يتابع تيار المستقبل السوري باهتمام بالغ الإعلان الأخير الصادر عن مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في محافظة دمشق، المتعلق باعتماد نظام الرمز الرقمي (QR Code) الذي يُلصق بشكل واضح في كل فعالية تجارية، بهدف تمكين المواطنين من الوصول الفوري إلى بيانات الترخيص والمالك، وتسهيل تقديم الشكاوى إلكترونيا، وتعزيز كفاءة الرقابة التموينية الميدانية.
ونرى أن هذه الخطوة تمثل محاولة جدية للانتقال نحو أدوات رقمية حديثة في إدارة الأسواق، مستلهمة من تجارب دول نجحت في تقليل الغش التجاري والاحتكار من خلال الشفافية التقنية.
يرحب تيار المستقبل السوري بهذه المبادرة كجزء لا يتجزأ من الجهود الرامية إلى إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز مبادئ الحوكمة الرشيدة والاقتصاد المنصف في مرحلة انتقالية تتطلب إصلاحات جذرية بعد عقود من الفساد المنهجي والانهيار الاقتصادي الشامل.
وإننا نرى في هذا النظام فرصة لتحويل الرقابة من أداة قمعية أو ابتزازية – كما كانت في الماضي – إلى آلية مشاركة مجتمعية حقيقية تحمي حقوق الجميع.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن نجاح أي إصلاح رقمي في السياق السوري يتطلب فهماً عميقاً للواقع المعيشي، كانقطاع الكهرباء المزمن، وضعف تغطية الإنترنت في العديد من المناطق، ومحدودية الثقافة الرقمية لدى شرائح واسعة من التجار الصغار والمستهلكين، والشكوك الموروثة تجاه أي نظام يجمع بيانات شخصية أو تجارية. كما نرى هذه التحديات لا تعني رفض التقنية، بل هي ضرورة تهيئتها بعناية لتكون شاملة وغير مثقلة بالعبء على الفئات الضعيفة.
يُشدد تيار المستقبل السوري على أن هذا النظام يجب ألا يتحول إلى عبء إداري إضافي يعيق التجار الصغار والمتوسطين – الذين يشكلون العمود الفقري للاقتصاد السوري – بل يصبح داعما لهم من خلال تسهيل الإجراءات وتقليل التدخلات التعسفية.
كما يجب أن يرتبط ارتباطاً وثيقا بإصلاحات اقتصادية أعمق تشمل تحرير الأسعار بشكل مدروس، ومكافحة الاحتكار الحقيقي، ودعم الإنتاج المحلي، وجذب الاستثمارات لإعادة إحياء سلاسل التوريد المتضررة.
يقدم تيار المستقبل السوري انطلاقًا من رؤيته الوطنية المستقبلية، التوصيات التالية لضمان نجاح هذه المبادرة وتحويلها إلى نموذج يمكن تعميمه على باقي المحافظات:
- إصدار تشريع واضح وشفاف لحماية البيانات الشخصية والتجارية، تحول دون استخدام النظام لأغراض أمنية أو سياسية، لبناء الثقة المفقودة.
- إطلاق حملات توعية وتدريب واسعة النطاق، مجانية وميسرة، بالشراكة مع المنظمات المدنية والقطاع الخاص، لتعليم التجار والمستهلكين كيفية استخدام الرمز الرقمي، مع توفير بدائل غير رقمية مؤقتة للفئات غير القادرة على الوصول إلى الإنترنت.
- ضرورة ربط هذا النظام باستراتيجية اقتصادية وطنية شاملة تشمل إعادة هيكلة القطاع التجاري، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتخفيف آثار العقوبات الدولية من خلال الدبلوماسية الاقتصادية النشطة.
- تشكيل لجان مراقبة مستقلة تضم ممثلين عن نقابات التجار، وجمعيات حماية المستهلك، والمجتمع المدني، لتقييم أداء النظام دوريا وتقديم تقارير علنية، مما يضمن المساءلة والشفافية.
- البدء بتجربة نموذجية في دمشق مع تقييم شامل بعد فترة زمنية محددة (ستة أشهر مثلًا)، قبل التوسع التدريجي إلى باقي المحافظات، مع مراعاة الخصوصيات الإقليمية في البنية التحتية والاقتصاد المحلي.
يؤمن تيار المستقبل السوري إيماناً راسخاً بأن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ من استعادة الثقة، ومِن جعل كل مواطن شريكًا في بناء الدولة، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
هذا وندعو الحكومة الانتقالية والجهات المعنية إلى الحوار الوطني البناء مع القوى السياسية والمجتمعية لتحويل هذه المبادرة إلى لبنة أساسية في بناء اقتصاد سوري حديث، مستدام، وعادل، يليق بتضحيات شعبنا.