مقدمة: لماذا هذا التقدير؟
صدر في 23 آذار/مارس 2026 تقرير منظمة "فريدوم هاوس" بعنوان الحرية في العالم 2026، مسجلاً تحسناً لسورية بمقدار خمس نقاط (من 5 إلى 10 من أصل 100)، وهو ما وصفته المنظمة بأنه "أكبر تحسن في العالم" خلال العام 2025.
يحتاج هذا التقرير، رغم أهميته كأحد أبرز المؤشرات الدولية المعترف بها، يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية لا تكتفي بالرقم الإجمالي، بل تتجاوزه إلى تفاصيل المنهجية، والفترة الزمنية المشمولة، والسياق العام الذي وضعت فيه النتيجة.
كما يحتاج إلى مقارنة مع تقارير أخرى صادرة عن منظمات الأمم المتحدة وهيئات حقوقية محلية ودولية، للخروج بصورة أكثر دقة عن حالة الحريات في سورية بعد أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد.
يقدم هذا التقدير قراءة تحليلية نقدية لتقرير "فريدوم هاوس"، بالاعتماد على مصادر متعددة ومقارنة منهجية بين المؤشرات الدولية والوقائع الموثقة على الأرض.
أولاً، منهجية التقييم:
يعتمد هذا التقدير على منهجية تحليل مقارن للمصادر، تقوم على الخطوات التالية:
- تحليل محتوى تقرير "فريدوم هاوس" لتحديد الأسس التي استند إليها في رفع درجة سورية.
- مقارنة النتائج مع تقارير دولية أخرى صادرة عن جهات مثل: مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ومنظمة مراسلون بلا حدود، والشبكة السورية لحقوق الإنسان.
- فحص التواريخ لتحديد ما إذا كانت الأحداث اللاحقة للنصف الثاني من 2025 قد غطاها التقرير.
- تحليل الفجوة بين المؤشرات الرقمية والتقييمات النوعية الواردة في النص الكامل للتقرير.
ثانياً، ما قاله تقرير "فريدوم هاوس" – القراءة الحرفية:
وفقاً للنشرة الرسمية الصادرة عن المنظمة في 23 آذار/مارس 2026، استند التحسن السوري إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- انفتاح إعلامي: تمكن وسائل إعلام أجنبية ومحلية مستقلة من العمل داخل البلاد بشكل أكثر نقداً.
- انفتاح مدني: قدرة منظمات المجتمع المدني على التسجيل والعمل بحرية أوسع.
- تراجع قانوني: بدء تراجع بعض القوانين القمعية الموروثة من عهد النظام السابق.
في الوقت ذاته، شدد التقرير على أن سورية لا تزال ضمن تصنيف "غير حرة" (Not Free)، وأن التحسن لا يعني "تجاوز البنية العنيفة والهشة التي تحكم المرحلة الانتقالية". كما أشار إلى استمرار "أعمال عنف ذات طابع إثني وطائفي" من قبل قوات الحكومة الجديدة ومجموعات مسلحة أخرى.
ثالثاً: تحليل نقدي للتقرير – بين المؤشر والواقع:
قيد الفترة الزمنية:
يغطي تقرير "فريدوم هاوس" الفترة من 1 كانون الثاني/يناير إلى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025. هذا يعني أن الأحداث التي وقعت في شهري كانون الثاني/يناير وشباط/فبراير 2026 لم تدخل في التقييم. ومن بين هذه الأحداث:
- العنف الطائفي المستمر: وفقاً لتقرير الأمم المتحدة الصادر في 15 آذار/مارس 2026 (الوثيقة A/HRC/58/CRP.4)، تم توثيق انتهاكات خطيرة بحق العلويين والدروز والبدو خلال عام 2025، لكن التقارير الميدانية تشير إلى استمرار حالات الاحتجاز التعسفي والخطف بعد كانون الأول/ديسمبر 2025.
- قانون الجمعيات 93: رغم الوعود بإلغائه، لا يزال القانون ساري المفعول حتى آذار/مارس 2026، مما يعني أن "الانفتاح المدني" المشار إليه في التقرير لا يزال يخضع لإطار قانوني قمعي.
الفجوة بين المؤشر الكمي والتقييم النوعي:
حصول سورية على 10 نقاط من أصل 100 يعني أنها لا تزال في أدنى 20% من دول العالم من حيث الحريات. مقارنة بالدول التي شهدت تحولات ديمقراطية في العقود الأخيرة (مثل تونس بعد 2011 التي حصلت على 57 نقطة في تقرير 2012)، فإن التحسن السوري يظل محدوداً جداً من الناحية الكمية.
الأهم من ذلك أن التقرير نفسه يقر بأن التحسن جاء في مجالات محدودة (الإعلام والمجتمع المدني)، بينما ظلت مجالات أخرى (سيادة القانون، الحماية من العنف الطائفي، احتكار الدولة للسلاح) دون تحسن يُذكر.
إشكالية قياس "الحريات المدنية" في ظل العنف الطائفي:
كيف يمكن التوفيق بين تصنيف سورية على أنها شهدت "تحسناً" في الحريات المدنية، وبين ما وثقه تقرير الأمم المتحدة (A/HRC/58/CRP.4) من:
- 21 حالة اختطاف لنساء وفتيات من الطائفة العلوية تعرضن خلالها للضرب والاغتصاب الجماعي.
- حالات احتجاز تعسفي لرجال وفتيان دون أوامر قضائية مع تعذيب وحشي.
- هجمات موثقة على الدروز في جنوب سورية (تموز/يوليو 2025) تضمنت اغتصاباً وتعرية قسرية.
يشير هذا التناقض إلى أن منهجية "فريدوم هاوس" قد تعطي وزناً أكبر للتغيرات على مستوى القوانين والسياسات الرسمية، مقارنة بالانتهاكات الميدانية التي قد لا تُحتسب بنفس الدرجة من الأهمية في المؤشر الإجمالي.
رابعاً، مقارنة مع تقارير دولية أخرى:
مؤشر حرية الصحافة – مراسلون بلا حدود 2025:
صدر تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) في أيار/مايو 2025، أي قبل أحداث العنف الطائفي الكبرى في تموز/يوليو 2025. أشار التقرير إلى تقدم سورية مركزين (من 179 إلى 177)، لكنه حذّر من أن "حرية الصحافة المكتشفة حديثاً لا تزال هشة بسبب عدم الاستقرار السياسي المستمر والضغوط الاقتصادية المتزايدة".
الخلاصة: تقرير RSF الأقدم لا يمكنه تغطية الانتهاكات التي حدثت لاحقاً في 2025، مما يجعله أقل شمولاً من تقرير "فريدوم هاوس" الذي غطى كامل العام.
تقرير مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (آذار/مارس 2026):
هذا التقرير (الوثيقة A/HRC/58/CRP.4) هو الأكثر حداثة وتفصيلاً بين المصادر المتاحة. استند إلى 500 مقابلة مع ضحايا وشهود، ووثائق وصور وفيديوهات وصور أقمار صناعية.
النتائج الرئيسية للتقرير الأممي:
- استمرار العنف الطائفي: هجومان كبيران على العلويين (آذار/مارس 2025) والدروز (تموز/يوليو 2025) بتورط قوات الحكومة الجديدة ومجموعات مسلحة موالية لها.
- إفلات من العقاب: "نواقص في السيطرة والتنسيق والتدريب والانضباط" داخل القوات المدمجة، وعدم وجود تدقيق منهجي في حقوق الإنسان عند دمج المقاتلين.
- انتقاد للاستجابة الحكومية: "استجابة متغيرة" للسلطات، حيث تم في بعض الحالات فتح تحقيقات لم تُتابع، وفي حالات أخرى ثُنِي الأهالي عن متابعة القضايا قانونياً.
يقدم هذا التقرير صورة مغايرة للرواية التي قد يوحي بها الرقم الإجمالي لتقرير "فريدوم هاوس"، ويؤكد على أن "الانفراج الجزئي" لا يعني تجاوز "البنية العنيفة".
خامساً، التحديات الهيكلية التي لم يعكسها المؤشر:
استمرار قانون الجمعيات رقم 93 (1958 وتعديلاته):
رغم أن تقرير "فريدوم هاوس" أشار إلى "تراجع بعض القوانين القمعية"، فإن قانون الجمعيات رقم 93 لا يزال ساري المفعول. حيث هذا القانون:
- يمنح الحكومة حق حل أي منظمة لأسباب فضفاضة مثل "الإخلال بالنظام العام".
- يمنح الحكومة سيطرة كاملة على التمويل (خاصة الخارجي) والفعاليات.
- لا يتضمن حقاً في الاستئناف القضائي ضد قرارات الحل.
وفي شباط/فبراير 2026، كانت حذرت أمنة قلالي، مديرة الأبحاث في معهد القاهرة لدراسات حقوق الإنسان (CIHRS)، من أن "القوانين المصممة للسيطرة على المجتمع المدني وتقييده لا تصبح حميدة لمجرد تغير القيادة السياسية".
غياب احتكار الدولة للسلاح:
يشير تقرير الأمم المتحدة (A/HRC/58/CRP.4) إلى أن عملية دمج المقاتلين في الجيش السوري الجديد لم تتضمن تدقيقاً منهجياً في حقوق الإنسان، مما سمح لأفراد سبق فرض عقوبات عليهم بسبب انتهاكات بالاستمرار في العمل العسكري. كما أقر التقرير بوجود "نواقص في السيطرة والتنسيق" داخل القوات المدمجة.
يجعل هذا الواقع أي تحسن في الحريات المدنية قابلاً للتراجع في أي لحظة، طالما أن هناك مجموعات مسلحة تعمل خارج سلطة القانون.
العدالة الانتقالية بين العفو والملاحقة:
في شباط/فبراير 2026، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 39 للعفو العام. وفقاً لوزير العدل مظهر الويس، تم الإفراج عن أكثر من 1,500 شخص، ومن المتوقع أن يستفيد أكثر من 500,000 سوري من رفع آثار الأحكام التعسفية الصادرة عن النظام السابق.
لكن العفو استثنى "جرائم الإرهاب" وفق تعريف فضفاض، مما أثار مخاوف من إمكانية استخدام هذا الاستثناء لتبرير احتجاز معارضين سياسيين. كما أن تصريحات وزير العدل عن "طلب تسليم بشار الأسد" لا تزال في إطار التصريحات الإعلامية، دون تقديم مذكرة رسمية إلى الإنتربول أو أي جهة دولية حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
سادساً، استنتاجات التقييم:
- تقرير "فريدوم هاوس" يعكس انفراجات جزئية حقيقية في مجال حرية الإعلام والمجتمع المدني، وهي مكاسب مهمة مقارنة بعصر النظام السابق، وتستحق التوثيق والإشادة.
- لكن الرقم الإجمالي (10 من 100) لا يعبر عن تحول ديمقراطي، بل عن تحسن من وضع "كارثي" إلى وضع "سيء للغاية"، مع استمرار سورية في أدنى فئات التصنيف العالمي.
- هناك فجوة كبيرة بين ما يعكسه المؤشر وبين الوقائع الموثقة من قبل الأمم المتحدة وهيئات حقوقية أخرى، خاصة فيما يتعلق باستمرار العنف الطائفي، والاحتجاز التعسفي، وغياب المساءلة الفعلية.
- التحديات الهيكلية (قانون الجمعيات 93، غياب احتكار السلاح، ضعف التدقيق في حقوق الإنسان في المؤسسة العسكرية) لا تزال قائمة، وأي تحسن في المؤشرات الجزئية يظل قابلاً للتراجع في غياب معالجة هذه التحديات.
- فترة تغطية التقرير (حتى كانون الأول/ديسمبر 2025) تعني أن تطورات أواخر 2025 وأوائل 2026 لم تدخل في التقييم، مما يستدعي متابعة سنوية دقيقة.
سابعاً، توصيات:
توصيات للمتابعة والبحث:
- إصدار تقييم دوري مستقل يتتبع حالة الحريات في سورية بشكل فصلي، معتمداً على منهجية تجمع بين المؤشرات الدولية والتوثيق المحلي.
- مقارنة نتائج "فريدوم هاوس" مع تقارير منظمات أخرى (مثل الشبكة السورية لحقوق الإنسان، المركز السوري للعدالة والمساءلة) للخروج بصورة أكثر دقة.
توصيات للمجتمع المدني والنشطاء:
- الاستثمار في المساحات المفتوحة لتعزيز الحريات الإعلامية والمدنية، مع الاستعداد لاحتمال التراجع.
- التوثيق المنهجي للانتهاكات بالتعاون مع المنظمات الدولية، لتقديم صورة كاملة لا تعتمد فقط على المؤشرات الرقمية.
- الضغط من أجل الإلغاء الكامل لقانون الجمعيات رقم 93، وليس فقط تعديله، كشرط أساسي لاستدامة العمل المدني المستقل.
توصيات للجهات الدولية:
- عدم الاكتفاء بالمؤشرات الرقمية في تقييم الدعم المقدم للحكومة الانتقالية، والربط بين الدعم وتقدم ملموس في مجال سيادة القانون وحماية الأقليات.
- دعم آليات التوثيق والمساءلة محلياً، لضمان عدم إفلات مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان من العقاب، سواء من النظام السابق أو من أي طرف آخر.
- تقديم الدعم الفني لإصلاح المؤسسة القضائية والعسكرية، مع التركيز على تدقيق حقوق الإنسان وضمان احتكار الدولة للسلاح.
قائمة المراجع:
- Freedom House, Freedom in the World 2026: Syria Country Report, March 23, 2026.
(الوصول إلى النص الكامل متاح عبر الموقع الرسمي للمنظمة:
freedomhouse.org/country/syria/freedom-world/2026) - UN Office of the High Commissioner for Human Rights, Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, Document A/HRC/58/CRP.4, March 15, 2026.
(الوثيقة متاحة على موقع المفوضية: ohchr.org/en/hr-bodies/hrc/iic-syria) - Reporters Without Borders (RSF), World Press Freedom Index 2025 – Syria Profile, May 2025.
(متاح على: rsf.org/en/country/syria) - Syrian Network for Human Rights (SNHR), Annual Report on Human Rights in Syria 2025, January 2026.
(متاح على: snhr.org) - CIHRS (Cairo Institute for Human Rights Studies), Statement on the Continuation of Association Law No. 93 in Syria, February 5, 2026.
(متاح على: cihrs.org) - Syrian Arab News Agency (SANA), Minister al-Wais: Justice system undergoes comprehensive reform to ensure rule of law, February 22, 2026.
(متاح على: sana.sy) - Syrian Arab News Agency (SANA), Syria makes progress in Freedom House Global Index, Information Minister says, March 22, 2026.
(متاح على: sana.sy) - Deutsche Welle (DW), How an Assad-era law is threatening Syrian civil society, February 5, 2026.
(متاح على: dw.com)