يُعبر تيار المستقبل السوري عن ترحيبه العميق والمقدر للخطوة البارزة لما تم كشفه من الحكومة الفرنسية في 12 يناير 2026، والتي تتضمن النية الجادة لتحويل دفعة أولية قدرها 32 مليون يورو من الأصول المصادرة من رفعت الأسد إلى الحكومة السورية الانتقالية، مع إمكانية توسيع هذا المبلغ ليتجاوز 80 مليون يورو، بما في ذلك مجموعة من العقارات الفاخرة في باريس وضواحيها.
كما نرى هذه الخطوة تمثل انتصاراً أخلاقياً وتاريخياً لجهود الشعب السوري في استعادة حقوقه المنهوبة، وتؤكد التزام المجتمع الدولي بدعم عملية الانتقال في سورية مع الإشارة إلى أنها تأتي كرد فعل إيجابي على الجهود السورية الرسمية في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية.
يُشير تيار المستقبل السوري السياق إلى أن رفعت الأسد، الذي شغل منصب نائب الرئيس السوري سابقاً وكان مسؤولاً عن قوات الدفاع الوطني، غادر البلاد في 1984 عقب محاولة انقلاب فاشلة ضد شقيقه حافظ الأسد، مستغلاً نفوذه السابق لبناء ثروة هائلة من أموال الشعب السوري المختلسة عبر شبكات مالية دولية معقدة وشركات أوفشور في مناطق مثل جزر العذراء البريطانية وسويسرا.
وفي عام 2013، تقدمت منظمة "شيربا" الفرنسية، وهي منظمة حقوقية متخصصة في مكافحة الفساد، بشكوى رسمية أدت إلى فتح تحقيق قضائي موسع في مصادر ثروته، انتهى بحكم تاريخي من محكمة باريس في 17 يونيو 2020، حيث أدين رفعت بتهم غسل الأموال، والاختلاس من الأموال العامة، والاحتيال الضريبي، مع مصادرة أصول تقدر بحوالي 90 مليون يورو، بما في ذلك قصور فاخرة وشقق سكنية. كما ثبّتت محكمة الاستئناف الفرنسية هذا الحكم في 9 سبتمبر 2021، وأيدته محكمة النقض الفرنسية في 7 سبتمبر 2022، مما جعل هذه الأصول ملكاً للدولة الفرنسية بموجب القانون الفرنسي الصادر في يوليو 2021، الذي ينظم إعادة الأصول المنهوبة إلى الشعوب المتضررة وفقاً لآليات قانونية محددة.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في 15 ديسمبر 2024 وتشكيل الحكومة الانتقالية في 5 يناير 2025، أكد عامر العلي، رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، في أكتوبر 2025 خلال اجتماع شبكة "مينا-أرين" في المملكة العربية السعودية، أهمية استرداد هذه الأصول كركيزة أساسية لبناء اقتصاد وطني مستقر، ممهداً بذلك للإعلان الحالي الذي يعكس ثمرة التعاون الدولي.
يطالب تيار المستقبل السوري بتسريع وتوسيع نطاق عملية استرداد الحقوق المنهوبة من آل الأسد وعائلته وجميع المتورطين في نظام الفساد السابق، معتبراً أن الـ32 مليون يورو المعلن عنها خطوة أولى مشجعة لكنها لا تكفي أمام حجم الثروات المنهوبة التي تقدر بمليارات الدولارات، والمنتشرة في دول أوروبية وآسيوية متعددة، بما في ذلك أصول في إسبانيا، والمملكة المتحدة، وسويسرا.
تيار المستقبل السوري يحث الحكومة السورية الانتقالية على تعزيز التعاون الدولي الفعال مع الجهات القضائية المعنية لمتابعة التحقيقات الجارية ورفع دعاوى جديدة حيث يلزم، كما في الدعوى المرتقبة في الدنمارك ضد الشركة التي زودت الطائرات الروسية بالوقود بين عامي 2015 و2017، مع الاستفادة من آليات الاتفاقيات الدولية لتعزيز هذه الجهود، مما يساهم في إغلاق فصول الفساد التاريخي ومنع تكراره.
يؤكد تيار المستقبل السوري على ضرورة تخصيص هذه الأموال المستردة بشكل حصري ومنظم لدعم مسارات العدالة الانتقالية، بما في ذلك تمويل عمليات البحث عن المفقودين والمعتقلين، تقديم تعويضات عادلة للضحايا وعائلاتهم، وإعادة إعمار البنى التحتية المتضررة جراء النزاعات، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال مشاريع تنموية مستدامة، مع ضمان الشفافية الكاملة والرقابة المستقلة من قبل منظمات دولية محايدة مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي.
وفي هذا السياق، يستند تيار المستقبل السوري إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) لعام 2003، خاصة المادة 51 التي تنظم استرداد الأصول المنهوبة من خلال التعاون الدولي، والمادة 57 التي تؤكد على أهمية إعادة هذه الأصول إلى أصحابها الشرعيين بطريقة فعالة وشفافة، لضمان أن تكون هذه العملية جزءاً من بناء دولة قانونية تحمي حقوق الجميع.
يدعو تيار المستقبل السوري الحكومة الانتقالية إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة ومتعددة التمثيل لإدارة الأصول المستردة، تضم ممثلين عن المجتمع المدني، والمنظمات الحقوقية، والخبراء الاقتصاديين، والجهات القضائية، لضمان توزيع هذه الموارد بطريقة عادلة وفعالة، بعيداً عن أي محاولات لإعادة تدوير آليات الفساد السابقة، وذلك في إطار الالتزام بقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254 لعام 2015، الذي يدعو إلى عملية سياسية شاملة في سورية تشمل جوانب العدالة، والإعمار، والمصالحة الوطنية مع حماية الأقليات وحقوق الإنسان.
يعبر تيار المستقبل السوري عن تفاؤله بأن تكون هذه الخطوة الفرنسية نموذجاً يحتذى به لتعاون دولي أوسع نطاقاً، يساهم في إنهاء عصر الإفلات من العقاب ويفتح أبواباً جديدة للإعمار والتنمية في سورية، مستذكراً تضحيات الشعب السوري على مدى عقود من القمع والنهب.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن سورية الجديدة يجب أن تكون دولة يسود فيها القانون والعدالة الاجتماعية، حيث يستعيد الشعب حقوقه المشروعة ويبني مستقبلاً يليق بتاريخه العريق وتضحيات أبنائه.