فقه التأسيس: حفظ الدين في أفق حفظ الوطن

تمهيد:

من المقرر في علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة أن "للوسائل حكم المقاصد"، وأن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدماً، وأن الاجتهاد في تنزيل الأحكام على الوقائع المتغيرة هو روح الفقه وقوته الدافعة. وإذا كان التراث الفقهي قد بلغ شأواً بعيداً في تقرير الأحكام المتعلقة بالأفراد والأسر والمجتمعات المستقرة، فإن التحدي الأكبر الذي يواجه الفقيه والمفكر الإسلامي اليوم، وخصوصا في السياق السوري، هو الاجتهاد في تنزيل المقاصد على واقع متحول، يمر بمخاض انتقالي دقيق، تتغير فيه مراتب المصالح والمفاسد، وتلتبس فيه الأولويات.

هذا المقال لن يكون ترديداً لدعوات "فقه المرحلة" أو "فقه الأولويات" التي أبدع فيها علماء معاصرون، بل هو محاولة لتأسيس مقاربة جديدة لعل إسمها المناسب: "فقه التأسيس".
إنه اجتهاد في الإجابة عن سؤال مركزي، هو كيف نبني وعياً إسلاميا حضارياً يدرك أن حفظ الدين لدى السوري المسلم في هذه المرحلة يمر عبر حفظ الوطن؟ وكيف ننتقل بالعقل الفقهي من مقام دفع الضرر ورد العدوان، إلى مقام استحداث المصالح وبناء العمران؟ وكيف نستخدم أداة "اعتبار المآلات" لنستشرف مستقبل خطابنا الديني وأثره في النسيج الوطني بعد عشر سنوات من الآن؟

المبحث الأول، إعادة تعريف الضرورة في المرحلة الانتقالية ـ نحو "ضرورات تأسيسية":

لطالما اشتغل الفقهاء على قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات"، واجتهدوا في تطبيقاتها زمن الحروب والمجاعات والفتن. يقول الإمام الشاطبي في "الموافقات": "الضرورة الشرعية هي التي لو لم تُراعَ لوقع الناس في الحرج والمشقة غير المحتملة". لكن الذي ينبغي التنبه له، ونحن في قلب مرحلة انتقالية تاريخية، أن الضرورة القصوى اليوم هي الواقع ذاته الذي يفرض علينا إعادة تعريف "الضروري" و"الحاجي" و"التحسيني".

فمثلاً، لنأخذ خطابا دينياً متشنجا يحرض على مكون اجتماعي أو طائفي معين بذريعة "الدفاع عن الحق". هذا الخطاب، لو قسناه بمقياس المصلحة والمفسدة، لوجدنا أنه يجمع مفسدتين: مفسدة آنية هي تأجيج النفوس وتهديد السلم الأهلي، ومفسدة مستقبلية هي تكريس صورة الإسلام كدين إقصاء واقتتال، وتشويه وعي جيل كامل. هذا الخطاب، الذي قد يبدو في ظاهره "نصرة للدين"، هو في جوهره معصية مقاصدية كبرى، لأنه يهدم الكلي الذي لا يقوم الدين في سورية إلا به، وهو الجماعة الوطنية الآمنة.

من هنا، يحسن الدعوة إلى تأسيس مفهوم "الضرورات التأسيسية" التي تختلف عن ضرورات الإغاثة العابرة. وهذه الضرورات هي:

  1. ضرورة بناء إجماع وطني يمنع الانهيار الشامل، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة.
  2. ضرورة إرساء ثقافة الاعتراف المتبادل بين المكونات السورية كافة، ونبذ خطاب الإقصاء والتخوين.
  3. ضرورة تحييد الخطاب الديني عن الصراع السياسي، ليكون حاميا للنسيج الوطني وليس وقوداً للفتنة، وجامعاً على الخير غير مفرق للصف.

والفقه المقاصدي يرشدنا إلى أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". فإذا كان بناء الدولة المستقرة واجباً لحفظ النفوس والعقول والأديان، فإن كل الوسائل المؤدية إليه بحكمة وتعقل هي من صميم الواجب الشرعي، وليست تنازلات أو حلولاً وسطى تفرضها الضرورة المؤقتة. وهنا تكمن النقلة النوعية من "فقه الضرورة" الذي ينتظر زوال العارض، إلى "فقه التأسيس" الذي يبني على هذا العارض مشروعا دائماً للنهضة.

المبحث الثاني، من فقه "حفظ الدين" إلى فقه "حفظ الإنسان والوطن" ـ تأصيل لكلية قصوى:

من القواعد المقاصدية الكبرى أن المقاصد العامة الخمسة (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال) هي أساس التشريع ومداره. لكن الناظر في حالنا السوري اليوم يدرك أن هذه المقاصد ليست جزراً منعزلة، بل إن بينها تداخلاً وترابطاً عضويا، حتى إن بعضها قد يكون شرطًا في وجود البعض الآخر.

إن من أخطر ما نواجهه اليوم هو "الفهم التجزيئي" للمقاصد. فهناك من يفهم "حفظ الدين" بمعزل عن "حفظ النفس" و"حفظ المجتمع"، فيقع في تناقض مهلك، يدافع عن مظاهر التدين وشعائره بينما يتسبب خطابه في إزهاق النفوس وتمزيق المجتمع الذي هو وعاء الدين وحاضنته. وهذا الفهم التجزيئي هو الذي يقف خلف كثير من الفتاوى والخطابات التحريضية التي نسمعها.
لنتأمل على سبيل المثال، خطابا دينياً يحرّم التعامل مع مؤسسات الدولة الانتقالية بدعوى "عدم شرعيتها الدينية"، أو يدعو إلى مقاطعتها. هذا الخطاب ينظر إلى "حفظ الدين" من زاوية النقاء العقائدي المجرد، لكنه يغفل أن مآل هذه المقاطعة هو انهيار مؤسسات الدولة، وضياع الخدمات، وانتشار الفوضى، مما يؤدي حتما إلى إزهاق الأنفس وانتهاك الحرمات وتهجير السكان. فأي "دين" هذا الذي يُحفظ على أنقاض الإنسان والوطن؟!

إن الرؤية المقاصدية الإسلامية الحضارية تقول بكل وضوح: في المرحلة الانتقالية، يصبح "حفظ الوطن" بمثابة الكلية القصوى التي تندرج تحتها باقي الكليات. والوطن هنا ليس مجرد أرض وجغرافيا، بل هو الإطار الجامع الذي يمكن داخله تحقيق العبودية لله وعمارة الأرض. وقد أشار الإمام محمد الطاهر بن عاشور في "مقاصد الشريعة" إلى أن "الأمة" و"الجامعة" مقصد من مقاصد الشريعة، لأن بها ينتظم أمر الدين والدنيا. وهذا الذي نقوله هو امتداد لهذا الأصل: لا وطن = لا أمان للنفس، ولا استقرار للعقل، ولا حفظ للمال، ولا إقامة كاملة للدين في صورته الحضارية. العمل على حفظ الوطن وصيانته من التمزق هو من أعلى مراتب الجهاد الحضاري اليوم.

المبحث الثالث، قاعدة "المآلات" واستشراف المستقبل:

من أروع أدوات الاجتهاد المقاصدي وألزمها في مرحلتنا "اعتبار المآلات". وقد قرر الشاطبي هذه القاعدة بقوله: "النظر في مآلات الأفعال مقصد شرعي، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة". ومعنى هذا أن الحكم على فعل أو خطاب لا يكون بحسب نية فاعله أو ظاهره فقط، بل بحسب ما يؤول إليه من نتائج.

وهنا مربط الفرس، فـ كثير من الخطابات الدينية الحماسية التي نسمعها اليوم قد تكون في ظاهرها "نصرة للحق" أو "غيرة على الدين"، لكن مآلها في السياق السوري الهش هو تأجيج الكراهية، وتعميق الانقسام، وإعطاء الذرائع لأعداء الداخل والخارج لضرب استقرار البلاد وتمزيق نسيجها.

إن الرؤية المستقبلية التي يجب أن تحكم خطابنا الديني والإعلامي اليوم تقوم على سؤال محدد، يجب أن نضعه نصب أعيننا قبل أن نطلق أي كلمة أو فتوى: "ما الذي سيؤول إليه هذا الخطاب بعد خمس أو عشر سنوات في نفوس الأبناء وفي نسيج المجتمع؟".
إن الاجتهاد المقاصدي لم يوجد ليكون استنباط حكم للحظة الراهنة، إنما هو قراءة مستقبلية للمصير الذي تسوقنا إليه أقوالنا وأفعالنا.

لهذا، فقه التأسيس يعني أن نزرع اليوم ما سنحصده غداً، فإننا:

  • إن زرعنا خطاب التسامح والمواطنة والاعتراف بالآخر، حصدنا استقرارا ووئاما وأرضية صالحة لبناء الدولة المدنية الحديثة.
  • وإن زرعنا خطاب التكفير والتخوين والتحريض، حصدنا جيلاً مشوها يحمل بذور حرب أهلية قادمة، ويهدم بيده ما يُظن أنه يدافع عنه، ويذهب بتضحيات الشعب الحر الثائر الذي أنهى حالة الاستبداد إلى اللانجاح!.

المبحث الرابع، توصيات عملية لخطاب ديني مقاصدي في سورية:

بناءً على هذه الرؤية، نقدم لخطابنا الديني في المرحلة الانتقالية الأولويات التالية:

  1. ترسيخ "فقه العمران" وتقديمه على "فقه الاحتراب":
    مهمة المؤسسات الدينية اليوم هي التحول من أدبيات الفتنة والصراع، إلى خطاب يبث الأمل، ويحض على البناء والعمل وإعادة الإعمار المادي والروحي. إن "إعمار الأرض" هو المهمة الأولى للإنسان المستخلف، كما قال تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" (هود: 61). فليكن خطابنا معبراً عن هذا الاستخلاف العمراني.
  2. تأسيس "فقه المواطنة" من داخل المنظومة المقاصدية:
    التأكيد على أن مقاصد الشريعة من العدل والحرية والمساواة والكرامة هي الأساس المتين الذي يمكن أن يلتقي عليه السوريون جميعا لبناء عقد اجتماعي جديد. هذه القيم لن تكون مستوردة من خارج المنظومة الإسلامية، بل هي لباب الدين وروحه. وهي التي تصلح أن تكون أرضية مشتركة للجميع في سورية الجديدة.
  3. إحياء "فقه الائتلاف" وتأخير "فقه الاختلاف":
    في زمن التأسيس، يصبح البحث عن المشتركات ومواطن الإجماع أولى من استعراض الخلافات الفقهية والفكرية الموجودة والمتوفرة بشكل غني وكبير. يجب أن نتعلم أن نقول "نعم" للمشترك الوطني، وأن نؤجل ما فيه خلاف إلى حين استقرار السفينة. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى في خطابه الجامع ما يؤلف القلوب، ويتجنب ما يفرق الصفوف.
  4. الاجتهاد في "فقه المصالح المرسلة" لإيجاد صيغة الحكم المناسبة:
    لم تحدد الشريعة شكل الدولة ونظام الحكم تفصيلاً، بل تركت ذلك للمصالح المرسلة التي تختلف باختلاف الزمان والمكان. إن علينا اليوم واجب الاجتهاد لإيجاد صيغة الحكم التي تحقق أعلى مصلحة لسورية، وتضمن كرامة مواطنيها ومساواتهم وعدالة توزيع الموارد والسلطة، وليس بالضرورة أن تكون نسخة طبق الأصل من تجارب تاريخية سابقة. وهنا تدخل دراسة "من الأيديولوجيا إلى العمران بعد المرحلة الانتقالية" والمنشورة بموقع تيار المستقبل السوري، لتشكل إطاراً فكرياً مرشدا لهذا الاجتهاد.

خاتمة:

في الختام، إن "فقه التأسيس" الذي ندعو إليه هو فقه ينظر إلى المستقبل بعين الأمل، وليس بعين الخوف. إنه فقه يدرك أن حفظ الدين لا يكون بالانكفاء على الذات، بل بالانفتاح على الناس كافة، باذلاً للخير، داعياً بالحكمة، ومشاركا في بناء وطن يسع الجميع.
إن تيار المستقبل السوري، وهو يتبنى رؤية "الإسلام الحضاري"، يرى أن مهمة رجال الدين والمفكرين في هذه اللحظة التاريخية ليست إصدار الفتاوى المسكنة للآلام العابرة، إن مهمتهم هي المشاركة في تأسيس الوعي الجديد الذي يستطيع أن يحول المحنة إلى منحة، والدمار إلى بناء، والفرقة إلى وحدة. وهذا هو الجهاد الأكبر اليوم: جهاد بناء الإنسان والوطن، في أفق حفظ الدين.

المراجع:

  • تيار المستقبل السوري، من الأيديولوجيا إلى العمران بعد المرحلة الانتقالية، 1 مايو 2026م.
  • الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى. (د.ت). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: عبد الله دراز. القاهرة: دار إحياء الكتب العربية.ابن عاشور، محمد الطاهر. (2004).
  • مقاصد الشريعة الإسلامية. تحقيق: محمد الحبيب ابن الخوجة. قطر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
  • الريسوني، أحمد. (1992). نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ط. 2). الرياض: الدار العالمية للكتاب الإسلامي.ا لوكيلي، محمد. (1997).
  • فقه الأولويات: دراسة في الضوابط. فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
  • عبد الرحمن، طه. (2012). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية (ط. 1). الدار البيضاء/بيروت: المركز الثقافي العربي.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تقرير أممي يحذر من بقاء تهديد "داعش"

تحليل لتقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن داعش وخطورته المستمرة على الأمن في المنطقة.

14 أغسطس 2026

إدارة الموقع

التعاون القضائي السوري العراقي

زيارة رئيس مجلس القضاء العراقي إلى دمشق وأثرها في تعزيز التعاون القضائي بين العراق وسوريا.

14 أغسطس 2026

إدارة الموقع