ماذا عن عودة كوادر حزب العمال الكردستاني من سورية إلى قنديل

بدأت تتسرب تقارير إعلامية موثوقة (المونيتور، مجلة المجلة..) في الأيام الأولى من فبراير 2026، تتحدث عن مغادرة نحو 100 مقاتل كردي غير سوري – بينهم قيادات بارزة مثل فهمان حسين (المعروف بـ"باهوز أردال") – من مناطق شمال شرق سورية باتجاه جبال قنديل في شمال العراق.
هذه الخطوة، وإن كانت محدودة العدد في مرحلتها الأولى، تمثل تنفيذاً مبكراً لبند أساسي وحساس في اتفاق 30 يناير 2026 بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وهو البند الذي يلزم إخراج كل الكوادر غير السورية التابعة لحزب العمال الكردستاني خارج الحدود السورية.

السياق الاستراتيجي والجيوسياسي:

لم تأتِ هذه العودة من فراغ.
إنها نتيجة مباشرة لسلسلة من التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها سورية منذ أواخر 2025:

  • العمليات العسكرية السورية السريعة في ديسمبر 2025 ويناير 2026 (حلب، الرقة، دير الزور، أجزاء من الحسكة) أدت إلى خسائر جغرافية ملموسة لقسد، وأجبرتها على التفاوض تحت ضغط ميداني حقيقي.
  • الوساطة الأمريكية المباشرة، التي كانت حريصة على الحفاظ على قسد كقوة مضادة لداعش، لكنها أدركت أن استمرار وجود "امتداد قنديل" داخل سورية يشكل عقبة أمام أي تسوية مستقرة.
  • الدور الكردستاني العراقي (خاصة نيجيرفان بارزاني) في الضغط على قسد لقطع الصلة التنظيمية والأيديولوجية بقنديل، في سياق إعادة ترتيب الأوراق داخل الحركة الكردية ككل.

الفوائد الجيوسياسية السورية :

  • استعادة جزء رمزي وفعلي من السيادة على الشمال الشرقي.
  • إضعاف "القوة العميقة" داخل قسد، التي كانت تُدار تاريخياً من قنديل عبر قيادات مثل باهوز أردال ومراد قريلان.
  • فتح نافذة لتخفيف التوتر مع تركيا، مما قد يساهم في تسريع رفع العقوبات الغربية وجذب مساعدات إعادة الإعمار.
    تُقرأ هذه الخطوة من جانب تركيا، كـ"إيجابية أولية" (حسب وسائل إعلام قريبة من أنقرة)، لكنها لا تزال بعيدة عن تلبية مطالب أنقرة الكاملة (إخراج أو تفكيك التأثير الكلي للحزب داخل سورية).

الجانب الوطني السوري بين الفرصة والتحدي:

تمثل هذه العودة من منظور وطني سوري، فرصة تاريخية لإنهاء فصل "المشروع العابر للحدود" الذي غذّى الانقسامات الإثنية والطائفية على مدى عقد ونصف.

حيث يبدو أن إخراج الكوادر غير السورية يعني:

  • إمكانية دمج المكون الكردي السوري (الذي بات اليوم يشكل الغالبية العظمى داخل قسد) كمواطنين متساوين داخل الدولة، بعيداً عن وصمة "الارتباط بمشروع خارجي".
  • تعزيز فكرة "سورية واحدة"، واستعادة السيطرة على موارد استراتيجية (نفط، غاز، مياه الفرات).

ولكن هذه الفرصة لا تزال محفوفة بالتحديات والمتمثلة بـ:

  • العدد المتبقي: 100 شخص فقط في المرحلة الأولى، بينما تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود 800–1200 كادر غير سوري آخرين قد يغادرون في مراحل لاحقة.
    بينما يبقى الأهم هو التأثير الفكري والتنظيمي لقنديل لا يزال قائماً داخل القيادات السورية في قسد.
  • الثقة المجتمعية: الكثير من الكرد السوريين يخشون أن يُعاملوا كـ"امتداد PKK"، بينما يرى آخرون في الاتفاق "استسلاماً" أو "بيعاً" للمكتسبات.
  • غياب العدالة الانتقالية: لا يمكن بناء وطن موحد دون محاسبة الانتهاكات من الجانبين، وتعويض المتضررين، وضمان حقوق الجميع (لغة، ثقافة، إدارة محلية محدودة).
    ولكي لا تكون هذه العودة مجرد "ترتيب أمني مؤقت"، فإننا نرى في تيار المستقبل السوري أنه يجب أن تترافق مع خطوات أعمق تنجلى بـ:
  • فك الارتباط الأيديولوجي والتنظيمي، وإعادة تأهيل القيادات السورية داخل قسد، وتحويلها إلى قوة وطنية سورية بحتة، بعيداً عن أي مرجعية خارجية.
  • ضمانات دستورية واضحة، عبر دستور دائم يعترف بحقوق الجميع، بما في ذلك اللغة الكردية كلغة رسمية محلية، وتمثيل عادل في المؤسسات، وإدارة لامركزية محدودة.
  • عدالة انتقالية شاملة، وتشكيل لجان محايدة للتحقيق في الانتهاكات، تعويض المتضررين، وعودة النازحين بأمان.
  • حوار وطني واسع، يشمل العشائر العربية، الكرد السوريين، المجتمع المدني، الأحزاب، لصياغة "عقد اجتماعي" جديد يعيد بناء الثقة.
  • دعم دولي محايد من خلال رقابة أممية وأمريكية وأوروبية على تنفيذ الاتفاق، لضمان عدم عودة التصعيد وتسريع رفع العقوبات.

خاتمة:

عودة كوادر قنديل، وإن كانت محدودة في عددها حتى الآن، فهي خطوة استراتيجية أولية ذات دلالة كبيرة.
ونرى أنها تفتح الباب أمام استعادة السيادة السورية، وتقليل التوتر مع تركيا، وإمكانية دمج حقيقي للمكون الكردي داخل الدولة.
لكن النجاح الحقيقي لا يكمن في إخراج مئات الأشخاص، بل في بناء دولة موحدة تتجاوز الإقصاء والانقسامات.
فسورية تستحق أن تكون وطناً لكل أبنائها، لا امتداداً لأي مشروع خارجي.
والفرصة موجودة الآن، كما أن الإرادة الوطنية والتنفيذ الجاد هما ما سيحددان ما إذا كانت هذه البداية لنهاية فصل مؤلم، أم مجرد فصل انتقالي آخر في تاريخنا الطويل.

شاركها على:

اقرأ أيضا

تشكيل لجنة قضائية فرعية في محافظة الرقة

تشكيل لجنة قضائية فرعية في الرقة ودورها في تعزيز شرعية المؤسسات التشريعية.

12 فبراير 2026

إدارة الموقع

اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب

دور اليوم الدولي لمنع التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب في تعزيز الهوية السورية المشتركة.

12 فبراير 2026

إدارة الموقع