العلاقة الروسية السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد

انهار أحد أبرز أعمدة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وكانت روسيا قد تدخلت عسكريا في سورية عام 2015 لدعم الأسد، محققة مكاسب استراتيجية كبيرة: قواعد عسكرية دائمة في حميميم (جوية) وطرطوس (بحرية)، ونفوذ قوي في شرق المتوسط، بالإضافة إلى دورها كلاعب رئيسي في توازن القوى الإقليمي.
هذا وقد بدا سقوط الأسد، الذي فر إلى موسكو، بدا في البداية كارثة استراتيجية لروسيا، خاصة مع حربها في أوكرانيا التي استنزفت مواردها.
ومع ذلك، بعد عام واحد (حتى فبراير 2026)، تظهر العلاقات الروسية السورية تحولاً براغماتيا نحو "شراكة حذرة" بدلاً من التبعية السابقة. والحكومة الانتقالية السورية تسعى لإعادة تعريف العلاقة على أساس الندية والمصالح المتبادلة، بينما تحافظ روسيا على وجود عسكري محدود لكن استراتيجي.
هذا التحول لم يكن ليكون مفاجئا؛ بل هو نتيجة توازن قوى جديد يفرضه الواقع السوري الداخلي والإقليمي، مع دور متزايد لتركيا والخليج والولايات المتحدة.

السياق التاريخي والاستراتيجي، من التحالف الوثيق إلى الفراغ المؤقت:

بدأت العلاقات الروسية السورية قوية منذ عهد حافظ الأسد، لكن التدخل العسكري الروسي عام 2015 حوّلها إلى تحالف وجودي. واستخدمت روسيا سورية كنقطة انطلاق لإعادة تأكيد دورها كقوة عظمى، خاصة بعد ضم القرم وتوتراتها مع الناتو. وقد منحت القواعد في حميميم وطرطوس موسكو قدرة على الإسقاط الجوي في المتوسط، دعم عملياتها في أفريقيا، ومواجهة النفوذ الأمريكي.
مع سقوط الأسد، شهدت الأسابيع الأولى انسحاباً جزئياً تمثل بـ:
نقل أصول عسكرية إلى ليبيا (تحت سيطرة خليفة حفتر)، وتقليص الوجود في القامشلي شمال شرقي سورية.
اكتمل انسحاب جزء كبير من طرطوس، بحلول مارس 2025، مع بقاء وجود محدود في حميميم.
لكن بحلول أكتوبر 2025، استؤنفت رحلات عسكرية روسية إلى حميميم، وأجرى الشرع زيارة تاريخية إلى موسكو في 15 أكتوبر 2025، حيث أكد احترام الاتفاقيات السابقة مع إعادة تعريفها لضمان "سيادة سورية ووحدتها".
يعكس هذا التحول براغماتية دمشق: سورية الجديدة تحتاج إلى دعم روسي في مجلس الأمن، ومساعدات اقتصادية (نفط، قمح، إعادة إعمار الطاقة)، ودور توازني ضد إسرائيل. من جانبها، روسيا تريد الحفاظ على قواعدها كأصل استراتيجي، خاصة مع حرب أوكرانيا التي تجعل المتوسط ممراً لوجستيا حيويا.

الوضع العسكري الحالي، بقاء محدود مع إعادة تفاوض:

يبقى الوجود الروسي حتى فبراير 2026، مُركزا في حميميم (الجوية) وطرطوس (البحرية)، مع انسحاب تدريجي من القامشلي.
هذا وتشير التقارير إلى استمرار استخدام حميميم للإمدادات، مع عودة رحلات عسكرية بعد توقف ستة أشهر. وقد سمحت دمشق ببقاء محدود مقابل ضمانات وهي عدم دعم فلول الأسد، والمساعدة في إعادة بناء الجيش السوري (تدريب على أسلحة سوفييتية قديمة).

وفي يوليو 2025، زار وفد سوري رفيع (وزيرا الخارجية والدفاع) روسيا، مطالبا بعودة قوات روسية إلى جنوب سورية (قرب الحدود الإسرائيلية) لاحتواء إسرائيل، خاصة بعد ضربات إسرائيلية في دمشق. لكن إسرائيل اعترضت، مما أوقف التقدم.
يُظهر هذا حدود النفوذ الروسي، فموسكو لم تعد قادرة على فرض وجودها كما في عهد الأسد، بل تعتمد على تفاوض مع دمشق واللاعبين الإقليميين.

الأبعاد الاقتصادية والإنسانية، أدوات نفوذ ناعم:

قدمت روسيا مساعدات فورية تمثلت بشحنات نفط وقمح منذ الربيع 2025، ووعود بإعادة تأهيل الطاقة والنقل. ساعد ذلك الحكومة الانتقالية في مواجهة أزمة الطاقة والغذاء، مقابل تسهيلات للقواعد.

اقتصاديا، تسعى روسيا لاستثمارات في الحقول الغازية والموانئ، لكن دمشق أنهت عقد استثمار روسي في ميناء طرطوس التجاري عام 2025 بسبب عدم الالتزام، مما يظهر حرص دمشق على السيادة الاقتصادية.

الديناميكيات الإقليمية والدولية، توازن متعدد الأقطاب:

تتبع سورية الجديدة سياسة "التوازن الإيجابي" عبر تعزيز علاقات مع تركيا (الداعم الرئيسي لدمشق)، والخليج (دعم مالي للرواتب والطاقة)، والولايات المتحدة (تفاوض حول العقوبات والإرهاب وترسيخ وحدة سورية).
أصبحت روسيا "لاعباً واحداً بين عدة"، لا الشريك الوحيد.
هذا وتفضل إسرائيل بقاء روسيا كـ"حاجز" ضد النفوذ التركي، بينما تركيا تريد روسيا لتوازن إسرائيل.
وتراقب الولايات المتحدة بحذر، فسقوط الأسد كان ضربة لإيران (قطع جسرها إلى حزب الله)، لكن بقاء روسيا يثير مخاوف من عودة نفوذها.
وقد طالب الاتحاد الأوروبي بطرد روسيا في مارس 2025، لكن الضغط تراجع.

التحديات والمخاطر، عدم الثقة والاعتماد المتبادل:

الشكوك السورية تجاه روسيا عميقة، فدعمها للأسد تسبب في آلاف الضحايا، ورفض تسليمه يعيق العدالة الانتقالية.
والرئيس الشرع يواجه ضغوطاً داخلية لتقليص الوجود الروسي، لكنه يحتاج إلى دعمها ضد فلول الأسد (خاصة في الساحل) وفي مجلس الأمن.
وتواجه روسيا قيوداً تتمثل بـ: حرب أوكرانيا التي تستنزف مواردها، ونفوذها في سورية أصبح "مجزأً" و"مؤقتا". فإذا فشلت في تقديم دعم حقيقي، قد تفقد حتى الوجود المحدود.

الخلاصة، نحو شراكة براغماتية محدودة؛

ليست علاقة روسيا وسورية الجديدة عودة للتحالف القديم، بل تظهر كنموذج جديد قائم على المصالح المتبادلة والحذر.
فسورية تستفيد من روسيا كـ"ورقة توازن"، بينما روسيا تحافظ على موطئ قدم استراتيجي.
ولكن هذا التوازن هش، وقد يتغير مع تقدم الإصلاحات الداخلية أو تغيرات إقليمية.
وفي النهاية، يعكس هذا التحول انتقال الشرق الأوسط نحو تعدد الأقطاب، حيث لا يعود أي لاعب قادرا على الهيمنة المطلقة.

المراجع:

  • INSS Insight No. 2077, "Is Russia Returning as a Security Actor in Syria?" (19 يناير 2026).
  • The Washington Institute, "The Window to Counter Russia in Syria Is Closing" (20 أكتوبر 2025).
  • Carnegie Endowment, "The Rapprochement Between Russia and Syria Is a Temporary Necessity" (4 سبتمبر 2025).
  • MEMRI Inquiry & Analysis No. 1898, "Al-Sharaa Regime Strengthening Ties With Russia Amid Public Disapproval" (25 نوفمبر 2025).
  • جسور للدراسات، "إعادة بناء العلاقات الروسية السورية ما بعد نظام الأسد" (30 نوفمبر 2025).
  • CSIS, "Syria’s Promise and Challenges One Year After Assad’s Fall" (4 ديسمبر 2025).
  • The Soufan Center IntelBrief, "Syria Exploits Great Power Competition" (20 أكتوبر 2025).

شاركها على:

اقرأ أيضا

اعتماد نظام الرمز الرقمي (QR) لتعزيز الرقابة على الأسواق في دمشق

نظام الرمز الرقمي في دمشق: خطوة حديثة لمكافحة الغش التجاري وتعزيز الحوكمة الرشيدة في الأسواق.

4 فبراير 2026

إدارة الموقع

تسلم سورية رئاسة المجموعة العربية لدى الأمم المتحدة

تسلم سورية رئاسة المجموعة العربية لدى الأمم المتحدة خطوة دبلوماسية تعكس عودتها إلى العمل العربي المشترك.

4 فبراير 2026

إدارة الموقع