سورية في صدارة مكافحة الإرهاب وتحوّل أوروبي مشروط بين البراغماتية الأمنية واستحقاقات الحقوق

مقدمة:

يشهد الموقف الأوروبي تجاه سورية تحوّلاً نوعياً منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، وانتقال السلطة إلى حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع.
هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه انعطافة سياسية عابرة، بل باعتباره إعادة تموضع استراتيجي أوروبي في ضوء معادلة جديدة.
فسورية شريك أمني محتمل في مكافحة الإرهاب، لكنها في الوقت ذاته ساحة اختبار حقيقية لمدى الالتزام بالمعايير الحقوقية والديمقراطية.

وقد جاءت تصريحات مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، في 10 فبراير 2026، لتكرّس هذا التحول، معتبرةً أن الحكومة السورية الانتقالية أصبحت “الجهة الأساسية” المسؤولة عن مكافحة الإرهاب داخل الأراضي السورية، في اعتراف سياسي يحمل أبعاداً أمنية وجيوسياسية عميقة.

أولاً: الاعتراف الأمني الأوروبي – بين الضرورة والبراغماتية:

يشير توصيف شويتسا إلى انتقال المقاربة الأوروبية من سياسة الاحتواء والعقوبات إلى سياسة الانخراط المشروط.
وقد تزامن هذا الاعتراف مع انضمام سورية رسمياً إلى التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في يناير 2026، كعضو رقم 90، في خطوة وصفتها السفارة الأميركية في دمشق بأنها “لحظة مفصلية” في الحرب الدولية على الإرهاب.

هذا التطور لم يكن معزولاً عن سياق أمني متوتر، أبرز تجلياته:

  • نقل نحو 2250 عنصراً من تنظيم داعش إلى العراق ضمن تنسيق دولي.
  • ضربات جوية أميركية واسعة في 7 فبراير 2026 استهدفت مواقع للتنظيم في وسط سورية.
  • تولي الحكومة السورية الجديدة إدارة مخيم الهول ومراكز الاحتجاز في شمال شرق البلاد بعد انسحاب جزئي لقوات سوريا الديمقراطية.

هذه المعطيات عززت صورة دمشق كشريك أمني فعلي، لكنها في الوقت ذاته كشفت هشاشة البنية الأمنية، خصوصاً في ظل وجود آلاف المقاتلين الأجانب، الذين يشكلون نسبة تقارب 40% من المعتقلين في المخيمات وفق تقارير أممية.

ثانياً: الإطار المالي والسياسي – دعمٌ واسع بشروط واضحة:

في سياق موازٍ، أعلن الاتحاد الأوروبي التزامه بحزم دعم مالية بلغت:

  • 620 مليون يورو لعامي 2025–2026.
  • حزمة أوسع تصل إلى 2.5 مليار يورو لدعم الإصلاحات الاقتصادية والإنسانية.

غير أن هذا الدعم ليس غير مشروط! فقد شددت المؤسسات الأوروبية على أن أي انخراط مالي أو سياسي يرتبط بالتقدم في مسارات:

  • الاستقرار الداخلي.
  • الإصلاح الأمني.
  • حماية الأقليات.
  • الالتزام بالعملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن 2254.

وهنا يتضح أن الاعتراف الأوروبي لا يمثل “شيكاً على بياض”، بل هو استثمار سياسي مشروط بنتائج قابلة للقياس.

ثالثاً: تصويت البرلمان الأوروبي – نقل ملف الأقليات إلى صدارة المشهد:

إن المستجد الأبرز الذي يعيد ترتيب المشهد هو التصويت التاريخي في البرلمان الأوروبي، حيث أُقر بأغلبية 363 صوتاً مقابل 71 و81 امتناع قرار شامل حول وضع الأقليات في سورية.

هذا القرار لم يكتفِ بالإشارة إلى شمال شرق البلاد، بل سمّى بوضوح المكونات السورية كافة، من الدروز، المسيحيين، العلويين، اليزيديين، إلى جانب الكورد والعرب.
وقد أكد أن الاستقرار في سورية يبدأ بالاعتراف الكامل بحقوق جميع المكونات، ومشاركتها السياسية، وتكريس تلك الحقوق دستورياً مع الحفاظ على وحدة الأراضي السورية.

يحمل القرار ثلاث رسائل أساسية:

  • أي علاقة مع الاتحاد الأوروبي مرهونة بضمانات ملموسة وقابلة للتحقق لحماية المدنيين.
  • ضرورة وقف الانتهاكات التي وصفت بجرائم حرب.
  • إشراك مكونات شمال شرق سورية في الحكم بصورة فعلية.

بهذا التصويت، انتقل ملف الأقليات من هامش النقاش السياسي إلى صلب المعادلة الأوروبية، ليصبح شرطاً بنيوياً في أي تعاون مستقبلي.

رابعاً: السويداء والدروز – من الهامش المحلي إلى الاهتمام الدولي:

إن اللافت في القرار الأوروبي الإشارة الصريحة إلى الدروز، في سياق تفاعل دولي متصاعد حول وضعهم في سورية.
وقد تزامن ذلك مع حراك قاده دروز المهجر، وفي مقدمته الشيخ موفق طريف، في دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وكندا.

هذا التطور يعكس تحوّلاً في إدراك المجتمع الدولي لمعادلة الاستقرار السوري، حيث لم تعد السويداء منطقة طرفية، بل باتت مؤشراً حساساً على قدرة الدولة السورية الجديدة على بناء عقد اجتماعي جامع.

غير أن الحديث عن “حق تقرير المصير” بوصفه خياراً مطروحاً دولياً يظل موضوعاً إشكالياً، إذ يصطدم بمبدأ الحفاظ على وحدة الأراضي السورية الذي أكد عليه القرار الأوروبي نفسه.
وبالتالي فإن المعادلة المطروحة أوروبياً ليست تفكيك الدولة، بل إعادة تأسيسها على قاعدة شراكة دستورية حقيقية.

خامساً: التوازنات الجيوسياسية – بين تركيا وإسرائيل وروسيا:

لا يمكن فهم التحول الأوروبي بمعزل عن البيئة الإقليمية.
فتركيا الداعمة للحكومة الانتقالية، وإسرائيل التي تنفذ ضربات دفاعية ضد تهديدات محتملة، وروسيا التي ما زالت تحتفظ بقواعد عسكرية، كلها أطراف فاعلة في المشهد.

أوروبياً، الهدف المركزي يتمثل في:

  • منع عودة داعش.
  • تجنب موجات لجوء جديدة.
  • تقليص احتمالات انتقال عدم الاستقرار إلى الداخل الأوروبي.

ومن هنا يظهر التعاون مع دمشق كخيار براغماتي، لكنه محفوف بشبكة معقدة من الحسابات المتقاطعة.

سادساً: انقسام أوروبي داخلي – بين الواقعية الحقوقية والبراغماتية الأمنية:

شهدت جلسات البرلمان الأوروبي توترات واضحة، حيث حذر بعض النواب من هشاشة الوضع في شمال شرق سورية، وانتقد آخرون ما اعتبروه ازدواجية في المعايير.

وينقسم المشهد الأوروبي إلى تيارين:

  • تيار براغماتي يرى في التعاون فرصة لتحقيق الاستقرار ومنع عودة الإرهاب.
  • تيار حقوقي يشترط ضمانات أقوى لحماية الأقليات، وإصلاح القطاع الأمني، ومنع الإفلات من العقاب.

ويعكس هذا الانقسام طبيعة المرحلة الانتقالية، التي لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة.

خاتمة: بين التطبيع المشروط واختبار الدولة:

يمثل تصريح شويتسا وتصويت البرلمان الأوروبي معاً لحظة مفصلية في علاقة سورية بالاتحاد الأوروبي.
فالاعتراف الأمني منح دمشق موقعاً متقدماً في معادلة مكافحة الإرهاب، لكن قرار حماية الأقليات وضع سقفاً سياسياً واضحاً لهذا الانخراط.

إذاً، فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بالتصريحات، بل بالقدرة على:

  • بناء عقد اجتماعي جامع.
  • إصلاح القطاع الأمني.
  • ضمان المشاركة السياسية الحقيقية.
  • حماية وحدة الأراضي السورية مع احترام تنوعها.

وبين البراغماتية الأمنية والاستحقاقات الحقوقية، تقف سورية اليوم أمام اختبار مزدوج يقوم على إثبات قدرتها على أن تكون شريكاً في مكافحة الإرهاب من جهة، ودولة مواطنة قادرة على احتضان جميع مكوناتها من جهة أخرى.

شاركها على:

اقرأ أيضا

هيبة الدولة وبساطة الحكام

مقارنة بين نماذج الحكم في الإسلام: الهيبة التمثيلية والبساطة الزاهدة ودورهما في السياق السوري.

13 فبراير 2026

جمعة محمد لهيب

انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف

انسحاب القوات الأمريكية من قاعدة التنف وتأثيره على الوضع العسكري في سورية.

13 فبراير 2026

إدارة الموقع