مقدمة، إشكالية التحديث الديني في فكر ما بعد الصراع:
يشكل مشروع التحديث الديني في السياق السوري إشكالية مركبة تندرج ضمن الإشكاليات الأوسع التي يواجهها الفكر الإسلامي المعاصر في علاقته مع الحداثة.
إن السؤال المحوري الذي تطرحه هذه الدراسة يتمثل في إمكانية بناء نموذج حداثي إسلامي يستجيب للتحولات العميقة التي يشهدها المجتمع السوري بعد تجربة الصراع، مع الحفاظ على الأصالة الدينية وتفعيل التراث الإسلامي بوصفه مورداً للتجديد.
يشير الباحث طه عبد الرحمن في تحليله لأزمة الفكر الإسلامي المعاصر إلى أن جوهر الإشكالية يكمن في انفصام العقل الأخلاقي عن العقل الأداتي، مما يجعل الخطاب الديني إما غارقاً في أخلاقية مجردة أو منحصراً في أداتية مجردة من القيم، يتجلى هذا الانفصام في السياق السوري بصورة بالغة التعقيد، حيث يُستدعى الخطاب الديني تارة كحصانة هوياتية في مواجهة التحديات الخارجية، وتارة كمشروع ثوري في مواجهة الداخل، ونادراً ما يُطرح كخطاب تجديدي معرفي قادر على استيعاب التحولات المجتمعية.
تشكل التعددية الدينية والمذهبية في سورية أحد المداخل المركزية لفهم إشكالية التجديد الديني.
كما أن تجديد الخطاب الديني في المجتمعات العربية المتعددة مذهبياً يتطلب حواراً ثلاثي الأقطاب بين التراث والحداثة والخصوصية المحلية، مع إيلاء الاعتبار لضرورة بناء خطاب توافقي يتجاوز الطائفية، وتتجلى أهمية هذه المقاربة في الحالة السورية بالنظر إلى التركيبة المجتمعية المتنوعة تاريخياً، والتي تشكل تحدياً وفرصة في آن واحد لمشروع التجديد الديني.
تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الحالة السورية، رغم كل تعقيداتها، تقدم إمكانية لتطوير نموذج تجديدي إسلامي يجمع بين العمق النظري المتمثل في المقاربات الإسلامية الحداثية، والواقعية العملية التي تستجيب لخصوصية السياق السوري. وتسعى الورقة للإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن توظيف المقاربات الإسلامية الحداثية في بناء مشروع تجديدي للخطاب الديني في سورية ما بعد الصراع؟
الفصل الأول، الأسس الفلسفية للتحديث الديني في الفكر الإسلامي المعاصر:
1.1 العقلانية النقدية المؤسسة على الوحي، مقاربة طه عبد الرحمن وتطبيقاتها السورية:
يقدم المفكر المغربي طه عبد الرحمن في مشروعه الفلسفي تصوراً لحداثة إسلامية تنطلق من الداخل الحضاري الإسلامي نفسه، وليس من خلال تبني النموذج الغربي الجاهز. ويرى عبد الرحمن أن الحداثة الإسلامية ليست تبنياً لروح الحداثة الغربية، بل هي استنبات لروح جديدة تنبع من صلب التراث الإسلامي نفسه، وتستفيد من منجزات العصر دون أن تفقد جوهرها الأخلاقي.
كما ويؤسس عبد الرحمن لمفهوم "الاجتهاد التأصيلي" الذي يميزه عن "الاجتهاد التلفيقي"، حيث يرى أن "الاجتهاد التأصيلي هو الذي يعيد وصل الأمة بمقاصد الشرع الأولى، بينما الاجتهاد التلفيقي يكتفي بتلفيق الأقوال من غير نظر إلى مقاصدها الكلية"، هذا التمييز يقدم أداة منهجية مهمة لفهم إشكالية التجديد في السياق الإسلامي، حيث غالباً ما يتم اختزال الاجتهاد في إعادة ترتيب الأقوال الفقهية الموروثة دون إعادة النظر في الأسس التي تنطلق منها.
في السياق السوري، يمكن لهذه المقاربة أن تقدم أساساً نظرياً لإعادة بناء العقل الديني بعيداً عن ثنائيات التقليد الأعمى والتبعية للغرب.
حيث يبدو المجتمع السوري، بحكم تركيبه التعددي وتاريخه الحضاري الممتد من العصر الأموي إلى الدولة العثمانية، مؤهل لأن يكون مختبراً حياً لتطوير نموذج إسلامي حداثي توافقي يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وتتجلى التطبيقات العملية لهذه المقاربة في سورية عبر عدة مسارات:
أولاً، تفعيل التراث الاجتهادي السوري المتمثل في مدرسة ابن تيمية الدمشقية، مع قراءتها في ضوء معطيات العصر.
ثانياً، استعادة النزعة العقلانية في التراث السوري كما تجلت في فكر ابن رشد والكندي وغيرهما من فلاسفة الإسلام الذين نشطوا في بلاد الشام.
ثالثاً، تطوير خطاب ديني يعيد الاعتبار للبعد الأخلاقي في الإسلام، وذلك بالاستناد إلى مفهوم "الأخلاق الإسلامية" الذي يطوره عبد الرحمن في مقابل "الأخلاق الغربية" التي يرى أنها أخلاق مجردة من البعد الروحي.
1.2 النقد التاريخي للنصوص، منهجية محمد أركون وتوظيفها في فهم التحولات السورية:
يطور المفكر الجزائري محمد أركون في مشروعه "نقد العقل الإسلامي" منهجية تاريخية-نقدية تتعامل مع النص الديني كظاهرة تاريخية قابلة للتفكيك والتحليل.
يؤكد أركون أن القرآن كواقع تاريخي وميتافيزيقي يتطلب قراءات متعددة المستويات، فلا يجوز اختزاله في قراءة واحدة مهما ادعت الشمولية.
وتتمثل إسهامات أركون الأساسية في تطبيق مناهج العلوم الإنسانية الحديثة، كالسيميائيات والتاريخانية والأنثروبولوجيا، على النص الديني الإسلامي.
وهو يرى أن العقل الإسلامي يعاني من "اللاتاريخية" التي تجعله عاجزاً عن فهم النصوص في سياقاتها التاريخية، مما يؤدي إلى إسقاطات غير منهجية على الواقع المعاصر.
ويدعو أركون إلى ما يسميه "الإسلاميات التطبيقية" التي تقوم على "نزع القداسة عن القراءات البشرية للنص المقدس، مع الحفاظ على قداسة النص نفسه".
تقدم هذه المنهجية أدوات معرفية بالغة الأهمية لفهم تطور الخطاب الديني السوري في أطواره المختلفة.
فكما يُلاحظ فإن "الخطاب الديني في سورية شهد تحولات بنيوية عميقة تعكس الصراع على شرعية التمثيل الديني، حيث تنافست خطابات متعددة تدعي كل منها تمثيل الإسلام الصحيح".
ويمكن توظيف منهجية أركون في السياق السوري عبر عدة مسارات:
أولاً، تحليل الخطابات الدينية المتنافسة خلال فترة الثورة وفهم الأسس التاريخية والاجتماعية التي تنطلق منها.
ثانياً، فهم تحولات الخطاب الرسمي للمؤسسات الدينية السورية، وكيفية تفاعله مع التحديات السياسية والاجتماعية.
ثالثاً، دراسة تأثير العوامل التاريخية في تشكيل الهوية الدينية السورية، خاصة في علاقتها بالدولة والمجتمع.
1.3 التجديد المقاصدي، نصر حامد أبو زيد وعبد الجواد ياسين في ضوء التجربة السورية:
يقدم المفكر المصري نصر حامد أبو زيد قراءة للنص القرآني تركز على بعده الإنساني والاجتماعي، معتبراً أن القرآن نص مُنتج في التاريخ، وهو بالتالي يحمل هموم عصره ويجب فهمه في سياقه التاريخي، دون أن يعني ذلك نفيه عن تجاوز التاريخ، و يرى أبو زيد أن القراءات السائدة للنص القرآني غالباً ما تهمل بعده الإنساني، وتختزله في أبعاد فقهية شكلية.
ويطور الباحث المصري عبد الجواد ياسين هذا المنحى في كتابه "سلطة الدين" حيث يميز بين "دين النص" و"دين التاريخ"، داعياً إلى تحرير الأول من قبضة الثاني.
ويرى ياسين أن دين النص يتمثل في القيم والمبادئ الكلية التي جاء بها الإسلام، بينما دين التاريخ هو التجليات البشرية لهذه القيم عبر العصور، والتي غالباً ما تحمل إسقاطات العصور التي نشأت فيها.
وفي السياق السوري، يقدم هذا التمييز أداة تحليلية مهمة لفهم الاختلافات بين الإسلام كقيم ومقاصد، والإسلام كتاريخ ومؤسسات. لهذا فإن "التجربة السورية تقدم نموذجاً لتفاعل الإسلام مع مؤسسات الدولة الحديثة منذ العهد العثماني، مروراً بمرحلة الانتداب الفرنسي، ووصولاً إلى الدولة الوطنية الحديثة".
وتتجلى أهمية المقاربة المقاصدية في سورية في قدرتها على تقديم خطاب ديني يتجاوز الخلافات الفقهية الفرعية، ويركز على القيم والمقاصد الكلية للشريعة. وهذا ما يتناسب مع التركيبة المجتمعية المتنوعة في سورية، حيث يمكن للخطاب المقاصدي أن يشكل أرضية مشتركة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، بل وحتى بين الإسلام والأديان الأخرى في إطار المواطنة المشتركة.
1.4 الحوار بين المقاربات، نحو إطار نظري متكامل:
رغم اختلاف المقاربات الثلاث السابقة في مناهجها وأدواتها، إلا أنها تشترك في سعيها لتجديد الفكر الإسلامي من داخله، مع الانفتاح على منجزات الفكر الإنساني المعاصر. فمقاربة عبد الرحمن تؤكد على البعد الأخلاقي والروحي، ومقاربة أركون تركز على المنهج التاريخي-النقدي، ومقاربة أبو زيد وياسين تهتم بالبعد الإنساني والمقاصدي.
وفي السياق السوري، يمكن الجمع بين هذه المقاربات في إطار نظري متكامل، حيث تقدم مقاربة عبد الرحمن الأسس الأخلاقية للتجديد، وتقدم مقاربة أركون الأدوات المنهجية لفهم النصوص في سياقاتها التاريخية، وتقدم مقاربة أبو زيد وياسين التوجه المقاصدي الذي يركز على القيم الكلية.
هذا التكامل يمكن أن يشكل أساساً لمشروع تجديدي يستجيب لتعقيدات الواقع السوري، ويستفيد من تنوعه الثقافي والديني.
الفصل الثاني، سورية في المقارنة العربية..
دروس وتحديات:
2.1 دروس من التجارب العربية المقارنة:
تشير المقارنة مع التجارب العربية في مجال تجديد الخطاب الديني إلى تنوع في النماذج والمناهج، كل منها يستجيب لخصوصية السياق الوطني والتاريخي.
النموذج المغربي: يتميز النموذج المغربي بتطوير إسلام معتدل تحت رعاية الدولة، مع الإبقاء على المؤسسات التقليدية وتحديثها من الداخل.
يلاحظ الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز أن النموذج المغربي استطاع تحقيق توازن بين الحداثة والتقليد عبر مؤسسة إمارة المؤمنين، التي توفر إطاراً شرعياً للخطاب الديني الرسمي مع السماح بمساحات من الاجتهاد والتجديد، ومن أهم ملامح هذا النموذج تأسيس المجلس العلمي الأعلى، وإصلاح التعليم الديني، وتطوير خطاب ديني وسطي يتصدى للتطرف.
النموذج التونسي (تجربة الطاهر بن عاشور والخلف): يتميز النموذج التونسي بتطور فكر إصلاحي مبكر مع التركيز على المقاصد والعقلانية.
حيث يتميز الإصلاح الديني في تونس بالربط بين التجديد الديني والإصلاح التعليمي، إذ تم تحديث مناهج التعليم الديني في جامعة الزيتونة منذ النصف الأول من القرن العشرين"، ومن أبرز إنجازات هذا النموذج تطوير الفقه المقاصدي، والانفتاح على العلوم الإنسانية الحديثة، والفصل بين المجال الديني والمجال السياسي.
النموذج الأردني (تجربة الملكية الدينية): يتميز النموذج الأردني بتطوير مؤسسات دينية رسمية معتدلة في مواجهة التيارات الراديكالية. ويذكر الباحث الأردني إبراهيم غرايبة أن الأردن استطاع تطوير خطاب ديني وسطي عبر مؤسسات رسمية وشبه رسمية، أهمها دائرة الإفتاء العام والمجلس العلمي للإفتاء، إضافة إلى الجامعات الدينية التي تتبنى خطاباً تجديدياً،
ومن مميزات هذا النموذج التركيز على الفتاوى الجماعية، والانفتاح على المذاهب الإسلامية المختلفة، والاهتمام بقضايا المجتمع المعاصرة.
2.2 خصوصية الحالة السورية وتحدياتها:
تتميز الحالة السورية بعدة خصائص تجعل من مشروع التجديد الديني فيها إشكالية معقدة ومتعددة الأبعاد:
أولاً: التعددية الدينية العميقة التي تتجاوز التنوع المذهبي الإسلامي لتشمل الأقليات الدينية الأخرى.
تتطلب هذه التعددية نموذجاً توافقياً يتجاوز النموذج الطائفي التقليدي، ويبني على فكرة المواطنة المشتركة مع الاعتراف بالخصوصيات الدينية.
ثانياً: تراث فكري غني ومتنوع يشمل مدارس فقهية وفكرية متعددة، من المدرسة الأموية الدمشقية إلى المدارس الفقهية التي نشأت في العهد العباسي والعثماني.
حيث يشكل هذا التراث مورداً للتجديد لكنه أيضاً يحمل إشكالات تاريخية تحتاج إلى معالجة نقدية.
ثالثاً: تجربة الصراع المريرة التي تركت آثاراً عميقة على النسيج الاجتماعي السوري.
فهذه التجربة تفرض إعادة بناء الثقة الاجتماعية، وتطوير خطاب ديني يساهم في المصالحة الوطنية ويعالج جراح الماضي.
رابعاً: تحديات إعادة الإعمار التي تتطلب خطاباً دينياً داعماً للبناء والمصالحة، وليس خطاباً يشدد على الانقسامات والاختلافات.
فكما يُلاحظ في سورية ما بعد 2011، فإن "المجال الديني السوري تحول إلى ساحة لصراع مشاريع هوياتية متعارضة، مما يجعل أي مشروع تجديدي يواجه تحديات بنيوية عميقة".خ٩
خامساً: العلاقة المعقدة بين الدين والدولة التي تطورت عبر مراحل تاريخية مختلفة، من الدولة العثمانية إلى الدولة الوطنية الحديثة. هذه العلاقة تحتاج إلى إعادة نظر في ضوء التحولات التي يشهدها المجتمع السوري والدولة السورية.
2.3 إمكانية الاستفادة من التجارب العربية:
رغم خصوصية الحالة السورية، إلا أنها يمكن أن تستفيد من التجارب العربية في عدة جوانب. من النموذج المغربي يمكن الاستفادة من فكرة "الإسلام الرسمي المعتدل" الذي يجمع بين الأصالة والتحديث تحت مظلة الدولة.
ومن النموذج التونسي يمكن الاستفادة من التركيز على المقاصد والعقلانية في قراءة النصوص الدينية.
ومن النموذج الأردني يمكن الاستفادة من آلية الفتاوى الجماعية والانفتاح على المذاهب المختلفة.
لكن هذه الاستفادة يجب أن تكون نقدية، تأخذ بعين الاعتبار خصوصية السياق السوري وتعقيداته. فسورية ليست مغرباً ولا تونساً ولا أردناً، بل لها تاريخها وتركيبتها وتحدياتها الخاصة التي تتطلب نموذجاً خاصاً بها.
الفصل الثالث، نحو نموذج سوري للتجديد الديني (أطر عملية):
3.1 الإطار النظري المتكامل.. الجمع بين المقاربات الحداثية:
تقترح هذه الدراسة إطاراً نظرياً متكاملاً للتجديد الديني في سورية يجمع بين المقاربات الإسلامية الحداثية التي تم عرضها في الفصل الأول، مع مراعاة الخصوصية السورية التي تم تحليلها في الفصل الثاني.
حيث يقوم هذا الإطار على عدة أسس:
الأساس الأول، العقلانية النقدية المؤسسة على الوحي كما طورها طه عبد الرحمن، والتي ترفض الفصل بين العقل والنقل، وتؤكد على ضرورة تأسيس العقلانية على الأسس الأخلاقية الإسلامية.
الأساس الثاني: النقد التاريخي للنصوص كما طوره محمد أركون، والذي يمكن من فهم النصوص الدينية في سياقاتها التاريخية، دون الوقوع في فخ النسبية المطلقة التي تنفي عن النص أي بعد متعال.
الأساس الثالث: التجديد المقاصدي كما طوره نصر حامد أبو زيد وعبد الجواد ياسين، والذي يركز على المقاصد الكلية للشريعة والقيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام.
الأساس الرابع: الخصوصية السورية التي تأخذ بعين الاعتبار التنوع الديني والمذهبي، وتجربة الصراع، وتحديات إعادة الإعمار، والعلاقة المعقدة بين الدين والدولة.
3.2 آليات الانتقال من التنظير إلى التطبيق:
المرحلة الأولى، إصلاح المؤسسات التعليمية الدينية:
تشكل المؤسسات التعليمية الدينية المدخل الرئيسي لأي مشروع تجديدي، حيث تنتج النخب الدينية وتشكل عقول الأجيال الجديدة.
تقترح هذه الدراسة عدة إصلاحات في هذا المجال:
أولاً، تطوير مناهج كليات الشريعة لتشمل العلوم الإنسانية الحديثة، كعلم الاجتماع الديني، والأنثروبولوجيا، وتاريخ الأديان، وعلم النفس الديني. فهذه العلوم تقدم أدوات منهجية لفهم الظاهرة الدينية في أبعادها المختلفة.
ثانياً، إنشاء مراكز بحثية متخصصة في الدراسات الإسلامية المعاصرة، تعمل على تطوير الفكر الإسلامي في ضوء تحديات العصر، مع الانفتاح على التيارات الفكرية العالمية.
ثالثاً، إدخال مناهج التفكير النقدي والحوار بين الأديان والمذاهب في التعليم الديني، لتخريج دعاة وخطباء قادرين على التعامل مع التنوع والاختلاف.
كما يؤكد بعض الباحثين على ضرورة إصلاح التعليم الديني ليشمل الحوار مع العلوم الإنسانية، وتطوير منهجية نقدية في قراءة النصوص، والانفتاح على الثقافات الأخرى دون فقدان الهوية
المرحلة الثانية، تجديد الخطاب الدعوي والإعلامي:
يشكل الخطاب الدعوي والإعلامي الواجهة العامة للدين في المجتمع، وهو ما يتلقاه عامة الناس في المساجد والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.
كما تقترح هذه الدراسة عدة تحسينات في هذا المجال:
أولاً، تطوير خطاب ديني يتناول قضايا المجتمع المعاصرة، كقضايا الشباب، والمرأة، والعمل، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، وليس فقط قضايا العبادات والشعائر.
ثانياً، تدريب الدعاة والخطباء على مهارات الحوار والتواصل الحديثة، والقدرة على التعامل مع الأسئلة والإشكالات المعاصرة.
ثالثاً، إنتاج مواد إعلامية دينية تعالج هموم الشباب وتقدم الإسلام بصورة إيجابية تتجاوز الصورة النمطية السائدة.
المرحلة الثالثة، تفعيل دور المؤسسات الدينية في المصالحة الوطنية:
تشكل المصالحة الوطنية أحد التحديات الكبرى التي تواجه سورية بعد سنوات الصراع.
فيمكن للمؤسسات الدينية أن تلعب دوراً مهماً في هذا المجال عبر:
أولاً، تطوير "فقه المصالحة" يستند إلى قيم العفو والتسامح الإسلامية، ويقدم أدوات عملية لمعالجة جراح الماضي وبناء مستقبل مشترك.
ثانياً، تفعيل دور المساجد كمراكز للتواصل المجتمعي، تعمل على جمع الناس على القواسم المشتركة، وتعالج أسباب الفرقة والانقسام.
ثالثاً، تطوير خطاب ديني يركز على القيم المشتركة بين المذاهب والأديان، ويعزز فكرة المواطنة المشتركة التي تقوم على الاحترام المتبادل.
فالمؤسسات الدينية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في المصالحة الوطنية، عبر تطوير خطاب ديني يجمع ولا يفرق، ويعمل على بناء الجسور بين المكونات المجتمعية المختلفة.
3.3 مؤشرات قياس التقدم والتقييم:
لكي يكون مشروع التجديد الديني قابلاً للتنفيذ والتقييم، يحتاج إلى مجموعة من المؤشرات التي تقيس مدى التقدم في تحقيقه.
تقترح هذه الدراسة عدة مؤشرات في مجالات مختلفة:
- في مجال التعليم الديني، يمكن قياس نسبة المناهج التجديدية في كليات الشريعة، وتنوع التخصصات العلمية التي تدرس فيها، ومدى انفتاحها على العلوم الإنسانية الحديثة.
- ففي مجال الخطاب الديني، يمكن قياس مدى معالجة القضايا المعاصرة في الخطب والدروس الدينية، والتوازن في الطرح بين الثوابت والمتغيرات، والقدرة على مخاطبة مختلف شرائح المجتمع.
- وفي مجال المشاركة المجتمعية، يمكن قياس دور المؤسسات الدينية في التنمية المجتمعية، ومشاركة الشباب في الأنشطة الدينية، وتفاعل المؤسسات الدينية مع قضايا المجتمع.
- وأما في مجال الحوار بين المذاهب، فيمكن قياس عدد المبادرات المشتركة بين المذاهب المختلفة، ومدى تقليل خطاب الكراهية والتحريض، ونمو ثقافة الحوار والتسامح.
3.4 التحديات والمعوقات المتوقعة:
لا يخلو أي مشروع تجديدي من التحديات والمعوقات.
وفي السياق السوري، يمكن توقع عدة تحديات:
التحدي الأول: المقاومة من قبل التيارات التقليدية التي ترى في التجديد تهديداً للهوية الدينية وخروجاً عن المألوف.
التحدي الثاني: الاستقطاب السياسي والطائفي الذي يجعل من الصعب تطوير خطاب ديني توافقي يعترف بالجميع.
التحدي الثالث: ضعف المؤسسات الدينية الرسمية وقدرتها على قيادة عملية التجديد، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها سورية.
التحدي الرابع: التدخلات الخارجية التي تحاول توظيف الدين لخدمة أجندات سياسية، مما يعقد مهمة التجديد الديني.
وعليه، فمواجهة هذه التحديات تتطلب حكمة وصبراً وإرادة سياسية واجتماعية، وحواراً مستمراً بين جميع الأطراف المعنية.
الفصل الرابع، توصيات عملية وآفاق مستقبلية:
4.1 توصيات عملية مرحلية:
على المدى القصير (1-2 سنة):
أولاً، عقد مؤتمرات حوارية بين تيارات الفكر الإسلامي السوري المختلفة، تهدف إلى بناء لغة مشتركة وتحديد الأولويات المشتركة للتجديد.
ثانياً، تطوير برامج تدريبية للدعاة والخطباء، تركز على مهارات الحوار والتواصل، وفهم التحولات المجتمعية، والقدرة على التعامل مع الأسئلة المعاصرة.
ثالثاً، إطلاق مبادرات بحثية حول التجديد الديني في السياق السوري، تشمل دراسة التجارب العربية والعالمية، وتحليل الواقع السوري، وتطوير مقترحات عملية.
على المدى المتوسط (3-5 سنوات):
أولاً، إصلاح مؤسسات التعليم الديني الرسمية، عبر تحديث المناهج، وتدريس العلوم الإنسانية الحديثة، وتطوير مهارات التفكير النقدي.
ثانياً، إنشاء مراكز للدراسات الإسلامية المعاصرة، تعمل على تطوير الفكر الإسلامي في ضوء تحديات العصر، وتقدم استشارات للمؤسسات الدينية.
ثالثاً، تطوير خطاب ديني إعلامي متجدد، يستخدم الوسائل الحديثة، ويخاطب مختلف شرائح المجتمع، ويعالج القضايا المعاصرة.
على المدى الطويل (5-10 سنوات):
أولاً، تأسيس نموذج سوري متميز للتجديد الديني، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويراعي خصوصية السياق السوري.
ثانياً، تصدير الخبرة السورية في مجال التجديد الديني إلى الدول العربية والإسلامية الأخرى، والمشاركة في الحوارات العالمية حول الدين والحداثة.
ثالثاً، المساهمة في تطوير الفكر الإسلامي العالمي، عبر تقديم قراءات تجديدية للنصوص الدينية، تعالج إشكاليات العصر.
4.2 آليات التنفيذ والتمويل:
الجهات المنفذة المقترحة:
أولاً، وزارة الأوقاف السورية، شريطة إصلاحها وتحديث هياكلها، وجعلها أكثر انفتاحاً وتنوعاً.
ثانياً، الجامعات والمراكز البحثية، عبر كليات الشريعة والمراكز المتخصصة في الدراسات الدينية.
ثالثاً، مؤسسات المجتمع المدني الدينية، كالجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تعمل في المجال الديني.
مصادر التمويل المقترحة:
أولاً، ميزانية الدولة المخصصة للشؤون الدينية، مع إعادة توجيهها نحو مشاريع التجديد والتطوير.
ثانياً، المنح الدولية الموجهة لبناء السلام والمصالحة المجتمعية، خاصة من المنظمات الدولية المهتمة بالحوار الديني.
ثالثاً، تبرعات القطاع الخاص، عبر مؤسسات القطاع الخاص التي ترغب في دعم مشاريع التنمية المجتمعية.
4.3 الرؤية المستقبلية:
تتلخص الرؤية المستقبلية لمشروع التجديد الديني في سورية والتي نتبناه في تيار المستقبل السوري في بناء نموذج سوري متميز،
يتميز بعدة خصائص:
الخاصية الأولى: الجمع بين الأصالة والمعاصرة، حيث يحافظ على الأصول والثوابت الدينية، وينفتح في الوقت نفسه على متطلبات العصر وتحدياته.
الخاصية الثانية: التوازن بين الهوية والانفتاح، حيث يعزز الهوية الدينية والثقافية، وينفتح على الثقافات الأخرى في إطار الحوار والتفاعل الإيجابي.
الخاصية الثالثة: التركيز على القيم المشتركة بين المذاهب، حيث يبحث عن القواسم المشتركة بين المذاهب الإسلامية المختلفة، ويعمل على تعزيزها.
الخاصية الرابعة: الربط بين التجديد الديني والتنمية المجتمعية، حيث يساهم الخطاب الديني في معالجة مشاكل المجتمع، ودعم عملية التنمية الشاملة.
خاتمة:
يخلص الباحث اللبناني رضوان السيد في تحليله لإشكالات التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، إلى أن الفكر الإسلامي المعاصر لا يمكن أن يتجدد إلا بانخراطه في هموم أمته ومعاناتها، وبانفتاحه على تراثه النقدي، وبشجاعته في مواجهة تحديات العصر، وينطبق هذا الكلام بصفة خاصة على الحالة السورية، التي تمر بمرحلة حاسمة في تاريخها.
فالتجديد الديني في حقيقته ليس ترفاً فكرياً، إنما هو ضرورة حيوية لإعادة بناء المجتمع السوري بعد سنوات الصراع.
بل إنه مدخل أساسي للمصالحة الوطنية، ولإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، ولتأسيس مستقبل مشتق يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون في بناء الوطن.
وعليه، يتطلب النجاح في هذا المشروع تحالفاً بين المثقفين المجددين والمؤسسات الدينية التقليدية، في حوار بناء يهدف إلى إنتاج خطاب ديني يجمع بين العمق النظري والواقعية العملية، بين الثوابت والمتغيرات، بين الهوية والانفتاح.
إنه مشروع طموح، لكنه ليس مستحيلاً، إذا وجدت الإرادة الصادقة، والحكمة في التعامل مع التعقيدات، والصبر على طول الطريق.
وإن مستقبل سورية، كدولة ومجتمع، مرتبط إلى حد كبير بقدرتها على تطوير نموذج ديني متجدد، يستجيب لتحديات العصر، ويحافظ على الأصالة، ويساهم في بناء مجتمع العدل والسلام والتنمية.
وهذا ما تسعى هذه الدراسة للإسهام فيه، عبر تقديم رؤية نظرية وعملية للتجديد الديني في السياق السوري المعاصر.
المراجع:
أ. المراجع الأساسية في الفكر الإسلامي الحداثي:
- عبد الرحمن، طه. 2006. روح الحداثة: المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- أركون، محمد. 1992. نقد العقل الإسلامي. ترجمة هاشم صالح. بيروت: دار الساقي.
- أبو زيد، نصر حامد. 1990. مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- السيد، رضوان. 2010. الإسلام المعاصر: إشكاليات التجديد. بيروت: دار الكتاب العربي.
- ياسين، عبد الجواد. 2012. سلطة الدين: جدلية النص والتاريخ. بيروت: دار التنوير.
ب. الدراسات الأكاديمية عن سورية (باللغة الإنجليزية):
- Pierret, Thomas. 2013. Religion and State in Syria: The Sunni Ulama from Coup to Revolution. Cambridge: Cambridge University Press.
- Van Dam, Nikolaos. 2017. Destroying a Nation: The Civil War in Syria. London: I.B. Tauris.
- Hinnebusch, Raymond. 2001. Syria: Revolution from Above. London: Routledge.
ج. دراسات اسلامية معاصرة:
- العوا، محمد سليم. 2004. في النظام السياسي للدولة الإسلامية. القاهرة: دار الشروق.
- القرضاوي، يوسف. 2001. فقه الدولة في الإسلام. القاهرة: دار الشروق.
د. مقالات في مجلات محكمة
- صعب، جوسلين. 2020. "المجال الديني في سوريا ما بعد 2011: تحولات وإعادة تشكيل." مجلة عمران للعلوم الاجتماعية 9 (35): 145–167. https://doi.org/10.12816/0055182.
- Heydemann, Steven. 2021. "Syria’s Reconstruction and the Politics of Exclusion." Carnegie Middle East Center. Accessed at https://carnegie-mec.org/.
هـ. دراسات مقارنة وتحليلية:
- بلقزيز، عبد الإله. 2012. الدين والدولة في الوطن العربي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
- Phillips, Christopher. 2020. The Battle for Syria: International Rivalry in the New Middle East. New Haven: Yale University Press.
و. مراجع منهجية ونظرية:
- Ramadan, Tariq. 2010. The Quest for Meaning: Developing a Philosophy of Pluralism. London: Penguin Books.
- الطويل، محمد عمار. 2015. "الإصلاح الديني في الفكر العربي المعاصر." سلسلة أوراق بحثية. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.