تمر الذكرى السنوية الأولى لأحداث الساحل السوري في آذار/ مارس 2025، وهي أحداث بدأت في 6 مارس 2025 بهجمات منسقة من فلول النظام البائد على مواقع أمنية وعسكرية للحكومة الانتقالية، ثم تطورت بسرعة إلى موجة عنف طائفي انتقامي واسع النطاق أودت بحياة كثير من المدنيين، معظمهم من العلويين غير المتورطين في أي نشاط عسكري أو سياسي.
بدأت الأحداث في 6 مارس 2025 بهجمات متزامنة في محافظات اللاذقية (جبلة ومحيطها)، وطرطوس، وريف حماة وحمص، حيث استُهدفت حواجز الأمن العام والقوات العسكرية، وأسفرت عن استشهاد ما بين 200 و273 عنصراً أمنياً وعسكرياً حسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وأعلن بعض الفلول سيطرة مؤقتة على نقاط محدودة، في محاولة واضحة لإثارة فتنة طائفية أو إعادة إشعال الصراع.
هذا الخطر المستمر من فلول النظام البائد يستوجب الاعتراف الصريح به: شبكات منظمة، مدعومة بتسليح وتمويل خارجي، تسعى لاستغلال الانقسامات الطائفية لتقويض الدولة الناشئة.
والتغاضي عن هذا التهديد يعرض الاستقرار الوطني لمخاطر جسيمة، ويتطلب مواجهة أمنية وقانونية حاسمة دون إفلات من العقاب.
مع ذلك، لا يمكن لأي تهديد أمني أن يُبرر الانتهاكات الطائفية التي وقعت في الأيام التالية، خاصة بين 7 و9 مارس 2025، حيث تحول رد الفعل إلى عنف ممنهج في عشرات القرى والأحياء ذات الغالبية العلوية، شمل إعدامات ميدانية، وحرق منازل، ونهب ممتلكات، واستهداف مدنيين أبرياء بناءً على الهوية الطائفية وحدها.
وقد وثقت التقارير هذه الجرائم بدقة:
- اللجنة الوطنية للتحقيق (التي شُكلت في 9 مارس 2025) أكدت في تقريرها النهائي (يوليو 2025) استشهاد 1,426 شخصاً، معظمهم مدنيون علويون، بينهم 90 امرأة على الأقل، في 33 موقعاً على الأقل.
- تحقيق رويترز (يونيو 2025) وجد قرابة 1,479 شهيدا علوياً في 40 موقعاً خلال ثلاثة أيام.
- المرصد السوري لحقوق الإنسان (المعارض للحكومة الانتقالية) وثّق ما بين 1,659 و1,700 مدنياً (بالإضافة إلى مقاتلين علويين).
- الشبكة السورية لحقوق الإنسان سجلت 803 قتلى خارج نطاق القانون بين 6 و10 مارس، بينهم 39 طفلاً و49 امرأة.
- لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة (أغسطس 2025) وصفت العنف بأنه "منتشر ومنهجي"، وقد يرقى إلى جرائم حرب.
اعترفت الحكومة الانتقالية بوجود تجاوزات وانتهاكات، حيث أعلن الرئيس أحمد الشرع في تصريحاته (مارس 2025) أن "لا أحد فوق القانون"، وشكّل لجنة تحقيق مستقلة في اليوم التالي للهجمات الأولى.
وقد أحالت اللجنة أسماء 298 مشتبهاً من الفصائل العسكرية إلى النيابة العامة، وأوقفت عشرات الأشخاص (بما في ذلك 42 من وزارة الدفاع)، وبدأت محاكمات علنية أولية في نوفمبر 2025 لـ14 متهماً، مع احتجاز إضافي لأكثر من 80 مشتبهاً آخرين.
ونرى أن هذه الإجراءات، رغم أنها لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى تعزيز واستمرارية، تمثل دليلاً على بداية انفصال الدولة الجديدة عن نمط الإنكار والإفلات المنهجي الذي ميّز نظام الأسد البائد.
يذكّرنا هذا الحدث بمبدأ "حجاب الجهل" عند جون راولز، الذي يدعو إلى تصميم نظام عدالة يُبنى دون معرفة مسبقة بالانتماء الطائفي أو الاجتماعي، لضمان إجراءات عادلة للجميع.
كما يتسق مع المقصد الإسلامي الأعلى في قوله تعالى: "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام:164)، الذي يرفض تحميل جماعة بأكملها وزر أفراد، ويؤكد المسؤولية الفردية.
إن الاعتراف بالجرائم ومحاسبة المتورطين – سواء من الفلول أو من العناصر غير المنضبطة داخل الجهاز الأمني أو خارجه– ليس ضعفاً، بل دليل عافية أخلاقية وقوة مؤسسية، وهو السبيل الوحيد لكسر دورة العنف التي غذّاها الإفلات من العقاب على مدى عقود.
لذلك، فإننا في تيار المستقبل السوري نقترح تحويل الفترة من 6 إلى 10 مارس (أو 8 مارس رمزياً، تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة الذي يذكّر بضحايا النساء والأطفال) إلى ذكرى وطنية جامعة لتكريم الضحايا الأبرياء:
عناصر الأمن الذين ارتقوا دفاعاً عن الدولة (200-273).
المدنيين العلويين غير المتورطين (أكثر من 1,400-1,700).
كما نوصي بإقامة احتفال شعبي سنوي هادئ يشمل مراسم تأبين مشتركة، وفعاليات توعية، ومشاركة واسعة من كل المكونات السورية، نصرة للوحدة الوطنية والعدالة.
إن التغاضي عن جرائم الفلول أو عن الانتهاكات الطائفية ضد المدنيين العلويين؛ خطير جداً، لأنه يعيد إنتاج الإفلات من العقاب الذي دمر البلاد، ويُضعف الثقة في مؤسسات الدولة.
ولهذا يجب تعزيز العدالة الانتقالية الشاملة من خلال:
- محاسبة شاملة وشفافة لكل المتورطين.
- تعويض الضحايا وإعادة تأهيل المتضررين.
- إصلاح الأجهزة الأمنية والعسكرية لضمان الانضباط واحترام حقوق الإنسان.
برامج مصالحة مجتمعية وتعليم يرفض الطائفية ويرسخ الهوية الوطنية المشتركة.
إن سورية اليوم أمام اختبار وجودي، فهل نُحول الجرح الوطني إلى درس يبني دولة قوية موحدة، أم نسمح للفتنة بالاستمرار؟
الجواب يكمن في الاعتراف الكامل بالحقائق دون انتقائية، والالتزام الجماعي بمستقبل يحمي كل مواطن بغض النظر عن انتمائه.
والضحايا الأبرياء يستحقون العدالة والتكريم، والوطن يستحق أن يتجاوز ماضيه الدامي عبر الاعتراف به، نحو سلام مشترك ومستدام.