رموز وأعلام الدولة في سورية (44)علي رضا الركابي

يُعدّ علي رضا الركابي واحداً من أبرز رجالات الدولة السورية في مرحلة التأسيس، ومن الشخصيات التي جمعت بين الخبرة الإدارية والعسكرية، والالتزام بالمشروع القومي العربي، ورفض الاحتلال الأجنبي.

وُلد علي رضا الركابي في دمشق لأسرة دمشقية عريقة عمل أبناؤها في التجارة.
تلقّى تعليمه في المدرسة الرشيدية بدمشق، ثم التحق بالكلية العسكرية في إسطنبول، وتخرج منها ضابطاً في الجيش العثماني، حيث خدم في عدة مواقع قيادية.

تولّى مناصب عسكرية وإدارية رفيعة، فعُيّن قائداً عسكرياً ومحافظاً لمدينة القدس، ثم للمدينة المنورة، قبل أن يُنقل إلى بغداد فالبصرة، وذلك قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914.
عُرف الركابي بمعارضته الصريحة لقرار دخول الدولة العثمانية الحرب، وطالب علناً بالحياد، معتبراً أن الزج بالجيش في حرب أوروبية سيؤدي إلى كارثة.
هذا الموقف كلّفه تسريحه من الجيش وإحالته إلى التقاعد المبكر وهو في السادسة والأربعين من عمره.

عاد الركابي إلى دمشق، حيث سعى جمال باشا للاستفادة من خبرته، فعُيّن رئيساً لبلدية دمشق عام 1915.
ومع اقتراب نهاية الحكم العثماني، كلفه الشريف حسين بن علي عشية سقوط دمشق في 26 أيلول 1918 بتسلّم إدارة المدينة ورفع علم الثورة العربية، إلا أن الفوضى التي رافقت انسحاب العثمانيين أدت إلى قيام الأمير محمد سعيد الجزائري بتنصيب نفسه حاكماً دون تفويض.
وبعد دخول الضابط البريطاني توماس لورنس إلى دمشق، جرى عزل الأمير الجزائري وتعيين علي رضا الركابي حاكماً عسكرياً للمدينة.

اتخذ الركابي إجراءات حازمة لضبط الأمن، فقام باعتقال الأمير محمد سعيد الجزائري ونصب المشانق في ساحة المرجة لردع أعمال السلب والفوضى التي شهدتها المدينة. وفي 3 تشرين الأول 1918، بايع الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً على دمشق، وكُلّف بتشكيل مجلس حكم تولّى إدارة سورية حتى آب 1919.

شهدت تلك المرحلة تحرير مدينة حلب من الحكم العثماني، في حين وقع الساحل السوري تحت الاحتلال الفرنسي.
ورغم ذلك، قدّم الركابي دعماً سرياً للثورات المسلحة ضد الفرنسيين في الشمال والساحل وأنطاكيا، إيماناً منه بضرورة مقاومة الاحتلال.

ارتبط الركابي بعلاقة ثقة متينة مع الأمير فيصل، تعود إلى عام 1915 حين التقيا في منزل عطا الله البكري، وانتسبا معاً إلى الجمعية العربية الفتاة التي عملت سراً لإسقاط الحكم العثماني.
وبعد الحرب، ساهم الركابي في إعادة تنظيم الجمعية، إلى جانب أحمد قدري ونسيب البكري.

من أبرز إنجازاته تعريب مؤسسات الدولة السورية، وإعادة فتح معهد الطب في البرامكة عام 1919، ثم معهد الحقوق، إضافة إلى تأسيس جريدة العاصمة الناطقة باسم الحكومة.
كما أصدر قراراً بإلغاء الألقاب العثمانية داخل مؤسسات الدولة، متخلياً هو نفسه عن لقب الباشا.

اتسم حكمه بالانفتاح الاجتماعي والديني، فاهتم بأوضاع الأرمن المتضررين من المجازر، وأعفاهم من الضرائب، كما تواصل مع الطائفة اليهودية في دمشق، وضم ممثلين عن مختلف الطوائف إلى المجالس البلدية والإدارية، في نموذج مبكر للدولة الوطنية الجامعة.

في 4 آب 1919، شكّل حكومة مديرين ضمّت شخصيات مسلمة ومسيحية ودرزية، ما عكس رؤيته لسورية كوطن واحد لجميع أبنائه.
غير أن خلافه مع الأمير فيصل تصاعد بسبب موقف الأخير المهادن للبريطانيين وقبول بقاء قواتهم العسكرية، فقدم الركابي استقالته في 22 تشرين الثاني 1919، منتقداً اتفاقية سايكس بيكو وواصفاً إياها بالمجحفة بحق البلاد.

بعد إعلان استقلال سورية وتتويج فيصل ملكاً في 8 آذار 1920، عاد الركابي لتشكيل حكومة جديدة، إلا أن تهديدات الفرنسيين وزحفهم نحو دمشق دفعته للاستقالة مجدداً في 3 أيار 1920، رافضاً خوض حرب غير متكافئة ستؤدي إلى تدمير الجيش السوري.
وقد ثبتت صحة تقديراته بعد هزيمة ميسلون واحتلال دمشق في تموز 1920.

غادر الركابي سورية إثر صدور قرار فرنسي باعتقاله، وانتقل إلى مصر ثم الحجاز، قبل أن يُكلّف بمساعدة الأمير عبد الله بن الحسين في تأسيس إمارة شرق الأردن، حيث شغل منصب رئيس الوزراء عام 1922، وأسهم في وضع القوانين المالية والإدارية للدولة الناشئة.
إلا أن خلافه مع الضابط البريطاني جون فيلبي دفعه للاستقالة والعودة إلى دمشق عام 1923.

في دمشق، أسس حزب الأمة الملكي، داعياً إلى استعادة العرش الهاشمي في سورية. خاض عدة معارك سياسية وانتخابية، أبرزها انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1932، لكنه خسرها واعتزل العمل السياسي نهائياً.

توفي علي رضا الركابي في دمشق في 25 أيار 1942 عن عمر ناهز 74 عاماً، بعد إصابته بجلطة أدت إلى شلل مزمن. وبرز من بعده نجله أكرم الركابي، الذي تولى الأمانة العامة لوزارة الزراعة في مطلع عهد الاستقلال.

موقف تيار المستقبل السوري:
إننا في تيار المستقبل السوري، إذ نستذكر رجالات الدولة المؤسسين لسورية، نستحضر علي رضا الركابي بوصفه أحد رموز الاستقلال وأعلام الدولة السورية الأولى، ورجلاً جمع بين الإخلاص للمشروع الهاشمي، ورفض الاحتلال، والعمل الوطني المسؤول في مرحلة التأسيس.

تأتي هذه المادة ضمن سلسلة رموز وأعلام الدولة السورية، في إطار مشروع توثيقي يهدف إلى ربط حاضرنا الثوري بماضٍ وطني صلب، وإحياء الحاجة إلى صناعة رجال دولة يحفظون الوطن، ويصونون مكتسباته، ويعيدون للدولة السورية عزّها ومجدها بعد عقود من الاستبداد والفساد.

شاركها على:

اقرأ أيضا

إعلان الدنمارك إعادة فتح سفارتها في دمشق

يرحب تيار المستقبل السوري بإعادة فتح سفارة الدنمارك في دمشق، خطوة دبلوماسية هامة لفهم الوضع السوري.

1 فبراير 2026

إدارة الموقع

الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان

الأسبوع العالمي للوئام بين الأديان يمثل دعوة لتفعيل الديمقراطية والتنوع في المجتمع السوري

1 فبراير 2026

إدارة الموقع