مقدمة:
شكّلت سورية خلال العقدين الأخيرين ساحة مركزية لصراعات إقليمية ودولية متشابكة، تداخل فيها المشروعان الروسي والإيراني مع حسابات الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل ودول عربية عديدة.
ومع التحولات المتسارعة في الإقليم، والحرب الجارية ضد إيران، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف موقع سورية ودورها، انطلاقاً من منظور وطني يرفض اختزال البلاد في كونها مجرد ورقة في صراع القوى الكبرى، ويضع في المقابل تصوراً لسورية كدولة مستقلة موحّدة، ذات دور عازل واستقرار إقليمي، لا منصة تهديد أو ابتزاز.
سورية في الإستراتيجيات الروسية والإيرانية:
احتلت سورية موقعاً محورياً في العقيدة الجيوسياسية لكل من روسيا وإيران.
بالنسبة لروسيا، تمثّل القواعد العسكرية على الساحل السوري الحلقة الرابطة بين نفوذها في البحر الأسود وقدرتها على الوصول الدائم إلى المتوسط، ومنه إلى مسارح عمليات أخرى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
أما إيران فقد تعاملت مع سورية بوصفها عقدة أساسية في "محور" يمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت، واعتبرت تثبيت نفوذها العسكري والأمني فيها شرطاً لاستمرار مشروعها الإقليمي.
نتيجة ذلك، تحولت الأرض السورية إلى حقل تجارب للقدرات العسكرية الروسية والإيرانية، وإلى منصة لتوظيف الميليشيات العابرة للحدود، على حساب سيادة الدولة ووحدة المجتمع.
ولهذا، لا يمكن قبول أي تسوية مستقبلية من منظور وطني سوري، تُبقي لسورية وظيفة "الممر" أو "المنصة" ضمن عقيدة قوة خارجية، أياً كانت.
الحرب الجارية ضد إيران:
تُغيّر الحرب الجارية ضد إيران معادلات القوة في الإقليم، وتضعف تدريجياً قدرة طهران على تمويل وإدارة شبكاتها العسكرية والأمنية المنتشرة في عدة بلدان، ومن ضمنها سورية.
يحمل هذا التطور بُعدين متناقضين بالنسبة للسوريين:
من ناحية أولى، يوفّر فرصة تاريخية للضغط من أجل إنهاء الوجود العسكري والأمني الإيراني في سورية، دون رجعة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة بعيداً عن هيمنة الحرس الثوري والميليشيات التابعة له وتأثيراتها.
من ناحية ثانية، يهدد بتحويل سورية مرّة أخرى إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، إذا غاب الفاعل الوطني القادر على صياغة رؤية واضحة لكيفية إدارة مرحلة ما بعد إيران، ومنع ملء الفراغ بنفوذ خارجي آخر أو بإعادة تدوير شبكات الاستبداد القديمة.
من هنا، يصبح المطلوب رؤية سورية استباقية، تربط بين إنهاء النفوذ الإيراني وبين منع إعادة إنتاج وصاية روسية أو غير روسية، وتضع معيار المصلحة الوطنية فوق حسابات المحاور. وحدة سورية بين تنافس القوى الإقليمية:
أفرزت السنوات الماضية خرائط نفوذ متداخلة لعدة قوى إقليمية داخل سورية، وعلى رأسها تركيا وإسرائيل.
ففي الشمال السوري، تمتلك تركيا حضوراً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً مؤثراً، يرتبط بأمن حدودها وبملف اللاجئين والأمن القومي.
في المقابل، تنظر إسرائيل إلى أي ترتيبات في الجنوب والشرق السوريين من منظور منع إعادة تموضع قوى معادية على خطوط التماس المباشرة معها.
وإذا جرى تثبيت واقع التقسيم الفعلي أو الفدرلة الصلبة، فإن سورية ستتحول إلى ساحة منافسة مفتوحة بين هذه القوى، مع قابلية عالية لتكرار أنماط "المناطق العازلة" و"الأحزمة الأمنية" التي تقضم من سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
ولهذا، فإن المقاربة الوطنية المطلوبة تنطلق من:
التمسك بوحدة الأراضي السورية ورفض أي مشاريع تقسيم أو صيغ تُستخدم فيها حماية الأقليات أو ضرورات الأمن القومي للدول المجاورة ذريعة لتكريس كيانات فرعية دائمة.
الانفتاح على ترتيبات أمنية متوازنة مع دول الجوار، تعترف بمخاوفها المشروعة، لكنها تضمن في الوقت نفسه أن تكون سورية طرفاً مفاوضاً لا مجرد موضوع تفاهمات ثنائية تُعقد من فوق رأسها. الوجود الروسي بين الأمر الواقع ومتطلبات السيادة:
رغم تغير الظروف الدولية وتقييد القدرات الروسية في جبهات أخرى، لا يزال لروسيا حضور عسكري وسياسي مهم في سورية، يتمثل في قواعد عسكرية على المتوسط وشبكات نفوذ داخل بعض مؤسسات الدولة.
والتعامل مع هذا الواقع ينبغي أن يقوم على مبدأين متكاملين:
الاعتراف بأن إنهاء أي وجود عسكري أجنبي يحتاج إلى مسار متدرج، مرتبط بإعادة بناء المؤسسات الوطنية القادرة على تولي وظائف الأمن والدفاع، وبضمانات إقليمية ودولية لأمن المتوسط والجوار.
رفض تكريس دور لأي قوة خارجية بوصفها "ضامناً وحيداً" لأمن مناطق بعينها (كالساحل مثلاً) تحت عنوان حماية الأقليات، لأن هذا المنطق يسهم في شرعنة الوصاية السياسية والعسكرية، ويغذي في الوقت نفسه مخاوف باقي المكوّنات.
بعبارة أخرى، الهدف هو انتقال من واقع "الشريك القسري" إلى واقع دولة ذات سيادة تُدار علاقاتها الخارجية وفقاً لعقيدة مصلحة وطنية واضحة، لا عبر ثنائية التبعية أو القطيعة. من مقاربة القوى الكبرى إلى إستراتيجية وطنية سورية:
كثير من التحليلات الدولية تنظر إلى سورية اليوم بوصفها ساحة اختبار لقدرة القوى الكبرى على إدارة صراعها في عالم يميل أكثر نحو التعددية القطبية.
من منظور سوري، يمكن الاستفادة من هذا الاهتمام الدولي بشرط قلب زاوية الرؤية:
بدلاً من سؤال "كيف تُستخدم سورية لإضعاف هذه القوة أو تلك؟"، ينبغي طرح سؤال "كيف تُسخّر تناقضات القوى الخارجية لخدمة مشروع دولة سورية موحدة، ديمقراطية، ذات سيادة كاملة؟".
تقتضي هذه الرؤية:
تقاطعاً مشروطاً مع سياسات بعض الدول حين تصبّ في اتجاه إنهاء الاحتلالات الأجنبية ومنع عودة نموذج الاستبداد الأمني.
استقلالاً واضحاً عن الاصطفاف في محاور مفتوحة، بحيث لا تتحول القوى الوطنية السورية إلى وكلاء عن إرادات خارجية متصارعة. مبادئ وتوصيات لسياسة سورية مستقبلية:
استناداً إلى ما سبق، نوصي بتيار المستقبل السوري بمجموعة من المبادئ والتوجهات العملية لصياغة سياسة سورية خارجية وأمنية في المرحلة المقبلة، من بينها:
- مبدأ إنهاء الوجود العسكري والأمني الأجنبي، من خلال:
- العمل على جدول زمني واقعي لخروج جميع القوات والميليشيات الأجنبية غير الشرعية، ربطاً بإعادة بناء مؤسسات الجيش والأمن على أسس وطنية، وبضمانات دولية وإقليمية.
- رفض مقايضة نفوذ خارجي بآخر، والتشديد على أن معيار القبول أو الرفض هو مدى احترام سيادة الدولة ووحدة أراضيها.
- إعادة بناء الدولة على قاعدة المواطنة وحقوق المكوّنات تتضمن:
- تطوير إطار دستوري وقانوني يضمن الحقوق السياسية والثقافية لكافة المكوّنات، بما يقطع الطريق أمام استغلال ورقة الأقليات للتدخل الخارجي.
- ربط أي ترتيبات أمنية أو لا مركزية إدارية بمنظومة حقوق مواطنة متساوية، وليس بمنطق الحصص الطائفية أو الإثنية.
سياسة متوازنة تجاه دول الجوار عبر:
- بناء علاقة شراكة قائمة على المصالح المتبادلة مع دول الجوار، وخاصة تركيا والعراق والأردن ولبنان، تعالج ملفات الأمن واللاجئين والطاقة والتجارة بشكل متكامل.
- طمأنة الجوار إلى أن سورية المستقبل لن تكون منطلقاً لتهديد أمن أي دولة، مقابل اعتراف واضح بسيادة سورية على كامل أراضيها ورفض أي مناطق نفوذ دائمة.
- ربط إعادة الإعمار بالسيادة والشفافية من خلال:
- اعتماد نموذج لإعادة الإعمار يضمن الشفافية والرقابة، ويمنع تحوّل المشاريع الاقتصادية الكبرى إلى أدوات لاستتباع القرار الوطني لمحاور خارجية.
- إشراك السوريين في الداخل والمهجر في صياغة أولويات الإعمار، بما يعزز الانتماء للدولة ويحد من هجرة العقول ورأس المال البشري.
خاتمة:
إن التحولات الجارية في الإقليم والعالم، بما في ذلك الحرب ضد إيران وتبدل موازين القوى الدولية، تضع سورية أمام مفترق طرق تاريخي جديد.
إما أن تبقى ساحة لتصفية الحساب بين القوى الكبرى والإقليمية، وإما أن تستثمر هذه اللحظة لإعادة بناء دولة وطنية حديثة، تُنهي عقوداً من الاستبداد والوصاية، وتؤسس لدور سوري فاعل في محيطه العربي والإقليمي.
وتحقيق الخيار الثاني يتطلب إرادة سياسية سورية مستقلة، ورؤية إستراتيجية قادرة على إدارة التناقضات الخارجية، لا الارتهان لها، وعلى تحويل موقع سورية الجغرافي من عبء إلى مصدر قوة لصالح شعبها ومستقبل أجيالها.