رموز وأعلام الدولة في سورية (46): سعيد العاص

وُلد سعيد العاص في مدينة حماة عام 1889، وتابع دراسته الابتدائية فيها، ثم انتقل إلى دمشق حيث تلقى دراسته الإعدادية، قبل أن يلتحق بالكلية العسكرية في الآستانة ويتخرج منها برتبة ملازم عام 1907.

عُيّن ضابطاً في الجيش العثماني وتنقّل بين مراكز عسكرية متعددة، ثم التحق بمدرسة الأركان الحربية سنة 1908، غير أنه أُخرج منها في أوائل عام 1910 لأسباب سياسية، فعُيّن بعدها في كتيبة الرماة.
غادر مع فرقته إلى ألبانيا ومنطقة البلقان التي كانت خاضعة للحكم العثماني، وشارك في القتال ضد الثائرين على الدولة العثمانية.
وفي عام 1911 وقع أسيراً في قبضة اليونانيين، لكنه تمكن من الفرار والعودة إلى الآستانة.

خلال خدمته العسكرية لمس ضعف الجيش العثماني وقياداته، وهو ما دفعه للتفكير بجدية في التغيير.
في تلك المرحلة انخرط في جمعية العهد، وبدأ ينشر مقالات باسمه المستعار تعكس توجهاته الإصلاحية والوطنية.

مع قيام الحكم العربي الفيصلي في دمشق بعد الحرب العالمية الأولى، شغل سعيد العاص عدداً من المناصب العسكرية، فتولى إدارة الشعبة الثالثة في دائرة الشورى الحربية، ثم نُقل إلى الزبداني، وبعدها إلى مفتشية التجنيد العامة، ثم إلى منطقة جسر الشغور وجبل الأكراد.

بعد خروج الملك فيصل من سورية ودخول القوات الفرنسية، انخرط سعيد العاص في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الفرنسي، فشارك في المعارك التي دارت في الساحل السوري إلى جانب الشيخ صالح العلي، وكان حاضراً في المعارك الأخيرة أمام أبواب العمرانية.

عمل ضمن صفوف ثورة الشيخ صالح العلي، ثم عاد متخفياً إلى حماة، لكن القوات الفرنسية تمكنت من اعتقاله وهو يستعد للالتحاق بثورة إبراهيم هنانو.
أمضى في السجن شهرين قبل أن يغادر إلى الأردن مع عدد من الضباط.

في عمّان عيّنه الأمير عبد الله قائداً للسرية الاحتياطية، ثم أميناً للسر في الأمن العام، ومديراً لشرطة عمّان. لكن اندلاع الثورة السورية الكبرى عام 1925 أعاده إلى ساحات القتال، فانضم إلى الثورة وشارك في معارك جبل العرب والغوطة والنبك، بالتعاون مع عدد من قادة الثورة ومنهم فوزي القاوقجي.

انتقل بعدها إلى المناطق الشمالية وقاد الثوار في معارك عديدة في حمص وحماة والهرمل وعكار، ثم عاد إلى الغوطة وجبل العرب، وقد أُصيب بجراح مرتين خلال هذه المواجهات.

في 30 تشرين الأول عام 1925 شارك في الهجوم على مدينة دوما بالاشتراك مع محمد عز الدين، كما خاض معارك المليحة ويلدا وبابيلا وجوبر وحمورة، واشتَبك في 11 كانون الأول من العام نفسه مع المدرعات الفرنسية.
وفي 14 كانون الثاني 1926 توجّه إلى الشمال وقاد مع مجاهدي النبك وحمص عملية تخريب جسر الحارون، ثم عاد إلى الغوطة وشارك في معارك الميدان وجوبر، كما خاض معارك النبك وعيون العلق. وقد أظهر خلال هذه المواجهات براعة عسكرية واضحة، خاصة في عمليات الانسحاب التكتيكي والنجاة من حملات التطويق الفرنسية، إضافة إلى مساهمته في تنظيم خطة مهاجمة دمشق وتنفيذها ميدانياً.

لاحقاً انتقل إلى فلسطين، حيث انضم إلى صفوف الثورة الفلسطينية الكبرى، وكان قد تعرّف هناك إلى مجموعات من المتطوعين للجهاد من مناطق مختلفة.
ومع اندلاع الثورة عام 1936 دخل فلسطين عابراً نهر الأردن ليتولى قيادة مجموعات مقاتلة في مواجهة القوات البريطانية.

قاد سعيد العاص عدة معارك في فلسطين، أبرزها معركة حلمون على طريق القدس – الجليل. كان تحت قيادته نحو مئتين وخمسين مقاتلاً صمدوا أمام أكثر من ألف وخمسمئة جندي وضابط بريطاني، وأوقعوا في صفوفهم أكثر من أربعين قتيلاً، مقابل استشهاد ثلاثة من الثوار.
دفعت هذه الخسائر القوات البريطانية إلى حشد أكثر من ثلاثة آلاف جندي لتطويق منطقة تمركز الثوار.

بدأت القوات البريطانية في الرابع من تشرين الأول عملية تطويق واسعة للمنطقة التي كان يتحصن فيها سعيد العاص مع نحو مئة وعشرين ثائراً في جبال الخضر بين بيت لحم والخليل. ومع تضييق الحصار طلب من المقاتلين الانسحاب إلى قراهم حفاظاً عليهم، لكنه بقي مع خمسة وعشرين مجاهداً رفضوا مغادرته، وكان من بينهم عبد القادر الحسيني.

في صباح السادس من تشرين الأول دارت معركة عنيفة استمرت ساعات طويلة بين عشرات الثوار وآلاف الجنود البريطانيين. ومع نفاد الذخيرة اضطر المقاتلون لاستخدام السلاح الأبيض في القتال. وفي هذه المواجهة استشهد سعيد العاص بعد أن قدّم مثالاً نادراً في الشجاعة والبسالة.

دُفن في قرية الخضر قرب بيت لحم في جنازة شعبية كبيرة، وأقيمت له حفلات تأبين متعددة، ورثاه عدد من الأدباء والمفكرين، ومنهم أمين الريحاني الذي أطلق عليه لقب فارس الثورات.

موقف تيار المستقبل السوري:
إننا في تيار المستقبل السوري، ورغم كوننا تياراً مدنياً، نستحضر رجالات الدولة المؤسسين لسورية، ونستذكر القائد سعيد العاص بوصفه أحد رموز الجهاد الوطني وأعلام الدولة السورية الأولى.

لقد مثّل نموذجاً للقائد الذي حمل السلاح دفاعاً عن كرامة بلاده وحقوق شعبه، في مرحلة تأسيسية من تاريخ سورية الحديث.

إن استحضار هذه الشخصيات التاريخية لا يأتي من باب الحنين للماضي فحسب، بل من أجل فهم تجربة بناء الدولة السورية الأولى، واستخلاص الدروس من نجاحاتها وإخفاقاتها، والبناء عليها في مسار استعادة الدولة السورية بعد عقود طويلة من الاستبداد والفساد.

وتأتي هذه المادة ضمن سلسلة رموز وأعلام الدولة في سورية التي ينشرها تيار المستقبل السوري في إطار مشروع توثيقي يسعى إلى ربط حاضرنا الثوري بماضٍ وطني راسخ، وإحياء الحاجة إلى صناعة رجال دولة قادرين على حماية الوطن وصون مكتسباته وإعادة الاعتبار للدولة السورية ومكانتها بين الأمم.

شاركها على:

اقرأ أيضا

توقيع مذكرة التفاهم لتنفيذ مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك الأسري في سورية

مذكرة التفاهم الجديدة لتنفيذ مسح الدخل والإنفاق والاستهلاك الأسري تعكس تقدماً مهماً في تطوير نظم البيانات في سورية.

10 مارس 2026

إدارة الموقع

إطلاق نقابة المهندسين لجنة المهندسات السوريات

في خطوة تاريخية، نقابة المهندسين تطلق لجنة المهندسات السوريات لتعزيز مساهمة النساء في إعادة الإعمار.

10 مارس 2026

إدارة الموقع