المقدمة:
تبرز قضية الأمن المائي كعنصر حاسم في إعادة بناء الدولة، خصوصاً في أعقاب التحولات السياسية العميقة التي شهدتها سورية عقب سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، فوفقاً لتقارير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، شهدت سورية في عام 2025 أسوأ جفاف في عقود، مما أدى إلى انخفاض مستويات المياه في السدود إلى مستويات حرجة، خاصة في محافظة القنيطرة حيث وصلت 98% من السدود إلى مستوى "التخزين الميت" بحلول يوليو 2025.
هذا الوضع، الذي يستمر في عام 2026، يُعزى إلى عوامل مناخية مثل انخفاض الهطول المطري، بالإضافة إلى الإرث السياسي والجيوسياسي، بما في ذلك سيطرة إسرائيل على مصادر مائية في المنطقة منذ يناير 2025.
كما ويُمثل هذا التحدي تهديداً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، حيث يرتبط الماء بالوحدة الوطنية ويربط بين المناطق الجغرافية المتنوعة.
يهدف هذا المقال البحثي، الذي يعتمد على منهجية تحليلية وتاريخية، إلى استعراض الخلفية التاريخية للموارد المائية في سورية، وتحليل الأسباب والتأثيرات الحالية للأزمة، مع الاستناد إلى مصادر موثوقة مثل تقارير FAO ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة (OCHA).
كما يُقدم رؤية مستقبلية مبنية على استراتيجيات مستدامة، مستمدة من توصيات منظمات دولية.
الخلفية التاريخية لموارد المياه في سورية:
اعتمدت الحضارات السورية القديمة على أنظمة ري متقدمة في حوضي نهري الفرات والعاصي.
وقبل اندلاع الثورة في 2011، كانت سعة التخزين المائي في سورية تصل إلى حوالي 19 مليار متر مكعب عبر أكثر من 185 سداً رئيسياً، مع اعتماد بنسبة 60% على المياه الجوفية، كما أفاد تقرير FAO بعنوان "The Syrian Arab Republic: Farmers struggle amid worst agricultural crisis in decades" المنشور في سبتمبر 2025، ومع ذلك، أدى النزاع العسكري بين النظام البائد والشعب السوري إلى تدميرٍ واسع للبنية التحتية المائية، حيث تضررت محطات المياه بنسبة تصل إلى 50% في بعض المناطق، كما وثق تقرير OCHA "Syrian Arab Republic: Humanitarian Overview Issue No. 1″ في نوفمبر 2025، والذي يشير إلى استمرار الأضرار في عام 2025 بسبب الاشتباكات.
ففي محافظة القنيطرة، القريبة من هضبة الجولان المحتلة، كانت السدود الرئيسية مصدراً حيوياً للمياه الزراعية والشرب. ومع ذلك، تعرضت هذه السدود لتأثيرات الاحتلال الإسرائيلي منذ 1967، مما أدى إلى نقص مزمن في الإمدادات.
وفي عام 2025، أدى الجفاف الاستثنائي إلى انخفاض الهطول بنسبة 20-30%، كما في تقرير FAO "Syria Drought 2025: Worst Crisis Threatening Food Security" المنشور في مايو 2025، الذي يصف الجفاف كأسوأ أزمة في عقود.
يعكس هذا الواقع تفاعلاً بين التغير المناخي والعوامل السياسية، حيث أدى الاحتلال إلى سيطرة إسرائيل على نحو 40% من موارد المياه الجنوبية بحلول عام 2025، كما أكدت ذلك عدة تقارير دولية في يناير 2025.
بالإضافة إلى ذلك، أدى الجفاف السابق بين 2006 و2010 إلى خسائر هائلة في الثروة الحيوانية والزراعية، مما مهد للأزمات اللاحقة. هذا وتُشير تقارير OCHA في 2025 إلى أن الاشتباكات في الشمال الشرقي أدت إلى تلف محطات مياه إضافية، مثل محطة الخفسة في يناير 2025، مما يعمق التباين الإقليمي في توافر المياه.
تحليل الأزمة الحالية، الأسباب والسياق:
تستمر الأزمة المائية في القنيطرة في عام 2026، حيث وصلت معظم السدود إلى مستويات "التخزين الميت" منذ منتصف 2025، رغم بعض الهطولات الموسمية.
ويُعزى ذلك إلى الجفاف الشديد والتربة البركانية التي تمتص المياه بكفاءة عالية، بالإضافة إلى التدخلات الجيوسياسية. على سبيل المثال، سيطرت إسرائيل على سد المنطارة في يناير 2025، مما أدى إلى نقص في إمدادات المياه للمناطق المجاورة، كما وثق تقرير "Israel aggravates drought problem in Quneitra" في يونيو 2025.
جيوسياسياً، أدت السيطرة الإسرائيلية على مصادر مائية منذ 1967 إلى تفاقم الوضع، مع تقديرات تشير إلى سيطرة على 40% من موارد الجنوب السوري بحلول نوفمبر 2025.
وفي المقابل، شهدت محافظات مثل طرطوس وحماة تحسناً نسبياً بفضل هطولات أعلى، مما يُبرز التباين الإقليمي الذي يتطلب سياسات وطنية موحدة. هذا ويُشير تقرير FAO "The impacts of drought in the Syrian Arab Republic" في يوليو 2025 إلى انخفاض مستويات المياه ثلاثة أشهر مبكراً، مما أثر على 20% من الأراضي المروية، مع توقعات باستمرار الجفاف في 2026.
ومن الناحية المناخية، أدى انخفاض الهطول إلى 94.9 ملم فقط في الربع الأول من 2025 إلى تهديد الأمن الغذائي لأكثر من 14.5 مليون شخص.
التأثيرات الاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية:
اقتصادياً، أدى الجفاف إلى انخفاض الإنتاج الزراعي بنسبة 30-40% في 2025، مع نقص في محصول القمح يصل إلى 2.73 مليون طن، كما في تقارير FAO في سبتمبر 2025. وهذا يُعمق الاعتماد على الاستيراد، مما يزيد من الضغط على الاقتصاد السوري المتعافي.
واجتماعياً، زاد النزوح الداخلي، مع مخاطر صحية مثل انتشار الأمراض المائية بنسبة تصل إلى 30% في المناطق المتضررة، كما وثق OCHA في تقاريره لعام 2025.
وبيئياً، يُعجل الجفاف بالتصحر، مع فقدان أكثر من 6 ملايين متر مكعب من مخزون بحيرة الفرات في 2025، مما يهدد التنوع البيولوجي.
وفي القنيطرة تحديداً، أدت السيطرة الإسرائيلية إلى نقص في مياه الشرب، مما أجبر السكان على الاعتماد على شاحنات المياه الخاصة، هذه التأثيرات تتداخل مع التحديات الإنسانية، حيث يحتاج 16.5 مليون شخص إلى مساعدات في 2025، بما في ذلك 7.1 مليون نازح داخلياً.
الرؤية المستقبلية، استراتيجيات للإدارة المائية المستدامة:
للتعامل مع هذه الأزمة، نقترح في تيار المستقبل السوري مايأتي:
1- التركيز على إعادة تأهيل البنية التحتية، بما في ذلك إصلاح السدود ومحطات المياه، كما اقترحت FAO في خطتها للطوارئ والمرونة للفترة 2026-2028، التي تهدف إلى زيادة الإنتاج الزراعي من خلال أصول منتجة مستدامة.
2- تنفيذ تقنيات الري بالتنقيط لزيادة الكفاءة بنسبة 50%، مع الاستفادة من التعاون الدولي لتدريب المزارعين.
3- إقليمياً، يتطلب الأمر تعزيز التعاون مع تركيا والأردن لإدارة الأنهار العابرة للحدود، مثل نهر اليرموك، مع إنشاء آليات مشتركة لمشاركة الموارد.
كما يوصي OCHA بإنشاء صندوق إعادة إعمار لدعم المناطق المتضررة، مع التركيز على حملات توعية بيئية لتعزيز الوعي بالتغير المناخي.
وفي عام 2026، يمكن توسيع مشاريع تعزيز الأمطار لزيادة الهطول بنسبة 10-15%، مدعومة بتقنيات حديثة.
بالإضافة إلى ذلك، يجب دمج النهج المتكامل لإدارة الموارد المائية (IWRM)، الذي يركز على التوازن بين الاستخدامات الزراعية والصناعية والمنزلية، مع مراقبة مستمرة لمستويات الجوفية لتجنب الاستنزاف الزائد.
الخاتمة:
تمثل أزمة التخزين المائي في سدود القنيطرة تحدياً وطنياً يتجاوز الظروف المناخية إلى العوامل السياسية والجيوسياسية. ومن خلال الاستناد إلى تقارير FAO وOCHA لعامي 2025 و2026، يمكن تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة بناء سورية مستدامة.
حيث يتطلب ذلك جهوداً جماعية، بما في ذلك التعاون الإقليمي والابتكار التكنولوجي، لضمان الأمن المائي للأجيال القادمة، مع الحفاظ على الوحدة الوطنية والتنمية المتوازنة.