الخطاب الديني في سورية بين مقاصد الشريعة ومتغيرات المرحلة الانتقالية

قراءة أصولية نقدية في ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي

تمهيد:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

أولا، نظراً لأهمية الدقة المصطلحية في هذه الدراسة، نُعرف موجزاً بأهم المصطلحات الأصولية الواردة:

  • المقاصد الشرعية: المعاني والحكم الملحوظة في الشريعة في أحكامها كلها أو معظمها، والتي تهدف إلى حفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العقل، النسل، المال) .
  • السياسة الشرعية: تدبير شؤون الدولة الإسلامية بما يحقق المصالح ويدفع المفاسد، ضمن إطار الشريعة ومبادئها العامة، فيما لا نص فيه .
  • فقه الاستضعاف: الأحكام والاجتهادات المناسبة لمرحلة ضعف الدولة وقلة التمكين .
  • فقه التمكين: الأحكام والاجتهادات المناسبة لمرحلة استقرار الدولة وقدرتها على تطبيق الأحكام .

ثانياً سياق المقال:

فإن شهر رمضان المبارك لهذا العام 1447هـ يأتي في سورية وقد أشرقت شمس الحرية بعد عقود من الظلم والجور، ليصادف مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، مرحلة الانتقال من دولة الاستبداد التي كانت تتاجر بالدين وتوظفه لخدمة سلطانها، إلى دولة يسعى القائمون عليها إلى تأسيس خطاب ديني جديد يضبط علاقة الديني بالسياسي على قواعد من الشرع والمصلحة.

وهذه الدراسة تسعى إلى مقاربة موضوع "ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي" الذي أطلقته وزارة الأوقاف السورية في 16 فبراير 2026 ، وذلك من منظور أصولي فقهي نقدي، يراعي مقاصد الشريعة، ويستحضر قواعد الاجتهاد في النوازل، مع ذكر النصوص الشرعية والضوابط الفقهية التي تحكم مثل هذه القضايا الكبرى، مع الاعتراف بمواطن الخلاف والقوة والضعف في هذا المشروع الطموح.

المبحث الأول، وحدة الخطاب بين تأصيل الوحدة وإدارة التنوع:

أولاً، التأصيل الشرعي للتنوع المذهبي:

من المقرر في علم أصول الفقه أن الشريعة الإسلامية قامت على أصول كلية لا تقبل التعدد والاجتهاد، كوجوب التوحيد، وحرمة الدماء، ووجوب العدل. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ} [النساء: 135].
وهذه أصول مجمع عليها.
أما الفروع الاجتهادية، فقد قرر الأصوليون قاعدة عظيمة: "لا إنكار في مسائل الاجتهاد"، أي لا إنكار على من خالف مذهباً اجتهادياً سائغاً. وقال الإمام النووي في المجموع: "فرع: في مذاهب العلماء في المسألة إذا كانت مختلفاً فيها هل ينكر على من خالف مذهبه؟ الجواب: الذي ذهب إليه المحققون أنه لا إنكار في المسائل المختلف فيها، لكن مع بيان أن مذهبنا كذا، ودليله كذا، ومن تأول شيئاً فأخطأ لا إنكار عليه".
وقد نص الميثاق السوري الجديد على "اعتبار تنوع الاجتهادات وتعدد المدارس سنة ربانية لا يجوز أن تكون سبباً للتنازع أو الإقصاء" . وهذا الكلام موافق لقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، وقوله أيضاً: {وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةࣰ وَاحِدَةࣰ وَلَـٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِی مَاۤ ءَاتَىٰكُمۡۚ فَٱسۡتَبِقُوا۟ ٱلۡخَیۡرَاتِ} [المائدة: 48].

ثانياً، الجمع بين السلفية والأشعرية – قراءة نقدية:

اللافت في الميثاق الجديد وتشكيلة مجلس الإفتاء الأعلى أنه ضم علماء من مدرستين مختلفتين: المدرسة السلفية والمدرسة الأشعرية (الماتريدية)، على اعتبار أنهما المدرستان السوريتان الأكثر فاعلية لأغلبية المسلمين المتدينين السوريين، واللتين كانت بينهما خصومة تاريخية.
وهذا الجمع وإن كان طموحاً في ظاهره، إلا أنه يثير إشكالات أصولية تحتاج إلى معالجة دقيقة.
فمن جهة الإيجاب: يمكن تأصيل هذا الجمع بقاعدة فقهية عظيمة، وهي قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، فإن الدخول في الخلافات الكلامية في هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة -والبلاد تخرج من حرب طاحنة- مفسدة راجحة على أي مصلحة مرجوة من إحياء تلك الخلافات.
وقد أشار إلى هذه المقاربة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع حين قال: "لسنا في حالة رفاهية للدخول في خلافات فكرية تعود لقرون طويلة" .

وأما من جهة النقد، فيبقى السؤال الإشكالي مطروحاً: هل الجمع بين هذه المدارس على مستوى القيادة الدينية يعني بالضرورة وحدة على مستوى القاعدة الشعبية؟
أم أنه قد يخلق صراعات جديدة عندما تنتقل هذه المصالحة المؤسساتية إلى أرض الواقع في المساجد والمجالس العلمية؟.
كما أن الميثاق لم يوضح موقفه من القضايا الخلافية الكبرى (كالتوسل، والشفاعة، وزيارة القبور)، هل تم تجاوزها أم تأجيلها أم حسمها؟
وهذا الغموض قد يشكل تحدياً مستقبلياً.

ثالثاً، استحضار التجارب التاريخية:

أ. وثيقة المدينة نموذجاً تأسيسياً:

تمثل وثيقة المدينة أول نموذج للتعايش وإدارة التنوع في تاريخ الإسلام. فقد كتبها النبي صلى الله عليه وسلم في بداية العهد المدني، واحتوت على مقومات بناء المجتمع المتماسك على الرغم من وجود الاختلاف في المعتقدات والانتماء .
ومن أبرز نصوصها:

  • "إنهم أمة واحدة من دون الناس" .
  • "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" .
  • "وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم".
  • "وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم".

والدرس المستفاد من هذه الوثيقة أنها جمعت بين أمرين:

1- الوحدة في مواجهة التحديات المشتركة (العدو الخارجي).
2- الاعتراف بالخصوصيات الدينية والثقافية (لكل قوم دينهم وعهدهم).

ب.تجربة الأزهر بعد 2011:

من المفيد أيضاً استحضار التجربة المصرية مع الأزهر الشريف بعد ثورة 2011، حيث تم استدعاء الأزهر وطنياً باعتباره "مؤسسة جامعة للمصريين بتعدد انتماءاتهم، نظراً لدوره الريادي في التاريخ والحركة الوطنية".
وقد أنتج الأزهر آنذاك وثائق مهمة كـ"وثيقة مستقبل مصر"، في محاولة لضبط التناقضات السياسية والدينية.
والفرق الجوهري أن تجربة الأزهر جاءت في سياق تنافس سياسي مع تيارات الإسلام السياسي، بينما تجربة سورية تأتي في سياق بناء مؤسسات دولة بعد سقوط نظام استبدادي.

ومع ذلك، فإن درس الأزهر المهم هو أن مثل هذه الوثائق تظل رهينة "مدى الالتزام بما أسفر عنه من جانب مختلف الأطراف"، وأن نجاحها يحتاج إلى إرادة جماعية وممارسة مستدامة.

جـ. إعلان دمشق 2005:

يمكن أيضاً استحضار "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي" الصادر في أكتوبر 2005، كأول وثيقة معارضة جامعة في الداخل السوري، جمعت قوى علمانية وإسلامية (بما فيها الإخوان المسلمين) وكردية وشخصيات مستقلة.
وقد تميز الإعلان بتأكيده "أهمية الإسلام ديناً للأكثرية، وفي الوقت نفسه تأكيده المساواة الشاملة في حقوق المواطنة لكل مواطن سوري بغض النظر عن انتمائه العرقي أو الطائفي".
يشير هذا النموذج إلى إمكانية التوافق بين مكونات متنوعة حول مبادئ جامعة، رغم أن ظروف 2005 كانت مختلفة (معارضة في مواجهة نظام قائم) عن ظروف 2026 (معارضة سابقة تدير الدولة).

المبحث الثاني، الضبط الأخلاقي بين خطاب الشريعة وسلطة الدولة – دراسة فقهية مقارنة:

أولاً، الحسبة والضبط الأخلاقي – عرض الخلاف الفقهي:

من الولايات الشرعية المعروفة في التراث الفقهي ولاية "الحسبة"، وهي ولاية دينية أمر بها الله تعالى بقوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104]. وقد أفرد العلماء لها مصنفات مستقلة.
لكن الفقهاء اختلفوا في حدود هذه الولاية، خاصة فيما يتعلق بمعاقبة المفطرين في نهار رمضان:

  • المذهب المالكي: يفرق بين من يفطر استخفافاً (يعاقب تعزيراً) ومن يفطر لعذر أو تأويل (لا يعاقب).
  • المذهب الحنفي: يشترط للإنكار أن يكون المنكر مجمعاً عليه، ومعاقبة المفطر علناً ليست محل إجماع في عصرنا.
  • فتاوى معاصرة: ورد في فتاوى إسلام ويب: "لا يجوز بيع الطعام في نهار رمضان لمن يجب عليه الصيام من المسلمين إذا كان سيستعمله في الوقت المحرم عليه، أما إذا علم من حال المشتري أنه ممن له عذر شرعي كالشيخ الفاني والمريض والحائض والصبي، فلا حرج".

ثانياً، المجاهرة بالإفطار بين الحرمة والعقوبة:

نص الفقهاء على تفريق مهم بين الإفطار سراً والإفطار جهراً.
قال صلى الله عليه وسلم: "كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المُجاهِرين" (رواه البخاري ومسلم).
قال ابن حجر: "والمجاهِر هو الذي أظهر معصيتَه، وكشف ما ستَر اللَّه عليه".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المُظهر للمنكر يجب الإنكار عليه علانية، ولا تبقى له غيبة".
وقال ابن القيم: "إن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة".
غير أن تنزيل هذه الأحكام على الواقع السوري الراهن يحتاج إلى مراعاة عدة اعتبارات:

  • مقصد رفع الحرج: المجتمع السوري يعاني ظروفاً اقتصادية صعبة، والناس مضطرون للعمل في رمضان، وهذه ضرورة تستثنى من حكم الإغلاق المطلق.
  • التدرج في التطبيق: من مقاصد الشريعة التدرج في التشريع، ولا يمكن استعجال الثمار قبل نضجها في مجتمع منهك بالحروب.

ثالثاً، تطبيقات معاصرة – تقييم نقدي:

ما ورد في بعض التقارير عن إغلاق مطاعم في نهار رمضان ومعاقبة المفطرين علناً، يحتاج إلى تقييم دقيق:
الموافق للشرع: منع المجاهرة بالإفطار في الأماكن العامة حفظاً لحرمة الشهر ومشاعر الصائمين، وخاصة مع ورود نصوص صريحة في ذم المجاهرة.

المخالف للشرع: التوسع في العقوبات لتشمل من له أعذار شرعية، أو التعامل مع المخالفين بعنف أو إهانة، أو إغلاق المطاعم بشكل كامل دون تمييز بين من يبيع لمن له عذر ومن لا عذر له.
والمهم في هذا السياق ما أشار إليه الرئيس الشرع من أن "الضبط الأخلاقي المجتمعي" هو أحد الأولويات، مع التأكيد على أن "المنبر وأي موقع لمخاطبة العامة هو بحد ذاته أمانة، والكلمة أمانة في فم قائلها، وعقول الناس أمانة عند خطيب المنبر" .

المبحث الثالث، الأقليات وضوابط التعايش – بين الفقه الإسلامي والمواطنة:

أولاً، أحكام أهل الذمة في الفقه الإسلامي:

للفقه الإسلامي أحكام مفصلة في شأن غير المسلمين المقيمين في دار الإسلام، تقوم على أصول ثلاثة: العدل، والذمة (العقد الاجتماعي)، والحرية الدينية في العبادات والأحوال الشخصية.
قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].

ثانياً، تنبيه مهم – تخريج حديث "لهم ما لنا وعليهم ما علينا":

كان في بعض الكتابات السابقة استشهاد بحديث: "إن لكم ما لنا وعليكم ما علينا" ونسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
والصحيح أن هذه العبارة حديث باطل لا أصل له، كما نص على ذلك الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
أما العبارة الصحيحة فهي ما ورد في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يَشهَدوا أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ… فإذا فعلوا ذلك حُرِّمَت علينا دماؤُهم وأموالُهم إلَّا بحقِّها، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" (رواه أبو داود وصححه الألباني).
وهذا الحديث خاص بالمسلمين الذين يدخلون في الإسلام، وليس في شأن أهل الذمة.
أما في شأن أهل الذمة، فالقاعدة الفقهية الصحيحة هي: "لهم ما لنا من الحقوق وعليهم ما علينا من الواجبات"، وهي ليست حديثاً نبوياً، بل هي قاعدة مستنبطة من مجموع نصوص الشرع ومقاصده، ومنها ما ورد في وثيقة المدينة من مواد تؤكد المواطنة المتكافئة: "وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين"، "لليهود دينهم وللمسلمين دينهم" .

ثالثاً، واقع الأقليات في سورية – بين النص والتطبيق:

يتضمن الإعلان الدستوري السوري الصادر في آذار 2025 مواد واضحة تضمن حرية الاعتقاد لأتباع الديانات التوحيدية الثلاث، وتكفل الحقوق المتساوية لجميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس.

وقد تجلى هذا المعنى عملياً بزيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع لكنيسة أم الزنار في حمص، وهي وغيرها خطوات تحمل دلالة رمزية عميقة على مقصد "التآلف" الذي أمر الله به، قال تعالى: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [الأنفال: 61].

ومع ذلك، تبقى التحديات قائمة، خاصة مع ظهور بعض الممارسات الفردية التي تثير قلق الأقليات في بعض المناطق.

والمطلوب هنا ترجمة النصوص الرسمية إلى ممارسة يومية تحمي التنوع وتجعله مصدر قوة لا ضعف.

المبحث الرابع، أزمة الثقة بين المؤسسة الدينية والمجتمع – تشخيص ومعالجة:

أولاً، الإرث التاريخي – المنبر بين الأمانة والتوظيف:

من المسائل الأصولية المهمة في هذا السياق، ما يتعلق بمنبر الخطابة وشروط الخطيب. ففي الفقه الإسلامي، الخطبة عبادة مشروطة بشروط، والمنبر ليس منصة للسلطان، بل هو منبر للهداية والوعظ.
قال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (رواه مسلم).
لكن المؤسسة الدينية في سورية عانت من تسلط النظام البائد عليها، حيث كانت خطب الجمعة تخضع للمراقبة الأمنية، بل كانت توزع أحياناً جاهزة على الخطباء. هذا الإرث خلق أزمة ثقة عميقة مع المجتمع، وأصبح الناس ينظرون إلى الخطاب الرسمي بريبة.

ثانياً، قضية المرأة والخطاب الديني:

من القضايا المهمة في الخطاب الديني الجديد قضية المرأة ودورها في المجال العام.
تشير بعض الدراسات إلى تحديات تواجهها النساء في مناطق سورية مختلفة نتيجة خطاب ديني متشدد أحياناً.
فقد ورد عن بعض الناشطات أن "بعض أئمة المساجد يتناسى كل المشاكل والقضايا المنتشرة في المجتمع التي يجب إصلاحها، ليقوم بمتابعة الأنشطة النسوية ووصفها بعبارات سيئة وتحريضية ضد النساء" .
يحتاج هذا التحدي إلى معالجة في الميثاق الجديد، خاصة وأن الخطاب الديني المنفتح "يمكن أن يساهم في تعزيز التغيير الاجتماعي من خلال تشجيع المرأة دوماً على المشاركة في بناء المجتمع".
وقد عملت المرأة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في مجالات مختلفة مثل الزراعة والطب والتجارة، ولا يوجد مانع شرعي يحرم عمل المرأة، بل كان هناك تشجيع على عملها ووجودها مع الرجل جنباً إلى جنب.


ثالثاً، التمييز بين مرحلتين – فقه الاستضعاف وفقه التمكين:
من المهم التمييز بين مرحلتين في تطبيق السياسة الشرعية :

  • مرحلة الاستضعاف (مرحلة الانتقال الراهنة) : حيث الدولة لم تستكمل تمكينها بعد، والمجتمع منهك بالحروب، والبنية التحتية مدمرة. في هذه المرحلة، تقتضي السياسة الشرعية التدرج في تطبيق الأحكام، ومراعاة الظروف الاستثنائية، وتغليب جانب الرفق والتأليف.
  • مرحلة التمكين (بعد استقرار الدولة) : حيث تستطيع الدولة تطبيق الأحكام بشكل كامل، وبناء المؤسسات المستقرة، وضبط المخالفات وفق إجراءات قانونية واضحة.
    هذا التمييز مهم لتجنب الخلط بين الأحكام المناسبة لكل مرحلة. فما يصلح لمرحلة التمكين قد لا يصلح لمرحلة الاستضعاف، والعكس صحيح، وهنا لا بد من التفريق بين النفاق السياسي والممكن الواقعي، فلا يجب على المسلمين أن يخفوا عقائدهم ولا التستر عنها، بل من حقهم كما من حق غيرهم أن يكون لهم سردية ومنهج يسيرون عليه ويُنظرون له، وبالتالي البناء الصحي على المشتركات والبحث عن مخارج واقعية للمختلف به بما يناسب ظروفنا وواقعنا ويقدم المصلحة المشتركة على النزاع وذهاب القوة والريح.

رابعاً، نحو استعادة الثقة – معايير مقترحة:

لإعادة بناء الثقة، لا بد من استحضار قاعدة "الأمور بمقاصدها"، فالمؤسسة الدينية الجديدة مطالبة بإظهار مقاصدها الحقيقية من خلال الممارسة العملية.

ويمكن اقتراح المعايير التالية لتقييم مدى نجاح المؤسسة الدينية في استعادة الثقة:

  • الشفافية: الإعلان عن آليات اختيار الخطباء والعلماء، وضمان تمثيل حقيقي للمدارس الفقهية المختلفة.
  • الاستقلالية النسبية: ضمان عدم تدخل السلطة التنفيذية في مضمون الخطاب الديني، مع التنسيق في القضايا الوطنية الكبرى.
  • الواقعية: التركيز على قضايا الناس الحقيقية: الغلاء، الفقر، الدمار، العدالة، بدلاً من العموميات والمواعظ المجردة.
  • المساءلة: وضع آليات واضحة لمحاسبة أي خطيب يخرج عن ضوابط الميثاق، خاصة فيما يتعلق بالتحريض على الكراهية أو العنف.

خلاصة وتوصيات:

يمكن القول، في ختام هذه المقاربة الأصولية النقدية، إن مشروع الخطاب الديني الجديد في سورية يحمل في ثناياه إمكانات واعدة، لكن نجاحه مرهون بمراعاة الضوابط التالية:

أولاً: التمييز بين الوحدة في الأصول والسعة في الفروع. فوحدة الخطاب لا تعني صهر المذاهب في بوتقة واحدة ولا مصادرة الاجتهاد، وإنما تعني ضبط الاختلاف بالاحترام المتبادل والاتفاق على المقاصد الكلية.

ثانياً: التدرج في تطبيق الأحكام مع مراعاة التمييز بين مرحلتي الاستضعاف والتمكين. من مقاصد الشريعة التدرج في التشريع، ولا يمكن استعجال الثمار قبل نضجها.

ثالثاً: مراعاة قاعدة "العادة محكمة". فالعرف السوري في علاقته بالدين، وفي علاقة المسلمين ببعضهم وبغيرهم، له اعتباره في الاجتهاد الفقهي، ما لم يصادم نصاً قطعياً.

رابعاً: التفرقة بين السياسة الشرعية (المتغير بحسب الزمان والمكان) والثوابت الشرعية (التي لا تتغير).
ففي خلط هذه المراتب ضياع للأمة، وتشويش على الناس.

خامساً: تطبيق الميثاق على الجميع دون ازدواجية في المعايير. فمن غير المقبول منع طرف من مهاجمة الآخر على أساس طائفي، وترك طرف آخر يمارس التحريض نفسه.

سادساً: الاهتمام بقضايا المرأة وإشراكها في صياغة الخطاب الديني الجديد.
فالمرأة نصف المجتمع، ولا يمكن بناء خطاب ديني متوازن دون مراعاة همومها وتطلعاتها.

نسأل الله تعالى أن يوفق القائمين على الشأن الديني في سورية إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، وأن يجعل هذا الشهر الفضيل شهر وحدة وائتلاف، ونصر وتمكين، إنه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. الجزيرة نت: "سورية تطلق ميثاقا للخطاب الإسلامي والشرع: لا مكان لخلافات عمرها قرون"، 16 فبراير 2026
  2. وثيقة المدينة (صحيفة المدينة)، النص الكامل
  3. ويكيبيديا: "إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي"
  4. هيئة المرأة السورية: "الخطاب الديني وتأثيره على الوعي النسوي في شمال غرب سورية"، 29 أغسطس 2023
  5. شبكة الألوكة: "السياسة الشرعية بين فقه الاستضعاف وفقه التمكين"، 4 فبراير 2012
  6. معجم مصطلحات أصول الفقه، قطب مصطفى سانو، دار الفكر المعاصر
  7. قناة الإخبارية السورية: "الرئيس الشرع: ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي يمثل خطوة مهمة لتعزيز وحدة الكلمة"، 16 فبراير 2026
  8. مجلة المجتمع: "وثيقة المدينة.. بين التعايش والتطبيع"
  9. الجزيرة نت: "إعلان دمشق ومستقبل المعارضة السورية"، 28 نوفمبر 2005
  10. إسلام ويب: "السياسة والشريعة"، د. سلمان بن فهد العودة

شاركها على:

اقرأ أيضا

تجميد عضوية الدكتورة شفاء صوان

تجميد عضوية الدكتورة شفاء صوان تزامن مع تصريحات نقدية تجاه الإدارة الانتقالية الحالية

20 فبراير 2026

إدارة الموقع

اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية

اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية لتعزيز حقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية المستدامة.

20 فبراير 2026

إدارة الموقع