في الثامن عشر من تموز/يوليو من كل عام، يحتفل العالم بـ اليوم الدولي لنيلسون مانديلا، تكريماً لرجل لم يكن مجرد رئيسٍ لجنوب أفريقيا، بل أصبح رمزاً عالمياً للانتقال من الصراع إلى الدولة، ومن الانتقام إلى العدالة، ومن الانقسام إلى المصالحة الوطنية.
لكن استحضار مانديلا لا ينبغي أن يكون احتفالاً بشخصه، بقدر ما هو مناسبة لإعادة قراءة الأفكار التي حملها، واختبار مدى صلاحيتها في الدول الخارجة من النزاعات، وفي مقدمتها سورية، التي تقف اليوم أمام واحدة من أعقد مراحل إعادة بناء الدولة بعد عقودٍ من الاستبداد وسنواتٍ طويلة من الحرب.
إن من أشهر ما نُسب إلى نيلسون مانديلا قوله: "الحرية لا تعني مجرد التخلص من القيود، بل أن نعيش بطريقة تحترم وتعزز حرية الآخرين."
وهذه العبارة تكاد تختصر التحدي السوري الراهن! فسقوط الاستبداد لا يعني تلقائياً قيام الدولة، كما أن إسقاط النظام لا يساوي بالضرورة بناء النظام السياسي الجديد.
فالحرية التي لا تتحول إلى مؤسسات، ودستور، وقانون، وعدالة، قد تتحول إلى صراع جديد بين قوى متنافسة، لكل منها فهمها الخاص لمعنى التحرير.
ولهذا فإن المرحلة التالية للتحرير غالباً ما تكون أصعب من التحرير نفسه.
ولعل أهم ما تعلمنا إياه تجربة مانديلا أن حركات التحرر قد تنجح في إسقاط الأنظمة، لكنها لا تنجح تلقائياً في إدارة الدول.
فهناك فرق جوهري بين شرعية الثورة وشرعية الدولة! فالأولى تُبنى على التضحية والنضال، أما الثانية فتُبنى على الدستور والمؤسسات وسيادة القانون.
والتاريخ مليء بحركات تحرر عظيمة تعثرت عندما انتقلت من ميدان الثورة إلى ميدان الحكم، لأنها لم تدرك أن أدوات إسقاط النظام ليست هي ذاتها أدوات بناء الدولة.
ومن أكثر مقولات مانديلا عمقاً: "الاستياء يشبه شرب السم ثم انتظار أن يموت عدوك."
ولم يكن يقصد بهذه العبارة إلغاء العدالة أو التغاضي عن الجرائم، بل كان يفرّق بين العدالة والانتقام.
وهذه إحدى أهم الإشكاليات التي تواجه سورية اليوم، فالمجتمع السوري لا يستطيع بناء مستقبله على ثقافة الثأر، كما لا يستطيع بناءه على تجاهل الجرائم.
ولهذا تصبح العدالة الانتقالية الطريق الوحيد الذي يحقق معادلة صعبة تقوم على محاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإنصاف الضحايا، ومنع تكرار الانتهاكات، مع الحفاظ على وحدة المجتمع والدولة.
وهنا يقول مانديلا: "الشجاعة ليست غياب الخوف، وإنما الانتصار عليه."
وهذه المقولة تنطبق على الدول كما تنطبق على الأفراد.
فبناء الدولة بعد الحرب يتطلب شجاعة سياسية في اتخاذ قرارات قد لا تكون شعبية، لكنها ضرورية لبناء المستقبل، ومنها: بناء مؤسسات مستقلة، واحترام القانون، وإطلاق الحياة السياسية المنظمة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبدأ المواطنة.
إن اسم مانديلا غالباً ما يرتبط بشخصه، لكن نجاح جنوب أفريقيا لم يكن نتيجة وجود قائدٍ استثنائي فقط، وإنما نتيجة انتقال القيادة إلى مؤسسات دستورية قادرة على الاستمرار بعد رحيله.
وهنا تبرز إحدى أهم الدروس لسورية، وهي أن الدول لا تُبنى بالزعامات وحدها، بل بالمؤسسات القادرة على إدارة الاختلاف، وتنظيم تداول السلطة، وحماية الحقوق والحريات.
واليوم، بينما تتجه سورية نحو إعادة تشكيل مؤسساتها، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في اختيار الأشخاص، بل في بناء قواعد الحكم الرشيد التي تجعل بقاء الدولة غير مرتبط ببقاء أي مسؤول.
فالدول القوية تُقاس بقوة مؤسساتها، لا بقوة قادتها، وبقدرتها على تصحيح أخطائها عبر القانون، لا عبر تغيير الأشخاص.
نعم، إن الرهان على الأشخاص قد يصنع انتصاراً مؤقتاً، أما الرهان على المؤسسات فهو الذي يصنع الاستقرار.
ومن أشهر كلمات مانديلا: "التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم."
ولعل هذا الدرس يكتسب أهمية مضاعفة في الحالة السورية؛ فإعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحديد فقط، وإنما بإعادة بناء الإنسان، وتأهيل المدارس والجامعات، وإطلاق البحث العلمي، وتنمية ثقافة الحوار، وصناعة جيل يؤمن بالدولة أكثر من إيمانه بالأشخاص.
ومما قاله مانديلا أيضاً: "القائد الحقيقي هو الذي يترك الآخرين يعتقدون أنهم هم الذين أنجزوا العمل."
وهو تعريف عميق للقيادة الديمقراطية، التي لا تقوم على صناعة الفرد الملهم، بل على تمكين المجتمع، وتوزيع المسؤوليات، وإطلاق المبادرات.
وإذا كان مانديلا قد انتصر على نظام الفصل العنصري، فإن التحدي السوري مختلف، لكنه لا يقل تعقيداً.
فالمطلوب اليوم ليس فقط تجاوز آثار الحرب، بل تأسيس عقد اجتماعي جديد يقوم على سيادة القانون، والمواطنة المتساوية، والعدالة الانتقالية، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية المسؤولة، وبناء مؤسسات قوية تتقدم على الأشخاص.
إن أعظم ما تركه نيلسون مانديلا للعالم لم يكن انتصاره على نظام الفصل العنصري فحسب، بل إثباته أن بناء الدولة أصعب من إسقاط النظام، وأن التسامح لا يُلغي العدالة، وأن المصالحة لا تعني نسيان الحقوق، وأن الحرية لا تكتمل إلا بقيام مؤسسات تحميها.
وسورية اليوم ليست بحاجة إلى استنساخ تجربة جنوب أفريقيا، فلكل دولة خصوصيتها، لكنها بحاجة إلى استلهام دروسها الكبرى، بأن الحرية مسؤولية، وأن العدالة أساس المصالحة، وأن المؤسسات هي الضمانة الحقيقية لاستقرار الأوطان.
وإذا كانت سورية قد طوت صفحةً سوداء من تاريخها، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو كيف نكتب الصفحة التالية بحيث لا يضطر السوريون إلى إعادة قراءة المأساة مرة أخرى.