إعادة هيكلة نظام السجون في سورية ما بعد سقوط نظام الأسد

المقدمة:

شهدت سورية، على مدى عقود من حكم عائلة الأسد، تحول نظام السجون إلى أداة مركزية للقمع السياسي والانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان. حيث قُسمت السجون تقليدياً إلى فئتين رئيسيتين:
1- السجون والمعتقلات التابعة لأجهزة المخابرات (مثل سجن صيدنايا العسكري، وفرع فلسطين 235، فرع 215، وفروع المخابرات الجوية)، التي كانت مخصصة أساسا للسجناء السياسيين والمعارضين، وشهدت تعذيبا ممنهجا، وإعدامات خارج نطاق القضاء، واختفاء قسري، وتجويع متعمد.
2- السجون الجنائية التقليدية (مثل سجن عدرا)، التي كانت تعاني من اكتظاظ شديد وظروف غير إنسانية، لكنها لم تكن بمستوى الوحشية المنهجية في السجون الأمنية.
هذا وقد وثّقت تقارير منظمات مثل منظمة العفو الدولية (التي وصفت صيدنايا بـ"مسلخ بشري")، ولجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، وثقت آلاف حالات التعذيب الجنسي، والضرب الشديد، والإعدامات الجماعية، والوفيات بسبب الإهمال الطبي.
وبعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، أُفرج عن آلاف المعتقلين، وأعلنت السلطات الانتقالية عن إغلاق بعض أبرز السجون الأمنية، إلا أن تقارير حديثة (2025-2026) تشير إلى إعادة فتح بعض المرافق، وظهور انتهاكات جديدة مثل الضرب والابتزاز في بعض السجون، مما يبرز الحاجة الملحة لإصلاح جذري.

تهدف هذه الورقة، المقدمة من تيار المستقبل السوري، إلى اقتراح رؤية شاملة لإعادة تنظيم نظام السجون، مستندة إلى:

  • المعايير الدولية (قواعد نيلسون مانديلا بشكل أساسي).
  • تجارب دول مرت بتحولات مشابهة (تونس بعد الربيع العربي، جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد، تشيلي وأرجنتين بعد الديكتاتوريات العسكرية).
  • نماذج متقدمة (النرويج وألمانيا كأمثلة على التركيز على إعادة التأهيل).
    الهدف: تحويل السجون من أدوات قمع إلى مؤسسات تصحيحية تحترم الكرامة الإنسانية، تقلل من معدلات العودة للجريمة، وتساهم في بناء دولة مدنية ديمقراطية

الإطار القانوني والدولي لإصلاح السجون:

يجب أن يرتكز الإصلاح على قواعد الأمم المتحدة الدنيا المعيارية لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا، معتمدة 2015)، التي تؤكد:

  • معاملة السجناء باحترام الكرامة الإنسانية المتأصلة (المادة 1).
  • حظر التعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة (المادة 4).
  • فصل السجناء حسب الجنس، والعمر، ونوع الجريمة، والوضع القانوني (محاكمون/محكومون).
  • توفير الرعاية الصحية المتكافئة مع المجتمع (المادة 24-35).
  • حظر العزل الانفرادي المطول (أكثر من 15 يوما، المادة 43-44).
  • تشجيع برامج إعادة التأهيل والتعليم والعمل (المادة 91-104).

كما يجب الالتزام بـ اتفاقية مناهضة التعذيب، والبروتوكول الاختياري (OPCAT) لإنشاء آلية وقائية وطنية مستقلة لزيارة السجون، وقواعد بانكوك لمعاملة السجينات.
في السياق السوري، يتطلب الأمر إلغاء التشريعات القمعية (مثل قوانين الطوارئ السابقة)، وإصدار قانون سجون جديد يجرم التعذيب ويحدد عقوبات على المسؤولين عن الانتهاكات.

دروس من تجارب دول مشابهة:

1- تونس بعد الثورة (2011-2024+):
بعد سقوط بن علي، شهدت تونس إصلاحات جزئية: إنشاء الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب (2013)، تحسين بعض الظروف، مشاريع مع الأمم المتحدة (UNODC) لإدارة السجناء المتطرفين (مشروع "تواصل").
لكن الاكتظاظ استمر (150-200% من السعة)، والإصلاحات تأثرت بالأولويات الأمنية ضد الإرهاب، مما أدى إلى تركيز على التعزيز الأمني بدلاً من إعادة التأهيل.
الدرس الذي نستفيده هو: ضرورة استقلالية الإصلاح عن الأجندات الأمنية، وتجنب إعادة إنتاج الاكتظاظ عبر قوانين عقابية صارمة (مثل قانون 52 للمخدرات).
2- جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد (1994+):
أدى انتقال مانديلا إلى إصلاح جذري إلى إغلاق السجون السياسية، ودمج السجون تحت وزارة واحدة، والتركيز على إعادة التأهيل، وإنشاء لجان زيارة مستقلة.
فانخفضت معدلات العودة بفضل برامج التعليم والمهن.
الدرس هنا: ضرورة ربط الإصلاح بعملية عدالة انتقالية شاملة (لجنة الحقيقة والمصالحة).
3- تشيلي وأرجنتين بعد الديكتاتوريات العسكرية:
في تشيلي (بعد بينوشيه)، أُغلقت مراكز تعذيب، وأُنشئت برامج لضحايا الانتهاكات، مع إصلاح تدريجي للسجون نحو نموذج أوروبي.
وفي الأرجنتين، أدت المحاكمات لبعض كبار المسؤولين السابقين إلى إصلاحات قانونية.
الدرس: ضرورة محاسبة المسؤولين السابقين، وإشراك الضحايا في تصميم الإصلاح.

نماذج متقدمة، النرويج وألمانيا:

1- النرويج (نموذج إعادة التأهيل)
معدل عودة المجرمين هي ~20% (مقابل 60-70% في دول عقابية). والسجون مفتوحة جزئيا، وسجون فردية نظيفة، وبرامج تعليم وعمل، إضافة للتركيز على العودة الاجتماعية. والأهم الموظفون مدربون نفسيا.
الدرس المستفاد الذي نراه هو أن الاستثمار في البشر (سجناء وموظفين) يقلل الجريمة طويل الأمد.
2- ألمانيا:
تركيز على "Resozialisierung" (إعادة الاندماج الاجتماعي)، وفصل واضح بين السجون الاحتياطية والتنفيذية، وبرامج علاج نفسي، ومراقبة قضائية مستقلة. وفي هذه التجربة يمكن الاستفادة من استقلالية إدارة السجون عن الأجهزة الأمنية.

رؤية لـ تيار المستقبل السوري لإعادة تنظيم السجون في سورية:

الهيكل الإداري:

  • إنشاء مديرية عامة للسجون والإصلاح تابعة لوزارة العدل (لا للداخلية أو الأمن)، مع مجلس إشراف مستقل يضم منظمات مجتمع مدني وضحايا سابقين.
  • إغلاق دائم للسجون الأمنية السابقة (صيدنايا، فروع المخابرات)، وتحويلها إلى متاحف أو مراكز توثيق.

التصنيف والفصل:

  • فصل كامل: محاكمون/محكومون، جنائي/فلول أو ارهابي، نساء/أطفال، مرضى نفسيين.
  • تقليل الاحتجاز الاحتياطي إلى أقصى حد (بدائل: كفالة، مراقبة إلكترونية مستقبلا).

الظروف المادية والصحية:

  • إعادة تأهيل المباني: سجون فردية أو صغيرة نظيفة، وتهوية، وتدفئة، وإضاءة.
  • رعاية طبية شاملة (جسدية ونفسية).

إعادة التأهيل والبرامج:

  • تعليم إلزامي، وتدريب مهني، وبرامج علاج نفسي (خاصة لضحايا التعذيب الأسري أو الجنسي).
  • برامج للسجناء المتطرفين (مستفيدة من تجربة تونس مع UNODC).

الرقابة والشفافية:

  • انضمام فوري لـOPCAT، وإنشاء آلية وقائية وطنية.
  • زيارات دورية لمنظمات حقوقية دولية ومحلية.
  • نظام شكاوى مستقل وهنا نؤيد الموقع الذي أصدرته وزارة الداخلية "صوتك وصل".

العدالة الانتقالية المرتبطة:

  • محاسبة المسؤولين السابقين عن الانتهاكات.
  • تعويض الضحايا وأسرهم.

التمويل والدعم الدولي:

  • طلب دعم من الأمم المتحدة (UNODC، OHCHR)، والاتحاد الأوروبي، ودول مثل النرويج وألمانيا للتدريب والتمويل.

الخاتمة:

يظهر من كل ماسبق أن إعادة تنظيم السجون جزء أساسي من بناء دولة تحترم كرامة مواطنيها.
ولقد كانت تجربة السوريين المريرة مع السجون تحت نظام الأسد أن جعلت هذا الإصلاح ضرورة أخلاقية وسياسية. ونرى أنه بتبني معايير مانديلا، واستلهام تجارب تونس وجنوب أفريقيا، والاقتداء بنماذج النرويج، يمكن تحويل السجون إلى أماكن تصحيح بعيداً عن الانتقام. وعليه فإن تيار المستقبل السوري يدعو إلى حوار وطني واسع يشمل الضحايا، والمجتمع المدني، والخبراء الدوليين، لضمان تنفيذ هذه الرؤية. ويبقى أن نختم بأن النجاح في هذا المجال سيُقاس بانخفاض معدلات العودة للسجون وإعادة الجرم من الشخص المعتقل، إضافة لاحترام الكرامة، وثقة الشعب في دولته الجديدة.

المراجع:

شاركها على:

اقرأ أيضا

اتفاقية نقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى سورية

اتفاقية نقل المحكومين السوريين من السجون اللبنانية إلى سورية وبدء التنفيذ في فبراير.

31 يناير 2026

إدارة الموقع

الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية

الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية يمثل خطوة مهمة نحو الوحدة الوطنية وبناء دولة ديمقراطية.

30 يناير 2026

إدارة الموقع