جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية في النزاعات المسلحة

المقدمة:

يُمثل الالتزام بالقانون الدولي الإنساني والأخلاقيات العسكرية الوطنية، في سياق النزاعات المسلحة، أساساً للحفاظ على الكرامة الإنسانية وحماية المجتمعات من الانهيار الأخلاقي الذي يؤدي إلى دوامات عنف لا تنتهي.

وتيار المستقبل السوري، ككيان سياسي مدني وطني وُلِدَ من رحم الثورة السورية، يؤكد على أهمية بناء دولة مدنية شاملة تعتمد على مبادئ المصالحة الوطنية والسلام الاجتماعي.
ومع ذلك، فإن الانتهاكات المستمرة في النزاعات الداخلية، مثل تلك التي شهدتها مدينة حلب في يناير 2026، تكشف عن فجوات خطيرة في الالتزام بهذه المبادئ. هذه الورقة تهدف إلى توعية المقاتلين والقوات العسكرية، بما في ذلك قوات سورية الديمقراطية (قسد/SDF) والقوات الحكومية، بضرورة الالتزام الصارم بالمناقبية العسكرية، والقانون الدولي، والأخلاق الوطنية والإنسانية.
ونحن هنا لا نأخذ دور القاضي، بل الدافع للوعي القانوني والأخلاقي، كما لانسعى لتجريم أي طرف، بل ندعو للانتقال من عقلية التوحش في الصراعات العسكرية، وإن كنا ندعو إلى أن مثل هذه الجرائم لا يجب تمر دون مساءلة، ولكن الأهم هو منع تكرارها لتكون محدودة في أضيق النطاقات ومرفوضة جملة وتفصيلاً، لئلا تنجر سورية إلى منطقة حرب شاملة تهدد مستقبلها المدني.
وبناءً على دراسة تحليلية بحثية، سنستعرض الحادثتين الرئيسيتين في اشتباكات حلب – رمي جثة قناصة من شرفة مبنى وسحل جثة قناص آخر على درج – كأمثلة على انتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية.
وسنعتمد على مصادر موثقة، بما في ذلك تقارير منظمة الرصد السوري لحقوق الإنسان (SOHR)، ومنظمة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (OCHA)، واللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، مع الاستناد إلى النصوص القانونية الدولية مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية لعام 1977، وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998.

السياق التاريخي للاشتباكات في حلب (ديسمبر 2025 – يناير 2026):

شهدت مدينة حلب، المدينة الثانية في سورية، تصعيداً عسكرياً خطيراً في أواخر 2025 وبداية 2026، تعكس التوترات المستمرة بين القوات الحكومية السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد/SDF).
بدأت الاشتباكات المتقطعة في 22 ديسمبر 2025، مع اشتباكات محدودة أدت إلى مقتل شخص واحد وإصابة 9 آخرين من الجانبين، بالإضافة إلى 4 قتلى و34 جريحاً بين المدنيين. ومع ذلك، تجددت الاشتباكات بشكل عنيف في 6 يناير 2026، في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية، التي تسيطر عليها قوات الأسايش (التابعة لقسد).
وقد استمرت الاشتباكات حتى 10 يناير 2026، مع إعلان وقف إطلاق النار وانسحاب قوات قسد نحو الشمال الشرقي السوري.
وقد أدت هذه الاشتباكات إلى نزوح حوالي 155,000 شخص، ومقتل 23 شخصاً على الأقل، وإصابة 104 آخرين، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية (OCHA) بتاريخ 10 يناير 2026.
كما وثقت منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش وأمنستي إنترناشونال هجمات على المدنيين، بما في ذلك قصف مدفعي عشوائي وغارات جوية بطائرات مسيرة، مما يشكل انتهاكات محتملة للقانون الدولي.

في هذا السياق، انتشرت فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي مثل X (تويتر سابقاً) وReddit، توثق حادثتين محددتين: الأولى، رمي جثة قناصة (مقاتلة من قسد) من شرفة مبنى في الأشرفية بعد قتلها أثناء الاشتباكات في 7 يناير 2026، مع هتافات "الله أكبر" وتشجيع من الجنود.
الثانية، سحل جثة قناص آخر (من قسد) على درج مبنى في الشيخ مقصود في 8 يناير 2026، بعد ربط قدمه وإنزاله بشكل مهين، مع إهانات لفظية وتصوير الفيديو لأغراض دعائية.

هذه الحوادث تبرز كـ جزء من نمط أوسع شمل حرق جثث وحرق ممتلكات مع تبادل الإتهامات بمثل هذه الأفعال.

التحليل القانوني، تصنيف الانتهاكات كجرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية:

يُصنف القانون الدولي الإنساني معاملة الجثث غير اللائقة، مثل التمثيل بها أو الإهانة لها، باعتبارها انتهاكاً خطيراً يرقى إلى جرائم حرب في النزاعات المسلحة غير الدولية، كما في حالة النزاع السوري.
كما تحظر اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والتي وقعت عليها سورية في 1953، تحظر صراحة مثل هذه الأفعال.
وعلى سبيل المثال، المادة 17 من الاتفاقية الأولى تفرض البحث عن الموتى ودفنهم بطريقة كريمة مع احترام المعتقدات الدينية، بينما المادة 120 من الاتفاقية الثالثة تطالب بدفن كريم لأسرى الحرب المتوفين.

كما ينص البروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977 (المادة 8) على واجب معاملة الجثث باحترام في النزاعات غير الدولية، مع منع انتهاك حرماتها وأداء المراسم الأخيرة بكرامة.

وفي ميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، يُصنف "الإساءة إلى الكرامة الشخصية، خاصة المعاملة المهينة أو الإذلالية" كجريمة حرب (المادة 8(2)(c)(ii) للنزاعات غير الدولية).
وبالتالي، رمي الجثة من الشرفة وسحلها على الدرج يشكلان إذلالاً متعمداً، خاصة مع التصوير والنشر لأغراض دعائية، مما ينتهك القاعدة العرفية 113 للقانون الدولي الإنساني كما حددتها ICRC في دراستها لعام 2005 (محدثة 2020): "يجب معاملة الجثث باحترام ومنع تشويهها أو نهبها.

أما جرائم ضد الإنسانية، فتتطلب هجوماً واسعاً أو منهجياً ضد السكان المدنيين (المادة 7 من ميثاق روما).

ففي سياق حلب، إذا ثبت أن هذه الانتهاكات جزء من حملة "تطهير عرقي" ضد الكرد، كما تزعم قسد، وكما وصفتها تقارير عن نزوح 16,000 كردي واعتقال 300 آخرين مع تهديدات بالإعدام (تقرير المرصد السوري المنحاز لقسد والمعادي للحكومة الانتقالية، 10 يناير 2026)، فقد ترقى بحال عدم التدليل على كذب هذه الإدعاءات إلى جريمة ضد الإنسانية تحت بند "أعمال غير إنسانية أخرى" (المادة 7(1)(k))، وهو ما يحب التنبه إليه.

السياق التاريخي للانتهاكات في سورية وتأثيرها على المصالحة الوطنية:

شهدت البلاد منذ اندلاع الثورة السورية في مارس 2011، آلاف الانتهاكات المماثلة، مثل حرق جثث أو إعدامات ميدانية، حيث تعمق هذه الانتهاكات وغيرها التوترات الطائفية والعرقية، وتعيق اليوم جهود المصالحة، كما في اتفاق مارس 2025 بين الحكومة وقسد لدمج القوات، الذي فشل بسبب ضغوط دولية وخلافات حول اللامركزية.
كما تؤدي مثل هذه الجرائم إلى نزوح جماعي، وانهيار الثقة المجتمعية، مما يهدد بإعادة إشعال الحرب الشاملة.
كما أنها تنتهك الأخلاق الوطنية السورية، التي تؤكد على الوحدة والكرامة، كما في ميثاق الثورة السورية الأولى عام 2011.

الموقف الديني:

يتوافق الموقف الديني الإسلامي والمسيحي، في الإدانة الشديدة لانتهاك حرمة الجثث في النزاعات المسلحة، معتبراً إياها إهانة للكرامة الإنسانية التي يحميها الوحي الإلهي.
في الإسلام، يحظر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صراحة التمثيل بالجثث، حيث "نَهَى النبيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَةِ والمُثْلَةِ" (رواه البخاري).
وفي أوامر الخليفة أبي بكر الصديق لقادة الجيوش بعدم تشويه الجثث أو حرقها، حتى تلك التابعة للأعداء غير المسلمين.

أما في المسيحية، فإن التعاليم الدينية ترفض تدنيس الجثث كإهانة للصورة الإلهية في الإنسان (تكوين 1:27)، وتعتبره علامة على الحكم الإلهي، كما في إدانة حرق عظام ملك أدوم في عاموس 2:1، مع التركيز على احترام الجثث بسبب الإيمان بالقيامة الجسدية.

هذه المواقف الدينية المشتركة تعزز الدعوة للالتزام الأخلاقي في النزاعات السورية، حيث تكون مثل هذه الانتهاكات إهانات روحية تعيق المصالحة الوطنية وتتعارض مع التراث الديني السوري الغني بالتسامح والاحترام المتبادل.

الخاتمة:

لاشك أن سورية خارجة من حرب قاسية عانت من جرائم لايتصورها العقل بسبب العنف الذي جر اليها عقلية الأسد البائد، ورغم التطور الايجابي السياسي والعسكري بسورية بعد خلاصنا من الأسد، إلا أننا نسعى لتكون سورية خالية من كل انتهاك لأي من حقوق الانسان.

ولمنع تكرار مثل هذه الجرائم، يوصي تيار المستقبل السوري بما يلي:

  1. توعية المقاتلين: إجراء برامج تدريبية إلزامية لجميع المقاتلين سواء الحكومية أو غير الحكومية حتى اندماجها، حول القانون الدولي، بالتعاون مع ICRC، مع التركيز على معاملة الجثث كمبدأ أخلاقي وطني.
  2. مساءلة قضائية: إنشاء محاكم وطنية انتقالية لمحاسبة الجناة، مع دعوة المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في حوادث حلب.
  3. تعزيز السلام المدني: دعم حوار وطني مجتمعي وسياسي شامل ودائم يشمل الكرد والعرب، والدروز والسنة والعلويين، لتنفيذ اتفاق مارس 2025 بشكل عادل، ومنع النزاعات العرقية والطائفية وحل التأزمات السياسية الداخلية.
  4. رصد دولي: طلب مراقبين أمميين في المناطق الساخنة لتوثيق الانتهاكات وضمان الالتزام.
  5. إعادة بناء أخلاقي: حملات إعلامية وتعليمية لتعزيز القيم الإنسانية، لتجنب الانجرار إلى حرب شاملة.
    إن أي انتهاك لحقوق الإنسان في سورية تهديد لمستقبل سورية كدولة مدنية موحدة.
    ويجب على المقاتلين الالتزام بالقانون الدولي والأخلاق الوطنية لمنع تكرارها، فالسلام الحقيقي يبدأ بحماية الكرامة الإنسانية.

وهنا يدعو تيار المستقبل السوري إلى مصالحة وطنية حقيقية لبناء سورية جديدة، خالية من دوامات العنف.

شاركها على:

اقرأ أيضا

برنامج تطوير ملف ذوي الإعاقة ودعم ضحايا الحرب في سورية

برنامج تطوير ملف ذوي الإعاقة ودعم ضحايا الحرب في سورية يسعى لتنظيم الجهود الصحية وتعزيز الفاعلية المجتمعية.

13 يناير 2026

إدارة الموقع

إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الحبوب المخدرة في مدينة يبرود

إحباط محاولة تهريب الحبوب المخدرة في يبرود خطوة إيجابية في مكافحة آفة المخدرات في سوريا.

13 يناير 2026

إدارة الموقع