ما بعد اتفاق 1974 عقيدة سورية جديدة

ملخص تنفيذي:

يشهد الملف السوري–الإسرائيلي منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً استراتيجياً عميقاً. فإسرائيل لم تكتفِ باستمرار احتلال الجولان السوري، بل تجاوزت عملياً خطوط فض الاشتباك التي استقر عليها الوضع منذ عام 1974، ودخلت مناطق سورية إضافية، بالتوازي مع عمليات عسكرية متكررة داخل الأراضي السورية.

وفي مقابل هذا التغيير الإسرائيلي للواقع الميداني، انتقلت السلطة السورية الجديدة إلى مسار تفاوضي مباشر وغير مباشر مع إسرائيل برعاية أميركية، بلغ في كانون الثاني/يناير 2026 مستوى إنشاء «آلية دمج مشتركة» Joint Fusion Mechanism للتنسيق في تبادل المعلومات وخفض التصعيد والانخراط الدبلوماسي والتجاري. وقد أكد البيان الصادر عقب محادثات باريس وجود هذه الآلية بالفعل.

ويرى تيار المستقبل السوري أن هذا التطور يفرض إعادة النظر في السؤال الذي يحكم النقاش السوري كله.

فالمسألة لم تعد فقط:
كيف نعيد إسرائيل إلى اتفاقية 1974؟

بل ينبغي أن نسأل قبل ذلك:
هل يجب أن تبقى اتفاقية 1974 نفسها سقفاً للموقف السوري بعد أن تجاوزتها إسرائيل عملياً؟

ثم السؤال الأهم:
كيف تستطيع سورية الانتقال من الدفاع عن خطوط فض الاشتباك إلى استراتيجية وطنية تستعيد المبادرة وتضع قضية الجولان وكل الأراضي السورية المحتلة في قلب أي تفاوض؟

لا يرى تيار المستقبل السوري أن الحرب خيار عقلاني لسورية في ظروفها الراهنة، لكنه في الوقت ذاته لا يرى أن تجنب الحرب يعني خفض سقف الحقوق الوطنية، ولا أن البراغماتية السياسية تستوجب الانتقال من حالة الاحتلال إلى التطبيع قبل معالجة أصل النزاع.

ومن هنا تقترح هذه الورقة التفكير في عقيدة سورية جديدة للجولان والحدود الجنوبية تقوم على معادلة واضحة مبنية على قاعدة لا حرب عبثية، ولا تطبيع مجاني، ولا أمن إسرائيلي على حساب السيادة السورية، ولا اتفاق أمني يحول الاحتلال إلى أمر واقع دائم.

أولاً: اتفاق 1974 من وسيلة لإدارة الصراع إلى قيد على الطرف السوري؟
وُقعت اتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل في 31 أيار/مايو 1974، وأنشأت ترتيبات للفصل بين القوات ومنطقة تشرف عليها قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك UNDOF.

وقد نجحت الاتفاقية طوال عقود في الحد من المواجهة العسكرية المباشرة، لكنها لم تكن معاهدة سلام، ولم تحسم قضية الجولان، ولم تمنح إسرائيل سيادة على الأراضي المحتلة.

وهذه نقطة مركزية يجب عدم إغفالها! فاتفاقية 1974 كانت أداة لإدارة النزاع، وليست حلاً للنزاع.
وبعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تغير الواقع الذي قامت عليه الاتفاقية بصورة جوهرية، بعدما تقدمت القوات الإسرائيلية إلى المنطقة العازلة ومناطق إضافية داخل الأراضي السورية.
ولا تزال الأمم المتحدة تتعامل مع اتفاق فض الاشتباك باعتباره الإطار الناظم للوضع وتطالب باحترامه، كما بقيت UNDOF قائمة على أساسه.

وهنا تظهر مفارقة تستحق النقاش:
إذا كانت إسرائيل قد تجاوزت عملياً خطوط الاتفاق، فهل من المصلحة السورية الاستمرار في التعامل معه وكأنه إطار مقدس لا يمكن التفكير خارجه؟

أم أن التمسك السوري غير المشروط به يمكن أن يتحول، من حيث لا نريد، إلى وضع تصبح فيه سورية الطرف المقيد بالاتفاق بينما تحصل إسرائيل على حرية تغيير الواقع الميداني؟

يرى تيار المستقبل السوري أن اتفاقية 1974 ليست حقاً سورياً بحد ذاتها حتى تتحول المحافظة عليها إلى هدف وطني، وإنما هي أداة قانونية وسياسية ينبغي تقييمها بمقدار ما تخدم استعادة الحقوق والسيادة السورية.

ثانياً: هل ينبغي لسورية الانسحاب من اتفاقية 1974؟
هذا السؤال يجب ألا يكون محرماً في التفكير السياسي السوري.
لكن الإجابة تحتاج إلى دقة شديدة.
فالانسحاب السوري الأحادي والمباشر قد يمنح إسرائيل فرصة للقول إن سورية هي التي أسقطت الإطار الذي استندت إليه الأمم المتحدة طوال عقود، وقد يؤدي إلى تعقيدات تتعلق بعمل UNDOF وبالموقف الدولي من التوغلات الإسرائيلية.

لذلك، فإن الخيار الأكثر قوة ليس بالضرورة إعلان انسحاب سورية من اتفاقية 1974، بل بناء موقف قانوني وسياسي أكثر تركيباً، يقوم على مبدأ أن إسرائيل أخلّت جوهرياً بالترتيبات التي قامت عليها اتفاقية فض الاشتباك، ولذلك تحتفظ سورية بحقها في إعادة تقييم التزامها بالاتفاق، بما في ذلك تعليق العمل ببعض أحكامه أو إعادة النظر فيه أو إنهائه وفق القانون الدولي، ما لم تعد إسرائيل إلى الالتزام الكامل به.

وهذه ليست فكرة بلا أساس قانوني، فالمادة 60 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات تقر، من حيث المبدأ، بأن الإخلال الجوهري بمعاهدة ثنائية يمكن أن يشكل أساساً يستند إليه الطرف الآخر لإنهائها أو تعليق العمل بها كلياً أو جزئياً.

لكن استخدام هذا المسار يحتاج إلى دراسة قانونية دولية متخصصة، خصوصاً بالنظر إلى الطبيعة الخاصة لاتفاق فض الاشتباك وارتباطه بقرارات مجلس الأمن ووجود قوة أممية.

ومن هنا نقترح استراتيجية مختلفة تقوم على «التعليق المشروط بدلاً من الانسحاب المجاني»، بحيث تعلن سورية أنها تعتبر استمرار الاحتلال والتوسع الإسرائيلي إخلالاً جوهرياً بالترتيبات القائمة، وتمنح مساراً دبلوماسياً محدداً زمنياً لإعادة إسرائيل إلى مواقعها السابقة.

فإذا رفضت إسرائيل، تحتفظ سورية بحقها في إعادة تحديد علاقتها بالاتفاق.
وبهذه الطريقة لا تكون سورية هي من منح إسرائيل نهاية مجانية لاتفاق 1974، وإنما تجعل السلوك الإسرائيلي نفسه موضع المساءلة القانونية والسياسية.

ثالثاً: لا ينبغي أن يصبح 8 كانون الأول 2024 سقف الحقوق السورية!
تتمحور المفاوضات الحالية بصورة كبيرة حول مطالبة إسرائيل بالعودة إلى المواقع التي كانت فيها قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
وهذا المطلب مشروع وضروري، بل إن محادثات باريس نفسها تناولت العودة إلى تلك الخطوط وإحياء ترتيبات 1974.

لكن الخطورة تكمن في تحوله تدريجياً من مطلب مرحلي إلى سقف سياسي سوري! فالنزاع السوري الإسرائيلي لم يبدأ في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
والأرض السورية المحتلة لا تبدأ عند المواقع التي دخلتها القوات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد.
فالجولان السوري محتل، وهو يمثل أصل القضية.

لذلك يقترح تيار المستقبل السوري الفصل الصريح بين مستويين:

المستوى الأول: الانسحاب الفوري من جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وهذا ليس موضوع مساومة ولا جزءاً من صفقة تطبيع، وإنما تصحيح لوضع مستجد وغير مشروع.

المستوى الثاني: استعادة الجولان السوري المحتل.

وهذا ملف السيادة الأساسي الذي يجب ألا يسقط أو يتراجع إلى الهامش مقابل حل قضية التوغلات الجديدة.

فإذا أصبح الإنجاز السوري النهائي هو مجرد إعادة إسرائيل إلى مواقع 7 كانون الأول/ديسمبر 2024، نكون قد نجحنا في معالجة الاحتلال الجديد وتركنا الاحتلال الأصلي خارج المعادلة.

رابعاً: من الأمن الإسرائيلي إلى «الأمن المتبادل»
يلاحظ تيار المستقبل السوري أن جزءاً كبيراً من الخطاب المحيط بالمفاوضات يبدأ بالسؤال: كيف يمكن طمأنة إسرائيل؟

بينما السؤال السوري المقابل يكاد يكون غائباً تماماً.
فمن يضمن أمن سورية من إسرائيل؟!فالأمن ليس امتيازاً لدولة دون أخرى.

وإذا كان من حق إسرائيل أن تطالب بعدم وجود تهديدات عسكرية قرب حدودها، فمن حق سورية بالمنطق ذاته أن تطالب بعدم وجود قوات إسرائيلية أو تشكيلات هجومية قرب حدودها.

ومن هنا نقترح مبدأ: الأمن المتبادل والمتناظر
فإذا طُلب من سورية ألا تنشر أسلحة معينة ضمن مسافة محددة من الحدود، فينبغي أن يقابل ذلك التزام إسرائيلي مماثل.
وإذا أُنشئت منطقة محدودة التسليح، فينبغي ألا تكون منطقة أمنية إسرائيلية داخل الأراضي السورية، وإنما نظاماً متبادلاً على جانبي الحدود، بضمانات ورقابة دولية.

ويمكن صياغة القاعدة السورية ببساطة على قاعدة أنّ كل قيد أمني دائم يُفرض على سورية يجب أن يقابله قيد متناسب على إسرائيل.

وأن أمن إسرائيل ينتهي عند حدود إسرائيل، كما أن أمن سورية ينتهي عند حدود سورية.

ولا ينبغي تحويل المخاوف الأمنية لأي دولة، مهما كانت مشروعة، إلى حق دائم في احتلال أراضي دولة أخرى أو تحديد مكان انتشار جيشها داخل حدودها.

خامساً: لا لمنطقة سورية منزوعة السلاح من طرف واحد!
تطرح أفكار مختلفة حول إقامة نطاق منزوع أو محدود السلاح في جنوب سورية.
لكن مفهوم نزع السلاح من جنوب سورية يحمل إشكالية سيادية إذا كان يعني أن دولة أجنبية تستطيع تحديد حجم القوات السورية وتسليحها وانتشارها داخل أراضي الدولة السورية، بينما لا تخضع القوات الإسرائيلية لقيود مقابلة.

وهنا يمكن لسورية أن تناقش ترتيبات أمنية استثنائية إذا كانت ضرورية لمنع الحرب، لكن وفق أربعة شروط:

  • التبادلية.
  • التزامن.
  • الرقابة الدولية.
  • التحديد الزمني.

فلا انسحاب سوري من موقع مقابل تقدم إسرائيلي.
ولا نزع سلاح سوري مقابل بقاء قوات إسرائيلية.
ولا ترتيبات أمنية مفتوحة إلى الأبد.
ولا رقابة إسرائيلية مباشرة على الأراضي السورية.

وإذا كانت هناك حاجة إلى آلية مراقبة، فينبغي أن تكون أممية أو دولية متفقاً عليها، لا أن تتحول إسرائيل نفسها إلى مراقب ووصي على الجنوب السوري.

سادساً: رفض تحويل إسرائيل إلى "ضامن أمني" داخل سورية
وهذه القضية تتجاوز الجولان، فأي اعتراف ضمني بحق إسرائيل في التدخل داخل سورية بذريعة منع خطر مستقبلي يؤسس لسابقة شديدة الخطورة.

وقد تكون الذريعة اليوم وجود سلاح معين، وغداً قد تكون تشكيل حكومة محلية، وبعده قد تكون حماية أقلية، ثم يصبح أي تطور داخلي سوري موضوعاً للأمن القومي الإسرائيلي.

ويرى تيار المستقبل السوري أن أمن المكونات السورية وحمايتها شأن وطني سوري أولاً، وأن أي ضمانات إضافية يجب أن تأتي عبر مؤسسات الدولة والمجتمع السوري والأطر الدولية المشروعة، وليس من خلال منح دولة تحتل أرضاً سورية حق التدخل العسكري داخل سورية.

سابعاً: محادثات باريس.. بين منع الحرب وخفض السقف السوري!
لا يتبنى تيار المستقبل السوري موقفاً عدائياً من مبدأ التفاوض ذاته.
فالدبلوماسية أداة من أدوات الدول، وقد تكون في الظروف السورية الراهنة أكثر قدرة من المواجهة العسكرية على حماية المصالح الوطنية.

لكن الاعتراض يقع على مضمون التفاوض وسقفه وتسلسله وشكله.
ولقد أسفرت محادثات باريس في كانون الثاني/يناير 2026 عن إنشاء Joint Fusion Mechanism، وهي خلية اتصال مخصصة للتنسيق في تبادل المعلومات وخفض التصعيد العسكري والانخراط الدبلوماسي وحتى الفرص التجارية تحت إشراف الولايات المتحدة.

وهذا مستوى من العلاقة يتجاوز مجرد اتصال عسكري اضطراري لمنع الاشتباك.

ومن حق السوريين، ومن حق القوى السياسية السورية، أن تسأل: ما المقابل السيادي الذي حصلت عليه سورية؟
وهل حصلت على جدول زمني ملزم للانسحاب؟
وهل توقف التوغل؟
وهل أصبحت قضية الجولان جزءاً أساسياً من المفاوضات؟
وهل اعترفت إسرائيل صراحة بأن وجودها العسكري الجديد مؤقت وأنه سينتهي في تاريخ محدد؟

هذه الأسئلة أهم من عدد الاجتماعات أو وصف أجوائها بأنها إيجابية.

ويؤكد تيار المستقبل السوري أن اللقاءات والاتفاقات التي تعقدها السلطة السورية الحالية مع إسرائيل لا تمثل موقف التيار ولا تلزمه سياسياً، وأن التيار يحتفظ بحقه الكامل في تقييمها وانتقادها ورفض أسلوبها ونتائجها عندما يرى أنها تنزل بالسقف الوطني السوري.

إن اعتراضنا ليس على الدبلوماسية لأن بديلها الحرب، وإنما على دبلوماسية قد تبدأ بالتخلي عن أوراق تفاوضية سورية قبل الحصول على مقابل سيادي حقيقي.

ثامناً: لا تطبيع قبل التسوية الحقوقية
يرفض تيار المستقبل السوري الانتقال من الاحتلال إلى التطبيع بالقفز فوق القضية الأساسية.
فلسنا مع التطبيع مع إسرائيل في ظل احتلالها أرضاً سورية، ولا نرى المشاريع الاقتصادية أو التجارية بديلاً عن استعادة الحقوق الوطنية.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه منتجع سياحي مشترك بينما تبقى الأرض محتلة.
ولا تصنعه مشاريع طاقة أو زراعة بينما تبقى السيادة معلقة.
ولا ينبغي أن يكون التسلسل المطروح أمريكياً هو أن أمن إسرائيلي يبدأ بتعاون اقتصادي فتطبيع ثم الحديث مستقبلاً عن الأرض.

بل ينبغي قلب المعادلة تماماً: أرض وسيادة فانسحاب فأمن متبادل ثم تسوية سياسية عادلة ثم (يقرر السوريون وفق مصالح دولتهم، وإرادتهم الوطنية، طبيعة العلاقة المستقبلية).

هذه ليست سياسة رفض للسلام، لكنها مطالبة بأن يكون السلام نتيجة للعدالة وليس بديلاً عنها.

تاسعاً: وثيقة سورية للحقوق غير القابلة للمساومة
يقترح تيار المستقبل السوري صياغة «وثيقة وطنية للجولان والحدود الجنوبية» تحدد الحد الأدنى الذي يرى التيار أنه ينبغي ألا تنزل عنه أي سلطة سورية في مفاوضاتها.

وتقوم على المبادئ التالية:

  1. الجولان أرض سورية محتلة، ولا شرعية لأي اعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه، فيما لا يزال الموقف الدولي الأوسع رافضاً لهذه السيادة؛ وقد جدد الاتحاد الأوروبي موقفه الرافض لها في آب/أغسطس 2026.
  2. رفض الاعتراف بأي تغيير سيادي نتج عن العمليات العسكرية الإسرائيلية بعد 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.
  3. اعتبار الانسحاب من الأراضي المحتلة حديثاً استحقاقاً فورياً وليس مقابلاً للتطبيع.
  4. إبقاء استعادة الجولان السوري في قلب أي تسوية نهائية.
  5. رفض إنشاء منطقة أمنية إسرائيلية داخل سورية.
  6. رفض منح إسرائيل حقاً دائماً في تحديد انتشار الجيش السوري داخل أراضيه.
  7. رفض أي ترتيبات لنزع السلاح من جانب واحد.
  8. اشتراط التبادلية في أي ترتيبات أمنية حدودية.
  9. رفض تحويل حماية أي مكون سوري إلى مبرر لتدخل عسكري إسرائيلي.
  10. عدم الدخول في تطبيع سياسي أو اقتصادي قبل معالجة قضية الاحتلال والسيادة السورية.

عاشراً: استراتيجية "رفع الكلفة السياسية للاحتلال"
ليس مطلوباً من سورية أن تحارب إسرائيل حتى تجعل الاحتلال مكلفاً.

فهناك فرق بين الكلفة العسكرية والكلفة السياسية والقانونية والدبلوماسية.
وتستطيع سورية بناء استراتيجية طويلة الأمد تجعل استمرار الاحتلال عبئاً متزايداً من خلال تدويل كل انتهاك، وتوثيق التوسع والتوغلات، وتحريك الملفات القانونية والدبلوماسية، وبناء تحالف عربي ودولي حول وحدة الأراضي السورية، وربط أي ترتيبات أمنية مستقبلية بمبدأ الانسحاب.

والهدف ليس البحث عن انتصار إعلامي سريع، وإنما منع تحول الاحتلال الجديد مع مرور السنوات إلى واقع طبيعي.

فالاحتلال الذي لا يُقاوم سياسياً وقانونياً يتحول تدريجياً من أزمة دولية إلى تفصيل جغرافي.

حادي عشر: إسرائيل أيضاً تحتاج إلى التسوية
ينبغي ألا تدخل سورية أي مفاوضات بعقلية أن إسرائيل تمتلك كل الأوراق.
نعم، صحيح أن ميزان القوة العسكرية يميل بصورة هائلة لصالح إسرائيل، لكن القوة العسكرية ليست العنصر الوحيد في المعادلة.
فإسرائيل تحتاج بدورها إلى حدود مستقرة.
وتحتاج إلى منع نشوء جبهة سورية عدائية جديدة.
وتحتاج إلى عدم عودة إيران والميليشيات التابعة لها.
وتحتاج إلى حكومة سورية قادرة على ضبط أراضيها.
وتحتاج إلى قبول إقليمي ودولي لترتيباتها الأمنية.
والأهم أن الاحتلال الدائم نفسه قد ينتج البيئة التي تخشاها إسرائيل، فكلما توسع الاحتلال وتعمقت الانتهاكات، ارتفعت احتمالات نشوء مقاومات محلية، وتراجعت قدرة الدولة السورية على ضبط الشارع، وازدادت جاذبية القوى الأكثر تطرفاً.

وقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في آب/أغسطس 2026 أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من المناطق التي تصفها إسرائيل بأنها مناطق أمنية في سورية ولبنان وغزة، وهو خطاب يعزز المخاوف من تحول مفهوم الأمن المؤقت إلى وجود طويل الأمد.

وهنا ينبغي أن تصل الرسالة السورية بوضوح أن الاحتلال لا يصنع حدوداً آمنة! فقد يصنع هدوءاً مؤقتاً، لكنه يراكم أسباب الانفجار المستقبلي.

ثاني عشر: السيناريوهات الجديدة
السيناريو الأول: استمرار المفاوضات مع تثبيت الأمر الواقع، وهو أخطر السيناريوهات رغم أنه قد يبدو الأكثر هدوءاً.
بحيث تستمر اللقاءات وآليات التنسيق، وتنخفض العمليات العسكرية جزئياً، لكن يبقى الوجود الإسرائيلي داخل الأراضي السورية، ويتحول المؤقت مع السنوات إلى دائم.
والخطر هنا أن تحصل إسرائيل على الأمن والتنسيق والهدوء بينما لا تحصل سورية على الأرض والسيادة.

السيناريو الثاني: العودة الكاملة إلى اتفاق 1974
حيث تنسحب إسرائيل إلى المواقع السابقة لـ8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وتعود UNDOF إلى ممارسة وظائفها بصورة كاملة.
هذا أفضل من الوضع الراهن، لكنه لا ينبغي أن يمثل نهاية السياسة السورية.
فهو يعالج التوغلات الجديدة، ولا يحل قضية الجولان.
لذلك يجب التعامل معه باعتباره مرحلة استعادة للوضع السابق وليس تسوية تاريخية للنزاع.

السيناريو الثالث: اتفاق أمني متبادل يقود إلى انسحاب تدريجي
وهو السيناريو الأكثر عقلانية إذا توافرت إرادة دولية حقيقية.
حيث تنسحب إسرائيل تدريجياً من الأراضي التي احتلتها حديثاً مقابل ترتيبات أمنية متبادلة ورقابة دولية وضمانات تمنع استخدام الجنوب السوري منصة لتهديد إسرائيل.

لكن الاتفاق يجب أن يتضمن نصاً صريحاً يمنع تفسيره باعتباره تنازلاً سورياً عن الجولان.

السيناريو الرابع: تعليق سورية العمل باتفاق 1974
إذا استمر الاحتلال ورفضت إسرائيل الانسحاب، يمكن لسورية دراسة إعلان أن الإخلال الإسرائيلي الجوهري جعل استمرار بعض الالتزامات السورية غير قابل للدفاع عنه.
لكن هذا الخيار ينبغي ألا يُستخدم انفعالياً.
ويجب أن يسبقه إعداد قانوني ودبلوماسي واسع، وإبلاغ مجلس الأمن والأمم المتحدة والدول الضامنة، بحيث تظهر سورية باعتبارها الدولة التي تطالب بإعادة القانون، لا الدولة التي تهدم النظام القانوني القائم.

السيناريو الخامس: انهيار المسار وعودة المواجهة
وهو السيناريو الذي ينبغي العمل على تجنبه حالياً
فالحرب المفتوحة لا تخدم سورية المنهكة، لكنها كذلك ليست بالضرورة سيناريو مريحاً لإسرائيل.
وفتح جبهة سورية طويلة ومفتوحة جغرافياً قد يغير الحسابات الإقليمية، ويخلق تحالفات جديدة، ويعيد إنتاج قوى مسلحة خارج مؤسسات الدولة، ويمنح إيران وغيرها فرصاً للعودة من بوابة مقاومة الاحتلال.

ولهذا فإن إنهاء الاحتلال ليس مصلحة سورية فقط، بل يمكن أن يكون جزءاً من منظومة أمن إقليمي تمنع عودة المنطقة إلى حروب الوكالة.

ثالث عشر: توصيات تيار المستقبل السوري

للحكومة السورية:

أولاً: عدم تحويل العودة إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024 إلى سقف نهائي للمطالب السورية.

ثانياً: مطالبة إسرائيل بجدول زمني مكتوب وملزم للانسحاب من الأراضي المحتلة حديثاً.

ثالثاً: إجراء دراسة قانونية دولية متخصصة حول إمكانية تعليق اتفاقية 1974 كلياً أو جزئياً نتيجة الإخلال الإسرائيلي، مع عدم اتخاذ خطوة تمنح إسرائيل مكسباً قانونياً مجانياً.

رابعاً: فصل ترتيبات منع الاشتباك عن التطبيع السياسي والاقتصادي.

خامساً: اعتماد مبدأ المعاملة الأمنية بالمثل في أي اتفاق مستقبلي.

سادساً: رفض أي حق إسرائيلي بالتدخل العسكري داخل سورية بذريعة حماية مكون سوري أو منع خطر افتراضي.

سابعاً: إعادة قضية الجولان إلى صدارة الخطاب الدبلوماسي السوري.

للولايات المتحدة الأمريكية:

على واشنطن الانتقال من إدارة الخلاف إلى معالجة سببه، وربط نجاح وساطتها بانسحاب فعلي وملموس، لا بمجرد خفض التصعيد.

كما ينبغي ألا تتحول الضمانات الأمنية المقدمة لإسرائيل إلى ضمانات للاحتفاظ بأراضٍ سورية.

للدول العربية:

المطلوب الانتقال من بيانات رفض ضم الجولان إلى بناء موقف دبلوماسي عربي يساعد سورية في تحويل سيادتها ووحدة أراضيها إلى جزء من أي منظومة أمنية إقليمية جديدة.

لإسرائيل الكيان المحتل:

ينبغي إدراك أن سورية مستقرة وموحدة وذات سيادة يمكن أن تكون أكثر أمناً لإسرائيل من سورية ضعيفة ومجزأة ومحتلة جزئياً.

أما تحويل الجنوب السوري إلى حزام أمني دائم فسوف يزرع أسباب مقاومة مستقبلية، حتى إن استطاع تحقيق هدوء مؤقت.

خاتمة:


لا يحتاج السوريون اليوم إلى الاختيار بين خيارين زائفين:
إما الحرب وإما التطبيع.
فهناك مساحة واسعة بينهما اسمها السياسة، وهناك الدبلوماسية، وهنام القانون الدولي، وهناك الضغط السياسي، وهناك التحالفات الإقليمية، وهناك المفاوضات الصلبة، وهناك الصبر الاستراتيجي.

ويرى تيار المستقبل السوري أن سورية الجديدة ينبغي ألا تدخل المفاوضات باعتبارها دولة تبحث فقط عن وقف الغارات الإسرائيلية، بل باعتبارها دولة لها أرض محتلة وحقوق سيادية ومطالب تاريخية وقانونية.

ونحن إذ نرفض دفع سورية إلى حرب لا تحتملها، فإننا نرفض بالقدر نفسه تحويل ضعفها الراهن إلى تنازلات دائمة ترثها الأجيال القادمة.

كما أن تيار المستقبل السوري، بوصفه تياراً سياسياً مستقلاً، لا يعتبر اللقاءات والمفاوضات التي تجريها السلطة السورية الحالية مع إسرائيل ممثلة لموقفه السياسي، ولا يرى نفسه ملزماً بسقفها أو نتائجها.

وننظر بقلق إلى الانتقال المتسارع من اتصالات يفترض أنها لمنع التصعيد إلى آليات تتضمن تعاوناً استخباراتياً ودبلوماسياً وتجارياً قبل تحقيق تقدم سيادي ملموس على الأرض.

إن سقفنا الوطني يجب أن يبقى أعلى.
فالانسحاب الإسرائيلي إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 ليس نهاية القضية، وإنما بداية تصحيح الخلل الجديد.

واتفاقية 1974 ليست نهاية التاريخ، ولا ينبغي أن تتحول من أداة لحماية سورية إلى قيد يمنعها من المطالبة بحقوقها.

والجولان ليس ورقة تفاوضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى مرحلة غير معلومة.

والجولان أرض سورية محتلة، وكل أرض سورية دخلتها إسرائيل بعد سقوط النظام أرض سورية محتلة أيضاً.

ومن هنا نقترح الانتقال من عقيدة استعادة اتفاق 1974 إلى عقيدة استعادة المبادرة السورية.

عقيدة لا تبحث عن الحرب، لكنها لا تخشاها إلى درجة التنازل عن الحقوق.
ولا ترفض التفاوض، لكنها لا تمنح مقابله شيئاً مجاناً.
ولا ترفض الأمن الإسرائيلي، لكنها تضع إلى جانبه الأمن السوري على قدم المساواة.
ولا تجعل من اتفاق فض الاشتباك سقفاً للحقوق، بل أداة من أدوات استعادتها.

أما السلام الذي يمكن أن يعيش، فهو السلام الذي يأتي بعد العدالة، لا السلام الذي يُطلب من المحتل منه أن يتعايش مع احتلاله.

لا حرب عبثية.
لا تطبيع مجاني.
لا أمن لطرف على حساب سيادة الطرف الآخر.
ولا تنازل عن الجولان أو عن أي شبر من الأرض السورية المحتلة.

هذه، برأينا، هي المعادلة التي تستطيع أن تمنح سورية موقفاً تفاوضياً أكثر قوة اليوم، وتحفظ في الوقت نفسه حقوق السوريين للغد.

شاركها على:

اقرأ أيضا

قضية محمد غميرة في مخفر الحفة

قضية محمد غميرة الشاب الذي تعرض للضرب في مخفر الحفة،

15 أغسطس 2026

إدارة الموقع

الاعتداء على مشفى "ميديكالز" في أعزاز

تقرير حول الاعتداء على مشفى ميديكالز في أعزاز وبيان وزارة الصحة بإدانة هذا الفعل المرفوض.

15 أغسطس 2026

إدارة الموقع