غربة جديدة لأهالي ريف الحسكة

تمهيد:

لم تنتهِ رحلة المعاناة في ريف الحسكة بانتهاء الحرب، بل تبدلت أسبابها واستحكمت حلقاتها.
فاليوم، تغادر عشرات الأسر قرىً كانت مأهولةً بالحياة، متجهة إلى محافظات سورية أخرى أو إلى لبنان، ليس هروباً من القتال، بل بحثاً عن حياة باتت أبسط مقوماتها غائبة.
في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً، تعيش قرى ريف الحسكة على مقربة من آبار النفط والغاز، بينما يفتقر سكانها إلى أبسط الخدمات من ماء وكهرباء وطرق، ويواجهون واقعاً معيشياً يدفعهم إلى التفكير بالرحيل، رغم تمسكهم بأرضهم وانتمائهم إليها.
في مكتب شؤون الأسرة في تيار المستقبل السوري، نؤمن بأن استقرار الأسرة يبدأ من استقرار المكان الذي تعيش فيه.
فلا يمكن الحديث عن بناء سورية الجديدة بينما ما تزال مناطق كاملة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات وفرص العيش الكريم.
هذا المقال يحاول تشخيص أبعاد هذه الظاهرة، ومسبباتها، وتداعياتها الإنسانية والوطنية، انطلاقاً من مسؤوليتنا تجاه قضايا الأسرة السورية واستقرارها.

أولاً، أرقام تتحدث بصوت الرحيل:

تشهد مناطق واسعة من الخط الجنوبي الغربي لمحافظة الحسكة، الممتد من أرياف جبل عبد العزيز وصولاً إلى بلدتي الشدادي والمركدة، تزايداً ملحوظاً في حركة هجرة السكان.
وتكشف الأرقام الرسمية حجم المأساة المتفاقمة، فقد تجاوز عدد الأسر التي هاجرت من محافظة الحسكة إلى ريف دمشق، وتحديداً منطقة عدرا الصناعية، أكثر من 2000 أسرة، في حين توجهت نحو 800 أسرة إلى محافظة درعا، وتوزعت قرابة 2000 أسرة أخرى بين محافظات طرطوس وحمص وإدلب، ليصل العدد الإجمالي للأسر المهاجرة من أرياف الحسكة إلى نحو 5000 أسرة.
ووفقاً لتصريح مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة الحسكة، إبراهيم خلف، فإن ظاهرة الهجرة من الحسكة شهدت تصاعداً كبيراً خلال عامي 2025 و2026، ولا تزال مستمرة بوتيرة متزايدة، وسط توقعات بارتفاعها بشكل أكبر في حال عدم معالجة الأسباب الجذرية التي تدفع السكان إلى مغادرة قراهم. ويشير خلف إلى أن العامل الاقتصادي بات المحرك الرئيسي للهجرة، إذ تشكل الأسباب الاقتصادية أكثر من 95% من حالات النزوح الريفي.

ثانياً، أسباب الدفع:

تعود جذور هذه الهجرة إلى عوامل متراكمة تمتد لعقود، بدأت مع سنوات الجفاف التي ضربت المنطقة منذ عام 2008، وأدت إلى تراجع الإنتاج الزراعي وفقدان كثير من الأسر لمصادر دخلها المرتبطة بالزراعة والثروة الحيوانية.

لكن الأزمة تفاقمت مع مرور السنين، لتشمل مجموعة من العوامل المتشابكة:

الجفاف وتغير المناخ: فقد تصدّر الجفاف في سورية خلال موسمي 2024-2025 واجهة المخاوف اليومية للسوريين، بعدما تحول من ظاهرة مناخية متكررة إلى أزمة تهدد أسس الحياة في البلاد، كما أدى الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة، وتراجع الهطولات المطرية والثلجية، إلى انخفاض خطير في الموارد المائية، انعكس مباشرةً على الزراعة والثروة الحيوانية.
وتسبب هذا الجفاف بخسائر كبيرة للمزارعين ومربي المواشي، في وقت أصبحت فيه الزراعة بالنسبة لكثير من الأسر مشروعاً خاسراً في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل غير مسبوق.

غياب فرص العمل وتراجع الخدمات: إن قلة فرص العمل صارت من أبرز المشكلات التي تواجه سكان المنطقة، كما إن كثيراً من الشباب لم يعودوا يجدون خيارات متاحة للبقاء في قراهم، والشاب الذي لا يجد عملاً يضطر للبحث عن فرصة في مكان آخر، حتى لو كان ذلك يعني ترك أهله ومنطقته، وقد أشار كثير منن قابلناهم من بلدة العريشة جنوب الحسكة، إلى أن عدداً من أسر المنطقة توجهت للعمل في محافظات سورية أخرى، ولا سيما في الأعمال الزراعية والمهن الحرة، في حين اختار آخرون السفر إلى لبنان للعمل رغم الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد.
وإلى جانب نقص فرص العمل، تحدث الأهالي عن تراجع مستوى الخدمات الأساسية في المنطقة، معتبرين أن ذلك زاد من صعوبة الحياة اليومية.

تداعيات اتفاق 29 يناير 2026: يشكو أهالي المكون العربي في محافظة الحسكة من انعكاسات سلبية تطالهم بسبب طريقة تنفيذ اتفاق 29 يناير 2026، الذي ينص على دمج مؤسسات "الإدارة الذاتية" الكردية في الحكومة السورية.
فبعد توقيع الاتفاق وبدء تنفيذه، ترك أعداد كبيرة من أبناء العشائر العربية صفوف "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والتزموا منازلهم، لكنهم لم يحصلوا على فرص تطوع في وزارتي الداخلية والدفاع، كما حصل مع مسلحي قسد الأكراد، ما أدى إلى تدهور أوضاعهم المعيشية ودفع كثيراً من الأسر إلى التفكير بالهجرة.
وتتركز الهجرة بشكل رئيسي في منطقة جبل عبد العزيز وريف مدينة الشدادي ومنطقة تل حميس جنوب الحسكة.

ثالثاً، الهجرة الموسمية:

لم تقتصر الهجرة على الانتقال الدائم، بل اتخذت شكلاً موسمياً يمتد لعقود، فمنذ أكثر من عشرين عاماً، تشكل تكتلات عشائرية من أهالي الجزيرة ودير الزور والرقة، تقيم في خيام على الأراضي الزراعية في حوران وريف دمشق، للعمل في القطاع الزراعي.
وتشير تقارير حديثة إلى أن هذه الظاهرة تحولت إلى ضغط على سوق العمل الزراعي في درعا، حيث يعيش العمال الوافدون من شمال شرقي سوريا في مخيمات أقيمت على أطراف البلدات وبالقرب من المشاريع الزراعية.
ويعاني هؤلاء العمال من ظروف إنسانية قاسية، في ظل غياب مياه الشرب والمرافق الصحية والخدمات الأساسية.
كما ويتقاضى العامل الواحد في بعض الأحيان 70 ليرة سورية جديدة للساعة الواحدة، أي نحو نصف دولار، في حين لا تتجاوز ساعات العمل في بعض الأيام ثلاث ساعات.
وقد حذّر مدير الشؤون الاجتماعية في الحسكة من أن استمرار هذه الظاهرة سيؤدي إلى تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي في سورية، خاصة وأن المحافظة تُعد من أهم المناطق الزراعية في البلاد.

رابعاً، المأساة الصامتة:

لكن الوجه الأكثر إيلاماً لهذه الهجرة يكمن في تداعياتها على الأطفال.
ففي درعا وحوران، يعيش أبناء العائلات المهاجرة في خيام، محرومون من التعليم والرعاية الصحية.
والأكثر خطورة أن هؤلاء الأطفال ممنوعون من التسجيل في سجلات النفوس في درعا، ويُطلب منهم تسجيل أوضاعهم في الحسكة، مما يؤدي إلى بقاء كثير منهم دون أوراق ثبوتية أو شهادات ميلاد.
وتشير تقارير حقوقيةجحخك إلى أن استمرار إغلاق دوائر الأحوال المدنية في شمال شرق سورية يُشكّل أزمة حقوقية بنيوية تمسّ جوهر الحق في الهوية.
فمنذ الثامن من ديسمبر 2024، يعجز السوريون عن إنجاز أي معاملة تتعلق بالأحوال المدنية (النفوس)، جرّاء توقف مديرية "الشؤون المدنية".
ومع استمرار هذه الممارسات، يجد أطفال بأكملهم أنفسهم خارج نطاق الدولة، بلا هوية تحميهم، ولا مدرسة تؤويهم، ولا مستقبل ينتظرهم.

خامساً، الأثر الديموغرافي والاقتصادي:

لا تقتصر تداعيات الهجرة على الأسر المهاجرة وحدها، بل تمتد لتشمل القرى التي تغادرها هذه الأسر، والمحافظات التي تستقبلها، وسوق العمل الزراعي برمته.
فمع استمرار نزوح الأسر، تتحول القرى في ريف الحسكة إلى قرى شبه فارغة، وتتراجع الزراعة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد المحلي.
ويؤكد الأهالي أن استمرار هذا الواقع "يؤثر على القرى"، إذ تغادر أعداد من الشباب بشكل متواصل، ما يترك أثراً على الأسر التي تعتمد على أبنائها في تأمين المصاريف اليومية.
وفي المقابل، تشكل تدفقات الهجرة ضغطاً على المحافظات المستقبلة، خاصة درعا وريف دمشق، حيث تتنافس الأيدي العاملة الوافدة مع السكان المحليين على فرص العمل في القطاع الزراعي.
وتشير تقارير إلى أن وجود العمال الوافدين في المخيمات الزراعية أدى إلى "ضغط على سوق العمل الزراعي في درعا"، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي نفسه من تداعيات الجفاف وتراجع الإنتاج.

سادساً، استقرار الأسرة يبدأ باستقرار المكان:

نؤمن في مكتب شؤون الأسرة في تيار المستقبل السوري بأن استقرار الأسرة يبدأ من استقرار المكان الذي تعيش فيه.
فلا يمكن الحديث عن بناء سورية الجديدة بينما ما تزال مناطق كاملة تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات وفرص العيش الكريم.
و إن تنمية الأرياف، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وخلق فرص العمل، ليست وعوداً مؤجلة، بل استحقاقات وطنية تحفظ كرامة المواطن وتعزز وحدة المجتمع.

وفي ضوء ذلك، نوصي بما يلي:

أولاً: معالجة الأسباب الاقتصادية الجذرية، و إطلاق برنامج طوارئ لدعم الفلاحين ومربي المواشي في ريف الحسكة، يشمل توزيع البذور المقاومة للجفاف، وتأمين الأعلاف بأسعار مدعومة، وإعادة تأهيل الآبار الزراعية وشبكات الري.


ثانياً: إعادة تأهيل البنية التحتية، والعمل على تحسين الطرق، وتأمين التيار الكهربائي، وتوفير مياه الشرب النظيفة، وإعادة تأهيل المرافق الصحية والمدارس في القرى المتضررة، لتشجيع الأسر على البقاء في أراضيها.


ثالثاً: حل أزمة التسجيل المدني، والعمل على تسهيل إجراءات تسجيل المواليد في مكان الإقامة الفعلي، بدلاً من إجبار الأسر على العودة إلى الحسكة لإتمام المعاملات، وإنشاء مكاتب متنقلة للأحوال المدنية في مناطق التجمعات السكانية المهاجرة، لضمان حصول كل طفل على هويته وحقه في التعليم والرعاية الصحية.


رابعاً: دمج أبناء العشائر العربية في مؤسسات الدولة، ومعالجة الآثار السلبية لاتفاق 29 يناير 2026 على أبناء المكون العربي، من خلال توفير فرص تطوع عادلة في وزارتي الداخلية والدفاع، وضمان تمثيلهم في مؤسسات الدولة الجديدة، بما يعزز العدالة ويحد من مشاعر التهميش التي تغذي الهجرة.


خامساً: إنشاء صندوق دعم للتنمية الريفية، و تخصيص ميزانية مستقلة لدعم المشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر في ريف الحسكة، لتوفير فرص عمل بديلة للشباب، والحد من نزوحهم إلى المحافظات الأخرى أو خارج البلاد

خاتمة:

إن أبناء ريف الحسكة لا يطلبون أكثر من حقهم في البقاء على أرضهم بكرامة.
فكل أسرة تغادر قريتها تعني طفلاً يبتعد عن مدرسته، وشاباً يفقد فرصته في بناء مستقبله، وقريةً تخسر جزءاً من حياتها، ووطناً يفقد جزءاً من نسيجه الاجتماعي واقتصاده الزراعي.
وعندما يصبح هذا الحق واقعاً، وعندما تتحول القرى السورية إلى بيئة للحياة والإنتاج لا محطةً للرحيل، عندها فقط يمكن القول إن طريق التعافي الحقيقي قد بدأ.

شاركها على:

اقرأ أيضا

جلسة حوارية حول التحديات المجتمعية وتعزيز الوحدة

جلسة حوارية تتناول التحديات المجتمعية وتعزيز الوحدة بين أبناء المجتمع السوري من خلال تبادل الأفكار والحلول.

13 يوليو 2026

إدارة الموقع

فاجعة غرق العبارة في نهر الفرات بدير الزور

فاجعة غرق العبارة في نهر الفرات بدير الزور تثير مشاعر الحزن وتعكس محنة المدنيين في المنطقة.

13 يوليو 2026

إدارة الموقع