علم الإشاعة في الممارسة السياسية ودورها في تشكيل الرأي العام

أصبحت الشائعات السياسية ظاهرة مركزية في تشكيل الرأي العام والتأثير على الثقة في المؤسسات السياسية، وذلك بالخصوص في عصرنا الرقمي الحالي، حيث تتدفق المعلومات بسرعة فائقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، ويُعرّف علم الإشاعة، أو ما يُشار إليه أحيانا بـ"الدراسات الشائعاتية" في السياقات الأكاديمية، كفرع تحليلي يُركز على كيفية نشأة الشائعات، وانتشارها، وقبولها من قبل الأفراد، خاصة في المجالات السياسية حيث تكون الغموض وانعدام المعلومات الكافية عوامل محفزة رئيسية.

وهذا العلم ليس تخصصا مستقلاً تماما، بل يتقاطع مع علم النفس السياسي، وعلم الاتصال، وعلم الاجتماع السياسي، ليوفر إطاراً لفهم كيفية تحول المعلومات المضللة إلى أداة للتلاعب بالرأي العام.

وفي هذا السياق، تُعتبر الشائعات السياسية بُنى اجتماعية وسياسية تُستخدم لتعزيز الروايات الحزبية أو إضعاف الخصوم، مما يؤدي إلى تآكل الثقة في العمليات الديمقراطية وتعزيز الاستقطاب السياسي.
ومع تزايد الاهتمام الأكاديمي بهذه الظاهرة، خاصة بعد أحداث مثل الانتخابات الأمريكية عام 2016 وجائحة كوفيد-19، أصبح من الضروري استكشاف أسباب انتشار الشائعات، وتأثيراتها السلبية، واستراتيجيات مكافحتها بشكل سردي تحليلي يربط بين النظرية والتطبيق العملي.

تبدأ رحلة فهم الشائعات السياسية من النظر في أصولها التاريخية والنفسية.
فمنذ العصور القديمة، كانت الشائعات أداة في الحروب والسياسة، كما في حالات الدعاية خلال الحربين العالميتين، حيث استخدمت الحكومات معلومات مضللة لتعزيز الروح المعنوية أو إثارة الخوف من العدو.
وفي العصر الحديث، ومع ظهور وسائل الإعلام الجماهيري ثم الرقمي، أصبحت الشائعات أكثر انتشارا وتأثيراً.
حيث يُشير الباحثون إلى أن الشائعات تنشأ في ظروف الغموض، حيث يسعى الأفراد إلى ملء الفراغات المعرفية بتفسيرات بسيطة، غالباً ما تكون مؤامراتية.

وعلى سبيل المثال، في أوقات الأزمات مثل الانتخابات أو الجائحات، يزداد الاعتماد على الشائعات كوسيلة لتفسير الأحداث المعقدة.
ومن الناحية النفسية، يلعب التفكير التآمري دورا حاسماً، حيث يميل الأشخاص إلى الاعتقاد بأن الأحداث الكبرى ناتجة عن مخططات سرية بدلاً من الصدف أو الأخطاء البشرية. هذا الاتجاه يتعزز بالانتماء الحزبي القوي، الذي يجعل الأفراد أكثر قبولاً للشائعات التي تتوافق مع آرائهم السياسية ورفضا لتلك التي تتعارض معها.
حيث أظهرت استطلاعات وتجارب في دراسات حديثة، أن الارتباط الحزبي يفسر جزءا كبيراً من قبول المعلومات المضللة، كما في حالة الشائعات حول "سرقة الانتخابات" في الولايات المتحدة عام 2020، حيث اعتقدت نسبة كبيرة من الناخبين الجمهوريين بوقوع تزوير بناءً على روايات حزبية غير مدعومة بأدلة.

مع ذلك، لا تقتصر أسباب انتشار الشائعات على العوامل النفسية الفردية، فالتكنولوجيا الرقمية تلعب دورا محوريا في تسريعها. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي، تنتشر الشائعات بسرعة هائلة بفضل الخوارزميات التي تُفضل المحتوى العاطفي والمثير، مما يُعزز من تأثيرها على الرأي العام.
فعلى سبيل المثال، في الانتخابات الأمريكية عام 2016، انتشرت معلومات مضللة حول مرشحين سياسيين عبر فيسبوك وتويتر (الآن إكس)، مما أثّر على سلوكيات الناخبين.
كما أظهرت دراسات أن المستخدمين الذين يميلون إلى الاستقطاب الحزبي يشاركون المحتوى المضلل بشكل أكبر، ليس بسبب الجهل، بل لتعزيز هويتهم السياسية ومهاجمة الخصوم.
هذا الاستقطاب يخلق حلقة مُفرغة، حيث يؤدي انتشار الشائعات إلى تعزيز التقسيمات الحزبية، وبالتالي إلى مزيد من القبول للمعلومات المضللة.

وأما في سياقات استبدادية، فقد تكون الشائعات أداة للمقاومة ضد الرقابة، كما في الصين حيث تنتشر عبر منصات مثل ويبو لكشف الفساد أو الإهمال الحكومي، مستفيدة من نقص الشفافية. ومع ذلك، في الديمقراطيات، تكون أكثر خطورة لأنها تستهدف أساس النظام، وهو الثقة في العمليات الانتخابية والمؤسسات.

إن تأثيرات الشائعات السياسية متعددة الأبعاد، وتبدأ بتآكل الثقة في المؤسسات.
ففي الديمقراطيات، تُقلل الشائعات من الثقة في الانتخابات، مما يؤدي إلى انخفاض المشاركة المدنية والزيادة في الشكوك حول شرعية النتائج. على سبيل المثال، بعد انتشار معلومات مضللة حول الانتخابات الأمريكية عام 2020، انخفضت الثقة في نزاهة الانتخابات إلى مستويات منخفضة بين بعض الفئات، مع اعتقاد أن الصوت الانتخابي غير مؤثر، وهنا تكمن الخطورة فهذا التآكل يُهدد جوهر الديمقراطية، التي تعتمد على جمهور مُطلع ومشارك.

وفي الأنظمة الاستبدادية، تقلل الشائعات من الدعم للنظام، كما أظهرت دراسات تجريبية في الصين أن التعرض لشائعات مضادة للحكومة يقلل الثقة في السياسات بنسب ملحوظة، حتى بين أعضاء الحزب الحاكم.
هذه التأثيرات تتراكم مع التعرض المتكرر، مما يعزز الشكوك في الشرعية.

بالإضافة إلى ذلك، تزيد الشائعات من الاستقطاب السياسي، حيث تُعزز الكراهية والكلام المعادي، مما يُعقد الحوار ويزيد التوترات الاجتماعية.
وفي دراسات حديثة، (كلها مذكورة بالمراجع) وجد أن مشاركة المعلومات المضللة تكون أعلى بين المستخدمين المحافظين أو اليمينيين في بعض السياقات، مما يؤدي إلى عقوبات غير متكافئة من المنصات، واتهامات بالتحيز.

هذا الاستقطاب ليس محايداً، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، يشارك المحافظون روابط إلى مواقع إخبارية منخفضة الجودة أكثر من الليبراليين، حتى عند تقييمها من قبل جمهور متوازن سياسياً.

تؤثر الشائعات من الناحية الاجتماعية، على السلوكيات الجماعية، كما في حالات الجائحات حيث انتشرت شائعات حول اللقاحات، مما أدى إلى تردد في التطعيم وتفاقم الأزمات الصحية.

وفي السياق السياسي، يمكن أن تؤدي إلى عنف، كما حدث في أحداث الكابيتول عام 2021، التي غذتها روايات كاذبة عن الانتخابات.

أما اقتصاديا، فتسببت الشائعات في تقلبات الأسواق أو فقدان الثقة في السياسات الاقتصادية.

ولفهم هذه التأثيرات بشكل أعمق، يجب النظر في التعريفات الأكاديمية للمصطلحات المتعلقة.
إذ يُعرف الخبراء المعلومات المضللة كمعلومات كاذبة أو مضللة، سواء كانت غير مقصودة (misinformation) أو مقصودة (disinformation)، مع اتفاق على أن النظريات المؤامراتية والأكاذيب تشكل جزءا منها، والعوامل المحددة لقبولها تشمل التحيز الحزبي، والتحيز التأكيدي، والانخفاض في الثقة المؤسسية، مع اقتراح حلول مثل تغييرات في تصميم المنصات وتعزيز التعليم الإعلامي.

كدراسة حالة تطبيقية (إسقاط) لمبادئ علم الإشاعة في السياق السياسي، يُقدم الواقع السوري منذ اندلاع الثورة السورية في عام 2011 وحتى اليوم (2026) نموذجاً حياً لكيفية استخدام الشائعات كأداة في الصراعات السياسية والاجتماعية.

فلقد بدأت الثورة باحتجاجات سلمية سرعان ما تحولت إلى نزاع مسلح، حيث لعبت الشائعات دورا رئيسيا في تعبئة الرأي العام ضد الثورة والشعب مثل إشاعات جهاد النكاح أو وصف الثوار السلميين بداية الحراك بأنهم مجموعات إرهابية.

ومع مرور السنوات، وخاصة بعد تدخل قوى خارجية مثل روسيا وإيران، أصبحت الشائعات أداة للدعاية بشكل أعمق، حيث اتهمت المعارضة بـ"التآمر الخارجي" أو الارتباط بالإرهاب، مما أدى إلى تعزيز الاستقطاب الطائفي وتآكل الثقة في المصادر الإعلامية المستقلة.

وقد شكّل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحول كبيرة، حيث تولى أحمد الشرع (المعروف سابقًا بأبو محمد الجولاني، زعيم هيئة تحرير الشام) السلطة كرئيس انتقالي، محاولاً إعادة بناء الدولة مع التركيز على الاستقرار والعلاقات الدولية.

ومع ذلك، استمرت الشائعات في تهديد هذا الانتقال، خاصة مع محاولات اغتيال حقيقية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في 2025، حيث أُحبطت محاولتان في دمشق وإدلب، كما أفادت مصادر رسمية سورية.
و في 2026، تصاعدت الإشاعات حول محاولات إيرانية لاغتيال الشرع، كما حذرت الاستخبارات الإسرائيلية، مما يعكس التوترات الإقليمية مع إيران الداعمة السابقة للأسد.
على أن أحدث هذه الإشاعات كانت في يناير 2026، حيث انتشرت صور مفبركة بالذكاء الاصطناعي تظهر الشرع مصاباً في مشفى تركي بعد اشتباكات داخل القصر الرئاسي، وتم نفيها من قبل منصات التحقق مثل "تأكد"، التي أكدت أن الصور معدلة وتعود أصولها إلى صور قديمة من الكويت في 2020.
تبقى هذه الإشاعات تعكس استراتيجيات ممنهجة لزعزعة الاستقرار، حيث تستغل الفراغات المعلوماتية في فترة الانتقال لتعزيز الشكوك في شرعية النظام الجديد، مما يؤدي إلى زيادة التوترات الطائفية والإقليمية، ويبرز الحاجة إلى آليات تحقق سريعة لمواجهة التضليل في سياقات ما بعد النزاع.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى استراتيجيات مكافحة فعالة.
فليس من السهل دحض الشائعات، إذ غالبا ما تستمر في التأثير حتى بعد التصحيح، بسبب ظاهرة "التأثير المستمر" النفسي.

وفي السياقات الاستبدادية، تعتمد الحكومات على الردود الرسمية، لكن الدراسات تظهر أن الردود غير المدعومة بأدلة قوية لا تعيد الثقة.
فبدلاً من ذلك، يجب أن تكون الردود مفصلة وصادرة عن مصادر مستقلة.
وفي الديمقراطيات، يُنصح بتركيز الجهود على الفئات غير الحزبية، مع الاهتمام بالرسول قبل الرسالة.
وعلى سبيل المثال، يمكن للخبراء المحايدين أن يكونوا أكثر فعالية في دحض الشائعات.
كما يُوصى بتعزيز التعليم الإعلامي لزيادة الوعي بالتحقق من المعلومات، وتنظيم المنصات للحد من انتشار المحتوى المضلل دون تقييد الحرية.

وقد أبرزت دراسات متعددةٌ الحاجةَ إلى بحوث متعددة التخصصات لتطوير أدوات كشف أفضل، مع التركيز على دراسة الآثار طويلة الأمد.

وهذه الاستراتيجيات تحتاج إلى توازن بين الحرية والأمان، لضمان أن تكون الديمقراطية محمية من مخاطر المعلومات المضللة.

في الختام، يُمثل علم الإشاعة في الممارسة السياسية مجالاً حيويا لفهم التحديات المعاصرة، حيث تُشكل الشائعاتُ الرأي العام وتؤثر على استقرار النُظم.
ورغم فوائدها في بعض السياقات لكشف الحقائق، إلا أن تأثيراتها السلبية تتفوق، ما يتطلب جهودا بحثية وتطبيقية مستمرة.
كما يجب على الباحثين التركيز على السياقات الثقافية والتكنولوجية لتطوير حلول فعالة، مع الحفاظ على حرية التعبير.

قائمة المراجع:

  1. Altay, Sacha, Manon Berriche, Hendrik Heuer, Johan Farkas, and Steven Rathje. “A Survey of Expert Views on Misinformation: Definitions, Determinants, Solutions, and Future of the Field.” Harvard Kennedy School Misinformation Review 4, no. 4 (2023): 1–34. https://doi.org/10.37016/mr-2020-119.
  2. Bennett, W. Lance, and Barbara Pfetsch. “Misinformation, Disinformation, and Fake News: Lessons from an Interdisciplinary, Systematic Literature Review.” Annals of the International Communication Association 48, no. 2 (2024): 139–166. https://doi.org/10.1080/23808985.2024.2323736.
  3. Berinsky, Adam J. Political Rumors: Why We Accept Misinformation and How to Fight It. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2023.
  4. Mosleh, Mohsen, Qi Yang, Tauhid Zaman, Gordon Pennycook, and David G. Rand. “Differences in Misinformation Sharing Can Lead to Politically Asymmetric Sanctions.” Nature 634, no. 8034 (2024): 609–616. https://doi.org/10.1038/s41586-024-07942-8.
  5. Osmundsen, Mathias, Alexander Bor, Peter Bjerregaard Vahlstrup, Anja Bechmann, and Michael Bang Petersen. “Partisan Polarization Is the Primary Psychological Motivation behind Political Fake News Sharing on Twitter.” American Political Science Review 115, no. 3 (2021): 999–1015. https://doi.org/10.1017/S0003055421000290.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تحديات التخزين المائي في سدود محافظة القنيطرة

تحديات التخزين المائي في سدود محافظة القنيطرة وتأثير الجفاف على الموارد المائية بعد عام 2025.

7 يناير 2026

إدارة الموقع

الجيش اللبناني يداهم مخيماً لإيواء "فلول الأسد" في الهرمل

مداهمة الجيش اللبناني لمخيم الإمام علي الهرمل تسلط الضوء على جهود مكافحة الإرهاب

7 يناير 2026

إدارة الموقع