الذكرى 14 لمجزرة داريا

إن تيار المستقبل السوري في الذكرى الرابعة عشرة لمجزرة داريا الكبرى، يقف إجلالاً لأرواح مئات السوريين الذين قضوا في واحدة من أبشع المجازر التي ارتكبها نظام الأسد البائد بحق الشعب السوري.

في الخامس والعشرين من آب/أغسطس 2012، وبعد أيام من الحصار وقطع الكهرباء والاتصالات والقصف والاقتحامات، بلغت الحملة العسكرية على داريا ذروتها، وشهدت المدينة عمليات قتل وإعدامات ميدانية واقتحاماً للمنازل، فسقط أكثر من سبعمائة ضحية، ووُثّق المئات منهم بالاسم، فيما بقي آخرون مجهولي الهوية أو المصير.

ولم تكن داريا هدفاً عسكرياً فحسب؛ بل كانت مدينة عُرفت بحراكها المدني والسلمي منذ بدايات الثورة السورية، ولذلك كان استهدافها محاولة لمعاقبة مجتمع كامل على مطالبته بالحرية والكرامة.

واليوم، وبعد أربعة عشر عاماً، تختلف هذه الذكرى عن سابقاتها.
فالنظام الذي ارتكب المجزرة قد سقط، والخوف الذي كان يمنع عائلات الضحايا من رفع أسماء أبنائها قد انكسر، وأصبحت الدولة السورية الجديدة أمام امتحان الانتقال من إحياء الذاكرة إلى تحقيق العدالة.

وإننا في تيار المستقبل السوري، إذ نثمّن تأكيد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن مجزرة داريا جريمة لا تسقط بالتقادم، وزيارة وزير العدل والنائب العام للجمهورية إلى المدينة ولقاءهما بذوي الضحايا والناجين، فإننا نرى أن الوفاء الحقيقي لداريا لا يكتمل بالكلمات والزيارات وإحياء الذكرى، وإنما ببناء مسار قضائي واضح يصل إلى كل من أمر وخطط ونفذ وشارك في هذه الجريمة.

وعليه، يؤكد تيار المستقبل السوري ما يلي:

أولاً: إن حقوق ضحايا مجزرة داريا وذويهم حقوق أصيلة لا يجوز أن تكون موضع مساومة سياسية أو مصالحة تتجاوز أصحاب الحق، ولا تسقط بتغير السلطة أو مرور الزمن.

ثانياً: ندعو إلى استكمال توثيق أسماء الضحايا والمفقودين والمعتقلين وجمع شهادات الناجين وحماية الشهود وحفظ الأدلة والوثائق، بما يحول ذاكرة المجزرة إلى ملف قضائي متكامل.

ثالثاً: نطالب بملاحقة المسؤولية على جميع مستوياتها، فلا ينبغي أن تتوقف العدالة عند العناصر الذين نفذوا الجرائم مباشرة، بل يجب أن تصل إلى من أصدر الأوامر وخطط وأدار وغطّى وسهّل ارتكابها، وفق الأدلة وأحكام القانون والمحاكمة العادلة.

رابعاً: نرفض الانتقام كما نرفض الإفلات من العقاب؛ فالعدالة التي نريدها لسورية ليست ثأراً جماعياً ولا إدانة بلا محاكمة، وإنما عدالة قانونية فردية، تحفظ حقوق الضحايا وتصون في الوقت نفسه دولة القانون التي ثار السوريون من أجلها.

خامساً: ندعو إلى اعتبار داريا أحد الملفات الوطنية النموذجية في مسار العدالة الانتقالية، بما يجمع بين كشف الحقيقة، والمساءلة، وجبر الضرر، وحفظ الذاكرة، والكشف عن مصير المفقودين، وضمان عدم تكرار ما حدث.

سادساً: إن إعادة إعمار داريا لا يجوز أن تقتصر على الحجر والطرقات والخدمات؛ فهناك أيضاً إعمار للإنسان والذاكرة والحقوق. ومن حق المدينة التي دفعت هذا الثمن الهائل أن تحظى بأولوية حقيقية في إعادة الإعمار وعودة أهلها واستعادة حقوقهم وممتلكاتهم.

ويرى تيار المستقبل السوري أن نجاح العدالة الانتقالية في سورية لن يُقاس بعدد اللجان والبيانات، وإنما بمقدار ما يشعر به والد شهيد، وأم مفقود، ومعتقل سابق، وناجٍ من المجزرة، بأن الدولة الجديدة سمعت صوته وحفظت حقه ووصلت إلى الحقيقة وأنصفت الضحية وحاسبت المجرم.

رحم الله شهداء داريا، ورحم شهداء سورية جميعاً، والعدالة لهم ليست منّة من أحد، بل حقٌّ وطني لا يسقط بالتقادم.

شاركها على:

اقرأ أيضا

حين يصبح الديكتاتور مقياساً للتقدم

مقال يتناول مفهوم “أحسن من زمن الأسد” وتحليل كيف يؤثر على رؤية المجتمع للتقدم والحرية.

25 أغسطس 2026

إدارة الموقع

المولد النبوي بين البدعة والسنة الحسنة

تحليل حول المولد النبوي، يناقش البدعة والسنة الحسنة من خلال آراء كبار العلماء.

25 أغسطس 2026

إدارة الموقع