وُلِد يوسف الحكيم في مدينة اللاذقية، وهو ابن الطبيب يعقوب الحكيم.
والدته حنّة بنت جرجس حبيش، من عائلات تجّار التبغ وأصحاب كروم الزيتون في قرية بسنادا.
بدأ تعليمه عند أستاذ خاص هو المعلّم جرجس الخوري، ابن كاهن الكنيسة، فتعلّم على يديه مبادئ اللغة العربية والحساب.
ثم انتقل إلى المدرسة الإنجيلية الأميركية في اللاذقية لمتابعة دراسته، قبل أن يلتحق بالمكتب الإعدادي الحكومي، ويتخرج منه عام 1899.
عمل بعد تخرجه مدرساً لمادة اللغة التركية في المكتب الإعدادي براتب مئتي قرش، أي ما يعادل ليرتين عثمانيتين شهرياً.
ثم عُيّن موظفاً في ديوان العدلية، إلى أن نُقل في تموز 1904 إلى وظيفة ملازم في المحكمة. وفي 22 كانون الأول 1909 عُيّن عضواً في محكمة لواء القدس الشريف، ثم نُقل إلى يافا في 9 كانون الثاني 1910، حيث أصبح عضواً في المحكمة البدائية التي كانت تتمتع بصلاحيات محكمة الاستئناف لمحاكم الأقضية، وبصلاحية محكمة الجنايات في اللواء.
في عام 1912 نُقل للعمل في طرابلس الشام، ثم إلى بيروت، حيث بقي ست سنوات.
وبعد أن مارس العمل السياسي وابتعد عنه مؤقتاً، عاد إلى السلك القضائي، فعُيّن رئيساً ثانياً لمحكمة التمييز، واحتفظ بهذا المنصب حتى عام 1948، وهو سن التقاعد.
عُرف يوسف الحكيم في الحياة السياسية بصداقته الوثيقة مع الرئيس السوري أحمد نامي، الذي تولّى رئاسة الدولة في ظل الانتداب الفرنسي.
وقد شغل يوسف الحكيم منصب وزير العدل في الوزارات الثلاث التي شكّلها أحمد نامي، خلال الفترة الممتدة من أيار 1926 حتى شباط 1928.
وقبل ذلك كان قد تولّى وزارة النافعة في ثلاث وزارات متعاقبة ترأسها كل من علي رضا الركابي وهاشم الأتاسي وعلاء الدين الدروبي، وذلك خلال الفترة من 8 آذار 1920 حتى 6 أيلول 1920.
كان لوجود يوسف الحكيم إلى جانب أحمد نامي أثر واضح في تحقيق ما أُنجز آنذاك لصالح الكيان السوري، في ظل سطوة الانتداب الفرنسي وقسوته، خلال مرحلة دقيقة أعقبت الحرب العالمية الأولى وقبل اندلاع الحرب العالمية الثانية.
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، عُيّن رئيساً للجنة ترجمة القوانين من اللغة التركية إلى اللغة العربية، بأمر من جمال باشا الحاكم العسكري لولاية سورية، فترجم أكثر من عشرين قانوناً ونظاماً.
وفي عام 1916 عُيّن قائم مقام قضاء الكورة، ثم قائم مقام قضاء البترون. وفي عام 1918 تولّى منصب مدير رسائل حكومة جبل لبنان، فكان مسؤولاً عن مراسلة الولايات العثمانية وإبداء الرأي في شؤون متصرفية جبل لبنان ومطالبها.
عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية، كان من أوائل الذين بايعوا الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على سورية. ورشّح نفسه للانتخابات البرلمانية الأولى، فكان عضواً في المؤتمر السوري العام الذي تُوّج فيه فيصل ملكاً على سورية في 8 آذار 1920.
وفي الجلسة الأولى للمؤتمر انتُخب نائباً لرئيسه هاشم الأتاسي.
في 9 آذار 1920 كلّف الملك فيصل علي رضا الركابي بتشكيل وزارة جديدة، فاختير يوسف الحكيم وزيراً لأمور النافعة، وهو منصب كان يشمل التجارة والزراعة والأشغال العامة. وبقي في هذا المنصب رغم تغيّر ثلاث وزارات متعاقبة، كان آخرها وزارة علاء الدين الدروبي التي شُكّلت عقب هزيمة الجيش السوري في معركة ميسلون في 24 تموز 1920.
بعد الاحتلال الفرنسي وخلع الملك فيصل، عُيّن يوسف الحكيم نائباً عاماً لوزارة العدل في اللاذقية، ثم رئيساً أول لمحكمة التمييز في دولة الاتحاد السوري عام 1923.
وخلال الثورة السورية الكبرى سُمّي وزيراً للعدلية في حكومة أحمد نامي من 2 أيار 1926 حتى شباط 1928، وبذل خلال تلك المرحلة جهداً كبيراً في مساعدة الرئيس أحمد نامي في العمل على إعادة لواء إسكندرون إلى سورية، وهو ما تحقق عام 1928 قبل أن تتغير الظروف لاحقاً.
عاد بعد ذلك إلى محكمة التمييز، رئيساً أول لفترة قصيرة، ثم رئيساً ثانياً، قبل أن يُعاد تعيينه رئيساً أول حتى عام 1948، حيث تفرغ بعدها لكتابة مذكراته.
نشرت دار النهار اللبنانية مذكرات يوسف الحكيم في أربعة أجزاء هي:
- سورية والعهد العثماني
- بيروت ولبنان في عهد آل عثمان
- سورية وفجر الاستقلال
- سورية والانتداب الفرنسي
تناولت هذه الأجزاء تاريخ سورية ولبنان في أواخر العهد العثماني، والحرب العالمية الأولى، والعهد الفيصلي، ثم مرحلة الانتداب الفرنسي، وصولاً إلى الاستقلال، مع سرد تفصيلي للأحداث السياسية والإدارية والاجتماعية، وشهادات حيّة عن رجالات الدولة والتحولات الكبرى في المشرق العربي.
ولم يُنشر الجزء الخامس من مذكراته، المعنون سورية المستقلة، والذي كان يتناول مرحلة الانقلابات والتطورات السياسية حتى انقلاب 8 آذار 1963.
توفي يوسف الحكيم في دمشق عام 1979، بعد مسيرة طويلة في القضاء والسياسة والإدارة، جعلته واحداً من أبرز شهود الدولة السورية الأولى وصنّاع مؤسساتها.
موقف تيار المستقبل السوري:
إننا في تيار المستقبل السوري، إذ نستذكر رجالات الدولة المؤسسين لسورية، نستحضر يوسف الحكيم بوصفه أحد رموز الاستقلال وأعلام الدولة السورية الأولى، وشاهداً ملكاً على نشأتها وبناء مؤسساتها في أصعب المراحل.
تأتي هذه المادة ضمن سلسلة رموز وأعلام الدولة السورية، في إطار مشروع توثيقي يهدف إلى ربط حاضرنا الثوري بماضٍ وطني صلب، وإحياء الحاجة إلى صناعة رجال دولة يحفظون الوطن، ويصونون مكتسباته، ويعيدون للدولة السورية عزّها ومجدها بعد عقود من الاستبداد والفساد.