يُحيي تيار المستقبل السوري بكل تقدير واعتزاز وطني عميق، اليوم العالمي للبقول الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها A/RES/73/251 بتاريخ 20 ديسمبر 2018، ويُحتفل به سنوياً في العاشر من فبراير تحت إشراف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO).
حيث يأتي هذا الاحتفال استمراراً للنجاح الكبير الذي حققته السنة الدولية للبقول عام 2016، والتي أطلقتها FAO لتسليط الضوء على دور هذه المحاصيل في تعزيز الأمن الغذائي العالمي والزراعة المستدامة.
يرى تيار المستقبل السوري أنه في هذا العام 2026، يأتي اليوم تحت شعار "البقول في العالم: من التواضع إلى التميز" (Pulses of the world: from modesty to excellence)، وهو شعار يعبر عن التحول المنشود لهذه المحاصيل المتواضعة تاريخياً – مثل الفاصوليا، العدس، الحمص، البازلاء، الفول، والفول السوداني وغيرها – إلى مكانة متميزة كغذاء استراتيجي عالمي.
ونرى بأن هذا الشعار يهدف إلى تحدي المفاهيم الخاطئة التي ترى في البقول مجرد طعام بسيط أو "فقير"، ويبرز بدلاً من ذلك تميزها الغذائي والاقتصادي والبيئي، ودورها في الابتكار الطهوي والتنوع الثقافي العالمي.
يرى تيار المستقبل السوري في هذا اليوم فرصة ذهبية للتأكيد على القيم المتعددة التي تجسدها البقوليات:
- القيمة الغذائية العالية: تعد البقول مصدراً ممتازاً للبروتين النباتي عالي الجودة (يصل إلى 20-25% من وزنها الجاف)، والألياف الغذائية التي تساعد في الوقاية من أمراض القلب والسكري والسمنة، والمعادن الأساسية مثل الحديد، الزنك، المغنيسيوم، الفولات، بالإضافة إلى الفيتامينات من مجموعة B. هذه الخصائص تجعلها بديلاً مثالياً وميسور التكلفة عن مصادر البروتين الحيواني، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه الأسر السورية.
- القيمة البيئية والاستدامة: تساهم زراعة البقول في تحسين خصوبة التربة بشكل طبيعي من خلال تثبيت النيتروجين الجوي عبر البكتيريا المتعايشة مع جذورها، مما يقلل الحاجة إلى الأسمدة الكيميائية بنسبة كبيرة (تصل إلى 50-100 كجم نيتروجين للهكتار)، ويحمي التربة من الاستنزاف.
كما تستهلك كميات أقل من المياه مقارنة بالمحاصيل الأخرى، وتساعد في مكافحة التصحر وتغير المناخ، وتدعم التنوع البيولوجي في النظم الزراعية. - القيمة الاقتصادية والاجتماعية: تعزز البقول الأمن الغذائي من خلال توفير غذاء رخيص ومغذٍ، وتدعم الاقتصاد الريفي عبر خلق فرص عمل للمزارعين الصغار والنساء، وتقلل الاعتماد على الاستيراد في ظل تقلبات الأسعار العالمية للحبوب واللحوم.
يؤمن تيار المستقبل السوري أنه في السياق السوري الراهن، يأتي هذا اليوم بأهمية مضاعفة. فيعد سنوات طويلة من النزاع والنزوح الجماعي والتدهور البيئي الشديد، تواجه سورية تحديات غذائية واقتصادية وبيئية عميقة تتمثل بـ: انخفاض الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة بسبب الجفاف والتلوث والأضرار في البنية التحتية الريفية، وارتفاع أسعار الغذاء الأساسي، وانتشار سوء التغذية الحاد بين الأطفال (خاصة تحت سن الخامسة) والنساء الحوامل والمرضعات، وتفاقم الفقر الريفي.
ومع ذلك، فإن البقوليات كانت – ولا تزال – جزءاً أصيلاً وعميق الجذور من التراث الزراعي والمطبخ السوري التقليدي، حيث يُعد الحمص والعدس والفاصوليا والفول من أبرز المكونات في الأطباق اليومية مثل الحمص بالطحينة، والمجدرة، والفول المدمس، والفتوش بالفاصوليا، والعدس بالزيت والكمون.
يدعو تيار المستقبل السوري في ضوء هذه المناسبة، إلى إطلاق مبادرات وطنية شاملة ومستدامة تركز على:
- إعادة إحياء وتوسيع زراعة البقوليات في المناطق الريفية السورية، من خلال تقديم دعم فني مباشر، وبذور محسنة مقاومة للجفاف والأمراض، وتدريب مكثف للمزارعين على أساليب الزراعة المستدامة والمتكاملة.
- دمج البقوليات بشكل أوسع ومنهجي في برامج التغذية المدرسية، وبرامج الإغاثة الإنسانية، ومراكز الرعاية الصحية، لمكافحة سوء التغذية المزمن والحاد، وتعزيز نمو الأطفال والشباب.
- تشجيع الاستهلاك المحلي والأسري من خلال حملات توعية واسعة النطاق عبر وسائل الإعلام والمدارس والمساجد والجمعيات المحلية، مع التركيز على وصفات تقليدية سورية معاصرة ومبتكرة تجمع بين التراث والحداثة، لتعزيز السيادة الغذائية وتقليل الاعتماد على الاستيراد.
- دعم البحث الزراعي الوطني والتعاوني لتطوير أصناف بقولية جديدة تتحمل الظروف المناخية المتغيرة في سورية (الجفاف، الملوحة، الحرارة المرتفعة)، مع الاستفادة من الخبرات الدولية والمحلية.
- تعزيز التعاون مع منظمة الأغذية والزراعة (FAO) والمنظمات الدولية والإقليمية الأخرى لتوفير موارد إضافية، سواء فنية أو مالية، لإعادة تأهيل الأراضي الزراعية المتضررة، وإنشاء مشاريع تجريبية في مناطق النزوح والعودة، وتطوير سلاسل القيمة للبقول من الإنتاج إلى التسويق.
- تشجيع القطاع الخاص والجمعيات الأهلية على إنشاء تعاونيات زراعية ومصانع صغيرة لمعالجة وتعليب البقول، مما يخلق فرص عمل ويرفع القيمة المضافة للمنتج السوري.
يؤمن تيار المستقبل السوري أن الاحتفاء بهذا اليوم ليس مجرد مناسبة رمزية أو بروتوكولية، بل هو دعوة عملية وملحة لتحويل "التواضع" إلى "التميز" – كما يعبر عنه شعار عام 2026 – من خلال الاعتراف الحقيقي بقيمة هذه المحاصيل المتواضعة، ورفعها إلى مصاف الغذاء الاستراتيجي والمستدام الذي يمكن أن يساهم في إعادة بناء الاقتصاد الوطني وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.
وفي ظل التحديات الكبيرة التي تواجه سوريا اليوم، يجدد تيار المستقبل السوري التزامه الراسخ ببناء سورية مستقبلية قوية غذائياً وبيئياً واقتصادياً، حيث يصبح كل مواطن قادراً على الوصول إلى غذاء صحي وميسور التكلفة ومتنوع، وتُعاد للأرض خصوبتها الطبيعية، وللإنسان كرامته وأمله في غد أفضل.