تُعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو ولقاءه بالرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين، الثانية من نوعها خلال أقل من أربعة أشهر (بعد زيارة أكتوبر 2025)، تُعد حدثاً جيوسياسياً محورياً في مسار سورية ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024. حيث لم تعد العلاقة الروسية-السورية علاقة "عميل-راعٍ" كما كانت في عهد الأسد، بل تحولت إلى شراكة معاملاتية (transactional partnership) يحكمها حسابات المصالح المتبادلة الباردة.
فروسيا، التي استثمرت عسكرياً وسياسياً بشكل كبير في دعم النظام البائد تواجه الآن ضرورة الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في شرق المتوسط في ظل استنزافها في أوكرانيا، بينما يسعى الشرع إلى تحويل "الورقة الروسية" إلى أداة لتعزيز الشرعية الدولية، وإعادة الإعمار، وتوحيد الأراضي دون الوقوع في تبعية كاملة.
أسباب الزيارة، دوافع مزدوجة ومتقاطعة:
- الأولوية الروسية الأولى ضمان استمرار القواعد العسكرية:
القاعدتان الرئيسيتان – حميميم الجوية، وطرطوس البحرية – تمثلان الإرث الاستراتيجي الأبرز لروسيا في الشرق الأوسط.
حيث أصبحت في ظل الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية هذه القواعد أكثر أهمية كمخرج بحري آمن ونقطة إسقاط للقوة الجوية.
لهذا كانت الزيارة فرصة لروسيا للحصول على تأكيدات قانونية وسياسية جديدة من الحكومة الانتقالية، مقابل تقديم دعم فني وعسكري لإعادة هيكلة الجيش السوري وتدريبه. - دوافع الشرع، البراغماتية متعددة الاتجاهات:
يتبع الشرع سياسة "التوجهات المتعددة" (multi-vector foreign policy) لتجنب التبعية لأي طرف واحد. فبعد تواصله مع واشنطن ودول الخليج، كانت الزيارة ضرورية لإثبات أن سورية قادرة على التفاوض مع الجميع دون استعداء أحد.
كما أن روسيا تقدم دعماً فورياً في مجالات حساسة مثل: تصدير القمح (لمعالجة أزمة الغذاء)، وإعادة تأهيل حقول النفط والغاز، واستغلال مناجم الفوسفات عبر ميناء طرطوس. - العامل الإقليمي، عبر توحيد الأراضي ومواجهة التحديات الشمالية الشرقية:
أشاد بوتين بـ"الزخم المتزايد" في استعادة وحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى دور روسيا المحتمل كوسيط في الشمال الشرقي (مع قوات سوريا الديمقراطية).
وهذا يعكس رغبة دمشق في استخدام الدعم الروسي لتعزيز السيطرة على المناطق الكردية والنفطية دون مواجهة مباشرة مع تركيا أو الولايات المتحدة.
النتائج المباشرة والإشارات الأولية:
- تصريحات إيجابية متبادلة: أكد بوتين تقدم العلاقات الثنائية واستعداد روسيا للمشاركة في إعادة الإعمار، بينما شكر الشرع روسيا على "دورها التاريخي" في الاستقرار.
- التزامات اقتصادية أولية: تقدم ملحوظ في التعاون الاقتصادي (نمو يتجاوز 4% في بعض القطاعات)، مع تعهد روسي بتوريد القمح وإعادة تشغيل مشاريع الطاقة.
- القواعد العسكرية: لم يُعلن اتفاق نهائي، لكن الإشارات تدل على تمديد ضمني مقابل شروط جديدة (زيادة السيادة السورية، وتقليل التدخل الدولي، وربما استخدام ملف بشار الأسد كورقة ضغط).
- إشارة دبلوماسية: تعزز الزيارة صورة الشرع كقائد براغماتي قادر على التوازن بين موسكو وواشنطن.
السيناريوهات المتوقعة (قصيرة ومتوسطة الأجل):
- سيناريو التفاهم البراغماتي (الأكثر احتمالاً – 60-70%):
اتفاق طويل الأمد على القواعد مقابل دعم روسي في إعادة الإعمار والتدريب العسكري، مع ضمانات سورية بعدم السماح بقواعد غربية أو تركية قريبة. قد يؤدي ذلك إلى استقرار نسبي في العلاقة. - سيناريو التوتر التدريجي (20-25%):
إذا طالبت دمشق بتقليص كبير للوجود الروسي أو تسليم الأسد، قد تتأخر المفاوضات أو تتراجع روسيا جزئياً، مما يدفع الشرع لتعزيز التواصل مع الغرب. - سيناريو الانهيار (أقل احتمالاً – <10%):
في حال تصاعد الضغوط الداخلية أو الإقليمية (مثل تدخل تركي كبير أو انهيار اقتصادي)، قد تُعاد تقييم الشراكة جذرياً، لكن هذا يبقى بعيداً في الوقت الراهن.
خاتمة:
من خلال كل ذلك، فإننا في تيار المستقبل السوري نوصي بالآتي:
- تعزيز الشفافية في الاتفاقيات عبر نشر بنود أساسية من أي اتفاق جديد مع روسيا لتجنب الاتهامات بالتبعية، مع الحفاظ على سرية التفاصيل العسكرية الحساسة.
- تنويع الشراكات، وتسريع الحوار مع الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والخليج للحصول على دعم مالي وتقني يوازي (أو يفوق) الدعم الروسي، لتجنب الاعتماد الأحادي.
- استخدام ملف الأسد بحكمة، والضغط على موسكو لتسليمه أو محاكمته دولياً كورقة مساومة، لكن دون تحويله إلى شرط تعجيزي يعرقل الاتفاقات الأخرى.
- بناء قدرات داخلية، من خلال التركيز على إعادة هيكلة الجيش والاقتصاد لتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية طويل الأمد.
- دور إقليمي متوازن، مثلا: تعزيز التنسيق مع تركيا والأردن لإدارة ملفات الشمال واللاجئين، مع الحفاظ على قنوات مفتوحة مع المعارضة في إيران.
إن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو تبدو كإعادة تأسيس لعلاقة جديدة مبنية على البراغماتية والمصالح المشتركة.
وروسيا تحتاج إلى سورية كمخرج استراتيجي، وسورية تحتاج إلى روسيا كشريك فني ودبلوماسي في مرحلة انتقالية هشة.
وعليه، فنجاح هذه الشراكة يعتمد على قدرة الشرع على الحفاظ على توازن دقيق بين الالتزامات الروسية والانفتاح الدولي، في وقت تتغير فيه موازين القوى الإقليمية والعالمية بسرعة.
وإذا نجحت دمشق في تحويل "الورقة الروسية" إلى أداة للاستقلال النسبي، فقد تكون هذه الزيارة بداية لعهد جديد من السيادة السورية المستعادة.