا والسعودية وباكستان، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الجيوسياسية الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.

فسورية، التي كانت لعقود ساحة للصراع الإقليمي، أصبحت اليوم محوراً لإعادة تشكيل التحالفات.

فالتقارب السوري-التركي، بدعم سعودي-باكستاني، يعيد تعريف محور المقاومة في المنطقة، ويخلق كتلة استراتيجية جديدة تُوازن النفوذ الإيراني وتردع التوسع الإسرائيلي.

ومع أن الطريق طويل ومحفوف بالتحديات، فإن هذه التطورات تفتح أمام سورية آفاقاً واسعة للاندماج الإقليمي، وإعادة الإعمار، وبناء دولة قادرة على بسط سيادتها على كامل أراضيها.

في تيار المستقبل السوري، ننظر إلى هذه التطورات بعين التفاؤل الحذر، ونؤمن بأن سورية الجديدة يمكنها أن تكون جسراً للتعاون الإقليمي، لا ساحة للصراع.

وهذا يتطلب من الحكومة السورية الاستفادة من هذا الدعم الإقليمي لتعزيز مؤسساتها، وضمان حقوق جميع مكوناتها، والانخراط في المنطقة كفاعل موثوق يسهم في استقرارها وازدهارها.

شاركها على:

اقرأ أيضا

بيان أهالي جرمانا والتطورات الأمنية

بيان أهالي جرمانا والتطورات الأمنية التي شهدتها المنطقة بعد التفجير الإرهابي.

8 أغسطس 2026

إدارة الموقع

القمح السوري

النتائج الإيجابية لموسم القمح السوري لعام 2026 وجهود الفلاحين في تحقيق الاكتفاء الذاتي.

8 أغسطس 2026

إدارة الموقع