الشرعية الثورية وتفوقها على الشرعية الشعبية في السياق السوري

مقدمة:

تُشكل قضية الشرعية السياسية إحدى الإشكاليات المركزية في الفكر السياسي منذ العصور القديمة حتى العصر الحديث.
وتتنوع مصادر الشرعية وتتعدد، إلا أن ثنائية "الشرعية الثورية" و"الشرعية الشعبية" تظل من أكثر الثنائيات إثارة للجدل في الأدبيات السياسية المعاصرة، خاصة في سياق التحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المجتمعات العربية بعد ثورات الربيع العربي.ر

يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الثنائية من منظور نظري، ثم إسقاطها على الحالة السورية بعد سقوط نظام الأسد، مع التركيز على إشكالية حكومة انتقالية حصلت على الشرعية الثورية دون أن تتمتع بشعبية حقيقية شاملة.

سيُجادل المقال بأن الشرعية الثورية، في السياق السوري الخاص، تمتلك قوة وحجية تفوق الشرعية الشعبية التقليدية، نظراً للانقسام المجتمعي الحاد وهزيمة القوى المضادة للثورة، مما يجعل إشراكها في المرحلة الانتقالية مجازفة قد تعيد إنتاج الاستبداد.

الفصل الأول، الإطار النظري للشرعية السياسية:
1.1 مفهوم الشرعية وتطور الفكرة:

تعني الشرعية، بمعناها الأساسي: الاعتراف الطوعي بالسلطة والحق في الحكم.
ولقد تطور هذا المفهوم من شرعية القوة الإلهية أو الوراثية إلى شرعية تستمد من الإرادة الجماعية، على أن ماكس فيبر كان قدّم التصنيف الكلاسيكي للشرعية إلى ثلاثة أنواع: الشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية، والشرعية العقلانية القانونية [1].
لكن هذا التصنيف، رغم أهميته، لا يغطي كافة السياقات الثورية والانتقالية، حيث تبرز شرعية تستمد من قدرة القوة على تمثيل قطيعة مع نظام قديم واستئصال له.

1.2 الشرعية الشعبية:

تستند الشرعية الشعبية، أو الديمقراطية التمثيلية، إلى مبدأ سيادة الشعب كما صاغه فلاسفة العقد الاجتماعي مثل جون لوك وجان جاك روسو.
وتُعتبر الانتخابات الحرة والنزيهة الآلية الأساسية لترجمة الإرادة الشعبية إلى سلطة شرعية. تعتمد هذه الشرعية على افتراض وجود "شعب" موحد بإرادة عامة قابلة للتشكل عبر عملية ديمقراطية [2].
إلا أن النقد الموجه لهذا المفهوم يكمن في تجريده وتعقيداته العملية، خاصة في المجتمعات المنقسمة إثنياً أو طائفياً أو أيديولوجياً، حيث قد تتحول الآلية الانتخابية إلى إضفاء شرعية على الهيمنة الأغلبية أو حتى على انقسامات غير قابلة للجمع.

1.3 الشرعية الثورية:

تنبع الشرعية الثورية من حدث القطيعة نفسه.
فهي لا تُستمد من الإجراءات الشكلية بل من المضمون التحرري والتأسيسي للثورة.
وتقوم على فكرة أن هناك قوة تاريخية أطاحت بنظام استبدادي، وبالتالي فهي تمتلك الحق المؤقت في إعادة بناء النظام السياسي من الجذور. هذه الشرعية تستند إلى مقولات فلسفية مثل "حق المقاومة" ضد الطغيان (كما عند جون لوك)، وفكرة "العنف المؤسس" عند فرانز فانون، الذي يرى أن العنف الثوري ضرورة لتحرير الذات الجماعية من عقدة الدونية التي زرعها المستعمر أو المستبد [3].
كما يمكن ربطها بمفهوم "الديكتاتورية الثورية" المؤقتة التي تحدث عنها بعض الفلاسفة لحماية مكاسب الثورة من أعدائها، أو لفقه التغلب كما بالفقه الإسلامي.

1.4 الثنائية في الميزان، صراع أم تكامل:

يظهر التناقض بين الشكلين عندما تحاول قوة ثورية، بعد الإطاحة بالنظام، تأسيسَ نظام جديد دون حصولها على تفويض انتخابي شامل.

يبرز هنا السؤال المركزي: هل تسبق الشرعية التأسيسية (الثورية) الشرعية الإجرائية (الشعبية)؟
يرى أنصار الأولوية الثورية أن المرحلة الانتقالية تتطلب حماية الثورة من قوى الثورة المضادة، وبالتالي لا يمكن مخاطرتها باستفتاءات قد يهيمن عليها الخائفون أو الموالون للنظام القديم.
بينما يرى أنصار الشرعية الشعبية المطلقة أن أي سلطة غير منتخبة هي سلطة غير شرعية، بغض النظر عن مصدرها.

الفصل الثاني، الحالة السورية سياق استثنائي:
2.1 سورية ما بعد الأسد:

بعد سقوط نظام الأسد، يظهر أن الواقع السوري ليس صفحة بيضاء، بل هو ساحة ممزقة بعنف غير مسبوق: مجتمع مشظى طائفياً وإثنياً، وبُنى تحتية مدمرة، واقتصاد منهار، ووجود قوى إقليمية ودولية متصارعة، وملايين النازحين واللاجئين.والأهم من ذلك، وجود انقسام حاد بين من شاركوا في الثورة وعانوا من قمعها، وبين من وقفوا مع النظام أو حافظوا على حياد سلبي.
هذا الانقسام لايمكن القبول بكونه اختلافاً مستساغاً في الرأي، بل هو هوة عميقة نتجت عن سنوات من العنف الذي ولد مشاعر من الخوف والكراهية والشك العميق.
2.2 إشكالية "الشعب" السوري ككيان موحد:
أحد الشروط الأساسية للشرعية الشعبية هو وجود "ديموس" (شعب) يمكنه التعبير عن إرادة عامة.

وفي سورية، هذا المفهوم مشكوك فيه جذرياً.
فـ"الشعب" الذي حكمه الأسد بالأمن والمحاصصة الطائفية، والذي انفجر عام 2011، خرج من الحرب أكثر تشظياً.
فهناك انقسامات هوياتية عميقة (سنّة، علويون، أكراد، مسيحيون…)، وانقسامات سياسية (ثوار، موالون، محايدون)، وانقسامات جغرافية (مناطق محررة قديمة، مناطق نظامية "كانت عند التحرير تحت سيطرة الأسد"، مناطق سيطرة كردية).
وفي هذا السياق، تصبح فكرة الانتخاب كمعيار وحيد للشرعية محفوفة بالمخاطر، إذ قد تُجمد هذه الانقسامات أو تمنح شرعية لأطراف تعمل على إفشال الدولة الجديدة.

2.3 القوى غير الثورية:
يمكن تصنيف القوى غير الثورية إلى فئات:

أ. الموالون السابقون للنظام البائد الذين خسروا سلطتهم ولكنهم قد لا يكونون قد تخلوا عن ولائهم الأيديولوجي أو خوفهم من المحاسبة.
ب. المحايدون الذين أنهكهم الصراع ويسعون للسلام بأي ثمن، وقد يكونون مستعدين لتأييد أي قوة توفر الأمن حتى لو كانت تمثل استمراراً للنمط الاستبدادي.
جـ. أخيراً، المجموعات التي تعاونت مع قوى خارجية لتحقيق مكاسب خاصة.
هؤلاء مجتمعون، من منظور ثوري، تحت صفة "المنهزمين" سياسياً وأخلاقياً. منهزمون لأن مشروعهم (إما استمرار النظام البائد أو البحث عن حلول وسطى أثناء الحرب) فشل في تحقيق الاستقرار أو الحرية.

الفصل الثالث، تفوق الشرعية الثورية في السياق السوري:
3.1 حجية الشرعية الثورية.. حجج نظرية:

تبرز في ضوء السياق السوري الموصوف، حُجج قوية لتفوق الشرعية الثورية:
· الشرعية التاريخية والتأسيسية: تمتلك القوى التي قادت الثورة شرعية المستولِد، فهي التي دفعت الثمن ومارست فعل التحرير.
وهذه الشرعية أقرب إلى "الشرعية التأسيسية" التي تتعلق بلحظة ولادة النظام الجديد، وهي لحظة استثنائية تتجاوز الإجراءات العادية [4].
· الشرعية الأخلاقية: تنبع من تمثيلها لضحايا النظام البائد وللرغبة الأولى في الحرية والكرامة التي أشعلت الثورة.
ففي مواجهة نظام مارست فيه الدولة عنفاً هائلاً ضد شعبه، فإن الصوت الأخلاقي للثوار يعلو على أي اعتبار إجرائي.
· شرعية الحماية: المرحلة الانتقالية هشة وعرضة لانتكاسة.
والتاريخ يُظهر أن العديد من الثورات انقلبت على نفسها أو عاد الاستبداد بأشكال جديدة لأن القوى الثورية تخلت عن زمام المبادرة باكراً.
كما يُذكرنا كارل شميت بأن السيادة تظهر في حالة الاستثناء، والمرحلة الانتقالية هي حالة استثناء بامتياز، تتطلب سلطة قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة لحماية المكاسب التأسيسية [5].

3.2 ضعف الشرعية الشعبية في مجتمع ممزق:

· استحالة التمثيل الحقيقي: تفقد في ظل التشتت الديموغرافي (لاجئون ونازحون) والانقسام الحاد، "الانتخابات" قدرتها على إنتاج تمثيل حقيقي. وقد تتحول إلى استفتاء على الهوية أو على الخوف، لا على البرامج السياسية للمستقبل.
· خطر الاستغلال: تمتلك القوى غير الثورية، خاصة تلك المرتبطة بالنظام البائد، خبرةً تنظيمية وموارد متبقية قد تُمكنها من الفوز في انتخابات مبكرة أو عرقلة العملية من الداخل، مستغلة رغبة الناس في الاستقرار لتقديم نفسها كقوة "أمنية" ضامنة.
· أولوية إعادة البناء على التمثيل: ففي دولة منهارة، تكون الأولوية القصوى لإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن. وهذه المهمة تتطلب سلطة حازمة وقادرة على اتخاذ قرارات صعبة قد تكون غير شعبية على المدى القصير (كالمحاكمات أو المساومات، أو الاتفاقات أو مصادرة الأموال أو إعادة الهيكلة).
وهنا سلطة منتخبة في ظل هذه الظواهر قد تكون عاجزة عن ذلك خوفاً من فقدان الشعبية.

3.3 دور الإدارة الجديدة (الوصاية الثورية المؤقتة) :

تواجه الإدارة الجديدة التي تولت السلطة بعد سقوط الأسد، والمستمدة شرعيتها من الثورة، تواجه معضلة كبيرة كما يبدو:
فهي شرعيةٌ ثورياً، ولكنها تفتقر إلى الشرعية الشعبية الشاملة، خصوصا بعد فشل مؤتمر الحوار الوطني بتخويف الفلول للعلويين، وعدم إقناع قسد وانهيار التواصل مع السويداء، ويبدو أن الحل ليس في تجاهل الشرعية الشعبية، بل في تأطيرها ضمن رؤية تقدمية.
إذ يُمكن لهذه الإدارة أن تلعب دور "الوصي الثوري المؤقت" على عملية التحول.

مهامها:

  1. تأمين الحد الأدنى من الاستقرار والأمن، وهو شرط مسبق لأي عملية سياسية ذات معنى.
  2. بناء المؤسسات التأسيسية (دستور، قضاء مستقل، جهاز أمني وطني، توحيد الخريطة الوطنية) بشكل يضمن كسر آليات الاستبداد القديمة.
  3. إدارة المصالحة والعدالة الانتقالية بطريقة تحقق العدالة للضحايا دون أن تتحول إلى انتقام يغذي دائرة العنف.
  4. تهيئة الأرضية لشرعية شعبية حقيقية، من خلال بناء نظام سياسي تعددي وحقوقي، ثم إجراء انتخابات عندما تكون الشروط الموضوعية قد نضجت من: وجود دستور دائم، ومؤسسات قوية، ومساحة عامة حرة تسمح بتنافس سياسي حقيقي بعيداً عن منطق الخوف والهوية.

وهذا الدور يُشبه "الديكتاتورية المؤقتة" لدى الرومان القدماء لحماية الجمهورية، أو فكرة "الوصاية التربوية" لدى بعض مفكري التنوير، لكنها هنا وصاية لصالح الديمقراطية ذاتها، وليست ضدها.

الفصل الرابع، الرد على الانتقادات والتخوفات:
4.1 ألا تؤدي الأولوية الثورية إلى استبداد جديد؟:

بكل موضوعية يمكن القول أن هذا التخوف هو الخطر الأكبر بل والأكثر احتمالا تبعا لتجربتنا البشرية بله السورية.
لكن الرد عليه يكون بأن الشرعية الثورية ليست مطلقة ولا دائمة. بل يجب أن تكون مقيدة بثلاثة أمور:
أولاً، بالتزامها المعلن والقابل للمحاسبة نحو أهداف الثورة (الحرية، الكرامة، العدالة).
ثانياً، بوجود آليات داخلية للرقابة والتداول ضمن القوى الثورية نفسها (مجالس ثورية، منظمات مجتمع مدني ناشئة).
ثالثاً، وبالأهم، بأن تحمل في صلب مشروعها آلية للإلغاء الذاتي عبر الانتقال التدريجي والمحدد زمنياً إلى نظام ديمقراطي مؤسسي. فالشرعية الثورية هي شرعية جسر، وليست شرعية مقصد.
4.2 ماذا عن إرادة الأغلبية الصامتة أو غير الثورية؟
الادعاء بأنه لا يجوز أخذ رأي غير الثوريين لأنه "منهزم" يبدو استبدادياً.
والتفسير الأقرب هو أنه في الفترة الانتقالية الحرجة، لا يمكن أن يكون "الرأي" المتشكل تحت وطأة الحرب والخوف والانهيار هو الحَكَم في مستقبل البلاد. كما يجب التفريق بين "الإرادة الشعبية العابرة" في لحظة صعوبة، و"المصلحة العامة التأسيسية" التي تسعى لبناء نظام يحمي الحريات في المستقبل.

وعليه، فإن القيادة الثورية مُطالبة بتمثيل هذه المصلحة العامة المستقبلية، حتى لو تعارضت مع بعض التطلعات الآنية لشرائح من الشعب تبحث عن الأمن فقط.

4.3 كيف نمنع تحول الثوار إلى طبقة حاكمة جديدة؟

ضمان عدم تحول النخبة الثورية إلى "طبقة" هو التمسك بالطبيعة المؤقتة لشرعيتها، ودمج آليات التداول والمحاسبة منذ البداية، والإسراع في بناء المؤسسات الدستورية المستقلة التي تُقيد سلطة الجميع، بما فيهم الثوار.
والأهم هو تطوير خطاب وسياسات جامعة، تبدأ بالاعتراف بمعاناة جميع السوريين (بمن فيهم من وقف مع النظام خوفاً أو لقمة عيش)، وتبني مشروع وطني يتجاوز ثنائية ثائر/موالٍ.

خاتمة:

يظهر أن العلاقة بين الشرعية الثورية والشرعية الشعبية ليست علاقة تناقض مطلق، بل هي علاقة تسلسل زمني وأولويات في سياقات استثنائية كالتي تعيشها سورية.

وفي مجتمع ممزق بعمق، حيث فقدت فكرة "الشعب الموحد" معناها العملي، وحيث ما زالت قوى النظام البائد والانقسامات الطائفية قادرة على العبث بأي عملية ديمقراطية شكلية مبكرة، تكون الشرعية الثورية التغلُبية هي الإطار الأكثر واقعية وحجية لإدارة المرحلة الانتقالية.
كما أن هذه الشرعية تستمد قوتها من فعل التحرير ذاته، ومن الأخلاقية المستمدة من تمثيلها لضحايا الاستبداد، ومن الضرورة العملية لحماية عملية التحول من الانتكاس.
غير أن هذه القوة ليست ترخيصاً للاستبداد الجديد.
بل على العكس، فإن القوة الأخلاقية للشرعية الثورية تكمن في التزامها بأن تكون مؤقتة، وأن يكون هدفها الوحيد هو تهيئة الظروف لشرعية شعبية حقيقية ودائمة، تقوم على مواطنة حرة ومتساوية في ظل دولة القانون والمؤسسات.

والإدارة الجديدة في سورية، في هذا السيناريو، ليست سيدة دائمة، بل هي حارسة مؤقتة لمهد الديمقراطية المستقبلية، وعليها أن تُثبت، بأفعالها وليس بأقوالها فقط، أنها تختلف جوهرياً عن النظام الذي حاربت ضده، وذلك بالشروع في بناء النظام الذي يُحول السلطة من شرعية الثورة إلى شرعية الشعب، دون مخاطرة بإعادته إلى أحضان الاستبداد القديم بأشكاله الجديدة.

المراجع:

  • [1] Weber, Max. Economy and Society: An Outline of Interpretive Sociology. Edited by Guenther Roth and Claus Wittich, University of California Press, 1978.
  • [2] Rousseau, Jean-Jacques. The Social Contract. Translated by Maurice Cranston, Penguin Books, 1968.
  • [3] Fanon, Frantz. The Wretched of the Earth. Translated by Constance Farrington, Grove Press, 1963.
  • [4] Arendt, Hannah. On Revolution. Penguin Books, 1963.
  • [5] Schmitt, Carl. Political Theology: Four Chapters on the Concept of Sovereignty. Translated by George Schwab, The University of Chicago Press, 2005.

شاركها على:

اقرأ أيضا

خارطة طريق لتنفيذ اتفاق قسد 10 مارس 2025

توضيح خارطة طريق لتنفيذ اتفاق قسد 10 مارس 2025 وأهمية الحوار الدبلوماسي لدفع السلام في المنطقة.

4 يناير 2026

إدارة الموقع

جهود الدفاع المدني في مواجهة المنخفض القطبي

جهود الدفاع المدني في مواجهة المنخفض القطبي تجسد التفاني والاحترافية في خدمة المجتمع وحماية الممتلكات.

4 يناير 2026

إدارة الموقع