المقدمة:
أصدر وزير الإدارة المحلية والبيئة، محمد عنجراني، في سياق المرحلة الانتقالية السورية، التي تتسم بضرورة إعادة بناء المؤسسات الإدارية وتعزيز الكفاءة في تقديم الخدمات العامة، أصدر قراراً وزارياً رقم 13 لعام 2026، يفوض بموجبه المحافظين (ورؤساء مجالس المدن في مراكز المحافظات جزئياً) بممارسة مجموعة واسعة من صلاحيات الوزير.
يستند هذا القرار إلى قانون الإدارة المحلية رقم 107 لعام 2011 وتعديلاته، ويهدف، حسب التصريحات الرسمية، إلى تعزيز اللامركزية الخدمية، وتسريع الإجراءات الإدارية، وتحسين الأداء المؤسسي، وتحقيق تنمية متوازنة عبر المحافظات .
كما يشمل التفويض صلاحيات إدارية (مثل تشكيل المكاتب التنفيذية وتوزيع المهام)، ومالية (تصديق عقود الإنفاق الاستثماري والجاري، وعقود البيع والإيجار والاستثمار)، وبيئية (الإجراءات المتعلقة بحماية البيئة)، وشؤون العاملين (التعيين، النقل، الإجازات، التعويضات، إخلاء المساكن الإدارية).
في هذا التحليل سنُقيّم القرار من منظور قانوني وسياسي، مع التركيز على الإيجابيات، والسلبيات، والتحديات، والحلول المقترحة، استناداً إلى الواقع السوري الانتقالي وتجارب دولية مقارنة.
الإطار القانوني للقرار:
يعتمد القرار من الناحية القانونية على المادة 107 من قانون الإدارة المحلية لعام 2011، الذي ينظم الوحدات الإدارية المحلية ويسمح بتفويض الصلاحيات لتعزيز الكفاءة.
كما يرتبط بقانون العقود وقانون العاملين الأساسي، مما يمنح المحافظين صلاحيات تصل إلى حدود مالية محددة (مثل 15 مليار ليرة سورية جديدة للعقود في بعض الحالات، حسب التصنيفات الإدارية).
ويعكس هذا الإطار محاولة لتفعيل اللامركزية الإدارية دون تعديل جذري للقوانين الأساسية، وهو أمر يتماشى مع الإعلان الدستوري الانتقالي الذي يؤكد على التنمية المتوازنة.
ومع ذلك، يظل القرار تفويضاً تنفيذياً مؤقتاً، غير ملزم بتغييرات تشريعية دائمة، مما يجعله عرضة للتراجع أو التعديل في أي وقت.
الإيجابيات والفرص:
يحمل القرار إمكانيات إيجابية عديدة في السياق السوري، حيث يعاني النظام الإداري من تركز السلطات في دمشق، مما يؤدي إلى تأخير في تقديم الخدمات وإعادة الإعمار. وتشمل أبرز الإيجابيات:
تسريع الإجراءات الإدارية، بتفويض المحافظين بتصديق العقود والموافقات البيئية، وعليه، يمكن تقليل البيروقراطية المركزية، مما يعزز الاستجابة السريعة لاحتياجات المحافظات، خاصة في مجالات الاستثمار والتنمية.
تعزيز التنمية المتوازنة، حيث يدعم القرار تكامل الجهود بين الجهات الحكومية، مستفيداً من اجتماعات تمهيدية سابقة مع المحافظين لمناقشة الخطط الاستراتيجية، مما قد يؤدي إلى توزيع أفضل للموارد وتحقيق نمو محلي.
الاستفادة من التجارب الدولية كما أشار الوزير، إذ يعتمد القرار على تحليل الواقع المحلي مع استلهام نماذج رائدة، مثل تجارب تونس بعد 2011 أو كردستان العراق، حيث ساهمت اللامركزية في تحسين الخدمات العامة.
اجعل هذه الجوانب القرار خطوة بناءة نحو بناء دولة مدنية فعالة، خاصة في مرحلة انتقالية تتطلب إعادة ثقة المواطنين في المؤسسات.
السلبيات والتحديات:
يثير القرار رغم الإيجابيات، تحديات قانونية وسياسية جوهرية، خاصة في سياق تاريخي سوري يتسم بضعف الرقابة وانتشار المحسوبيات. أبرز السلبيات تشمل:
مخاطر الفساد والمحسوبيات، فتفويض صلاحيات مالية واسعة (مثل عقود تصل إلى ملايير الليرة) لمحافظين معينين مركزياً دون آليات رقابة واضحة قد يفتح أبواباً للاستغلال.
غياب الديمقراطية المحلية الحقيقية، فالمحافظون غير منتخبين، بل معينون من السلطة المركزية، مما يجعل التفويض "لامركزية إدارية" شكلية، لا تعكس تمثيلاً شعبياً حقيقياً.
ضعف الرقابة والمحاسبة، إذ القرار لا يحدد آليات للتقييم أو الشكاوى، مما قد يؤدي إلى تفاوت في الأداء بين المحافظات، خاصة في ظل ضعف المؤسسات الرقابية حالياً.
تعكس هذه التحديات مخاوف مشروعة من عودة أنماط الإدارة المركزية تحت غطاء لامركزي، خاصة في مرحلة انتقالية تتطلب شفافية عالية.
الحلول والتوصيات:
لتحويل القرار إلى فرصة حقيقية، يقترح تيار المستقبل السوري الخطوات التالية:
- تعزيز الرقابة: إصدار قرارات تكميلية لإنشاء لجان رقابية مستقلة على مستوى المحافظات، تشمل ممثلين عن المجتمع المدني والمجالس المحلية، مع آليات شكاوى إلكترونية شفافة.
- التدريب والتأهيل: تنفيذ برامج تدريبية للمحافظين والعاملين المحليين، بالتعاون مع منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، لضمان استخدام الصلاحيات بكفاءة ونزاهة.
- الإصلاح التشريعي: الدعوة إلى تعديل قانون 107/2011 ليشمل انتخاب المحافظين أو مجالس محلية فعالة، مستلهماً نموذج المغرب أو الأردن في تعزيز الديمقراطية المحلية.
- التقييم الدوري: إجراء دراسات تقييمية سنوية لأثر القرار، مع نشر النتائج علناً لتعزيز الثقة العامة.
الخاتمة:
يُعد قرار تفويض المحافظين خطوة إيجابية في اتجاه اللامركزية الإدارية، لكنه يتطلب إصلاحات مكملة لتجنب التحديات المحتملة.
نؤمن في تيار المستقبل السوري بأن نجاح مثل هذه المبادرات يعتمد على الشفافية والمشاركة الشعبية، ليسهم في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعزز العدالة والتنمية المتوازنة.
وعليه، فإننا ندعو الجهات المعنية إلى حوار وطني شامل لتطوير هذا الإطار، مستلهمين الدروس من التجارب الانتقالية الناجحة.