المقدمة:
يبرز قطاع الصادرات كأحد أبرز الركائز لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، وذلك مع دخول سورية عام 2026، وبعد رفع الولايات المتحدة لمعظم العقوبات الشاملة على سورية – بما في ذلك إصدار الأمر التنفيذي EO 14312 في 30 يونيو 2025 الذي أنهى برنامج العقوبات السورية الشاملة اعتبارًا من 1 يوليو 2025، وإلغاء قانون قيصر بالكامل ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (NDAA FY2026) في 18 ديسمبر 2025
ومع ذلك، تظل المعوقات الهيكلية وعلى رأسها البيروقراطية الإدارية أكبر تحدٍ داخلي، متفوقة حتى على الآثار المتبقية للعقوبات السابقة.
في تصريحاته الرسمية بتاريخ 22 يناير 2026 لمنصة "هاشتاغ"، أكد المدير العام لهيئة تنمية ودعم الصادرات، منهل فارس، أن "البيروقراطية" هي أبرز معوقات التصدير، مشيرا إلى الإجراءات الإدارية المعقدة كعقبة رئيسية، مع تنسيق جاري مع الوزارات المعنية لتذليلها.
كما أبرز أن إبرام اتفاقيات تجارية مع دول الجوار والاتحاد الأوروبي يمثل بديلاً فعالاً عن الدعم المباشر، مع السعي لإعادة تفعيل الاتفاقيات المتوقفة منذ 15 عاما في مجالات التعاون، والعبور الجمركي، والترانزيت.
حيث يعكس هذا التوجه تحولاً استراتيجيا نحو اقتصاد منفتح يعتمد على تهيئة البيئة التشريعية والمؤسسية، بدلاً من الإعانات المالية المباشرة في ظل ضغوط الموازنة العامة.
يهدف هذا المقال إلى تقديم تحليل معمق لهذه المعوقات، مدعوما ببيانات حديثة وتصريحات رسمية، مع مقارنة بتجربة رواندا الناجحة في مرحلة ما بعد الصراع، واستخلاص توصيات عملية تشمل جداول زمنية مقترحة وآليات تنفيذية.
المعوقات الرئيسية للصادرات السورية في 2026:
تُشكل البيروقراطية الإدارية العائق الأولي والهيكلي الأبرز. فالتأخير في إصدار التراخيص، والاعتماد المستمر على النظام الورقي في الإحصاءات والجمارك، والتداخل بين الجهات المعنية – مثل هيئة تنمية ودعم الصادرات، ووزارة التجارة الخارجية، وهيئة المنافذ البرية والبحرية – ترفع تكاليف التصدير بشكل كبير، خاصة بالنسبة للمنتجات الزراعية والغذائية القابلة للتلف.
وكما أكد المدير العام للهيئة أن هذه العقبات تتفوق على آثار العقوبات السابقة من حيث التأثير الفعلي على القدرة التنافسية، مما يجعل المنتج السوري أقل جاذبية أمام منتجات دول الجوار مثل تركيا والأردن.
كما يساهم تأخر إصدار إحصاءات الصادرات لعام 2025 – بسبب الاعتماد على النظام الورقي – في ضعف التخطيط الاستراتيجي وانخفاض ثقة الشركاء التجاريين.
ورغم رفع معظم العقوبات الشاملة، بما في ذلك إصدار الترخيص العام GL 25 في مايو 2025 لتسهيل المعاملات مع المؤسسات السورية، تبقى تحديات مالية ولوجستية متبقية، مثل صعوبات التحويلات البنكية الدولية، والوصول الكامل إلى الأسواق الأوروبية، والتعامل مع التصنيف كدولة راعية للإرهاب الذي لا يزال قيد المراجعة.
ويجري دراسة هذه الآثار بالتعاون مع وزارة التجارة الخارجية، مع مراسلات أولية مع الاتحاد الأوروبي لتخفيض الرسوم الجمركية.
من ناحية أخرى، تظل التحديات اللوجستية كبيرة؛ فسورية تعتمد على معابر برية محدودة مثل نصيب مع الأردن وباب الهوى مع تركيا، مع تأخيرات جمركية تؤدي إلى تلف البضائع وزيادة التكاليف.
ويفاقم نقص الطاقة والمياه ارتفاع تكاليف الإنتاج، مما يجعل المنتج السوري أقل تنافسية مقارنة بالمنافسين الإقليميين.
التوجه نحو الاتفاقيات التجارية كبديل استراتيجي:
إن التحول نحو اقتصاد منفتح يتطلب الابتعاد التدريجي عن الدعم المباشر – الذي كان يصل في بعض الفترات إلى نسب 15-20% – والتركيز على اتفاقيات تجارية تخفض الرسوم الجمركية وتسهل العبور.
وفي السياق الحالي، يتقدم العمل على إعادة تفعيل اتفاقيات الترانزيت مع تركيا، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم في يونيو 2025 واتفاق عبور في نوفمبر 2025 ينهي إعادة التحميل عند الحدود، مع خطة لتشغيل ممر بري كامل يربط تركيا بسورية فالأردن فدول الخليج بحلول نهاية 2026. كما من الجيد أنه تم تشكيل لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة مع تركيا (JETCO) في أغسطس 2025 لتحديث اتفاقية التجارة الحرة لعام 2004.
وتجري مراسلات أولية مع الاتحاد الأوروبي لتخفيض الرسوم الجمركية، مع اجتماعات مرتقبة خلال العام الحالي.
حيث تبدو هذه الاتفاقيات أنها ستقلل بشكل ملحوظ تكاليف النقل – من أسابيع عبر قناة السويس إلى أيام عبر الطرق البرية – وستعزز الوصول إلى أسواق الخليج والأردن، مما يفتح آفاقًا جديدة للمنتجات السورية.
تجارب دول ما بعد الصراع.. دروس من رواندا (1994-2025):
توفر تجربة رواندا نموذجاً ناجحا للتحول الاقتصادي بعد الإبادة الجماعية عام 1994. حققت رواندا نموا مستداماً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 8-9% سنويا على مدى العقدين الأخيرين.
وفي عام 2022 بلغت قيمة الصادرات 2.99 مليار دولار (بزيادة 38.5% عن 2021)، وارتفعت في 2023 إلى 3.58 مليار دولار (بزيادة 19.73%). وفي الربع الرابع من 2024، سجلت الصادرات المحلية زيادة بنسبة 69.7% مقارنة بالعام السابق.
كما ساهمت حملة "Made in Rwanda" في زيادة إيرادات الشركات المستفيدة بنسبة 50%، وزيادة التوظيف الدائم بنسبة 30%، وزيادة احتمالية التصدير بنسبة 10 نقاط مئوية خلال عامين فقط (من خلال صندوق نمو الصادرات EGF بين 2016-2022).
واعتمدت رواندا على رقمنة الإجراءات الإدارية، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة، وشراكات دولية لجذب الاستثمارات، مع تنويع الصادرات نحو الزراعة (القهوة والشاي) والمعادن والسياحة، حيث ارتفعت صادرات الخدمات بنسبة 171.3% في 2022.
في السياق السوري، يمكن تطبيق دروس رواندا من خلال إطلاق حملة وطنية تحت شعار "صُنع في سورية" لتحسين جودة المنتجات وتسويقها دوليا، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة في اللاذقية أو طرطوس لتسهيل التصدير البحري، ورقمنة الإجراءات الجمركية والإحصائية لتقليل التأخيرات.
تقدير التأثير المحتمل للإصلاحات:
في حال استمرار الوضع الحالي دون إصلاحات جذرية كبيرة، يمكن توقع زيادة محدودة في قيمة الصادرات تصل إلى 0.5-1 مليار دولار سنوياً بحلول عام 2028، مدفوعة أساسا باتفاقيات الترانزيت الحالية.
أما في سيناريو متوسط يشمل رقمنة الإجراءات وإبرام اتفاقيات مع الاتحاد الأوروبي، فيمكن توقع زيادة تتراوح بين 2-3 مليارات دولار سنويا، من خلال تقليل التكاليف بنسبة 20-30% خلال 18-24 شهرا.
وفي سيناريو تفاؤلي يجمع بين حملة "صُنع في سورية" وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، قد تتجاوز الزيادة 4 مليارات دولار سنويا، شريطة تنفيذ إصلاحات جذرية وشراكات دولية فعالة.
خاتمة:
من خلال ماسبق فإننا في المكتب الاقتصادي لـ تيار المستقبل السوري نوصي بالآتي:
أولاً، البدء بإصلاح بيروقراطي جذري خلال 12-18 شهرا، يشمل رقمنة كاملة للإجراءات الجمركية والإحصائية، وتوحيد الصلاحيات بين الهيئات المعنية، وتقليل عدد الإجراءات الإدارية بنسبة 50% على الأقل.
ثانياً، تسريع إبرام وتنفيذ الاتفاقيات التجارية خلال 2026-2027، مع أولوية لتشغيل ممر الترانزيت البري الكامل بين تركيا وسورية والأردن ودول الخليج بحلول نهاية 2026، وإنهاء المراسلات مع الاتحاد الأوروبي لتخفيض الرسوم الجمركية.
ثالثاً، تقديم دعم غير مباشر من خلال حوافز ضريبية لمدة خمس سنوات، وبرامج تدريب متخصصة على معايير الجودة والشهادات الدولية.
رابعا، تنويع الصادرات عبر دعم القطاعات الزراعية والصناعات التحويلية، وإنشاء مناطق اقتصادية خاصة في المناطق الساحلية.
خامسا، تعزيز الشراكات الدولية من خلال جذب استثمارات من دول الخليج والحصول على دعم فني من منظمات الأمم المتحدة لتطوير البنية التحتية.
إن معوقات التصدير السوري، وعلى رأسها البيروقراطية الهيكلية، تتطلب تحولاً جذرياً نحو اقتصاد منفتح يعتمد على اتفاقيات تجارية فعالة وبيئة أعمال محفزة.
ونرى بتجربة رواندا اثباتا عمليا أن الإصلاح المؤسسي السريع والانفتاح الاستراتيجي يمكن أن يحول دولة ما بعد الصراع إلى نموذج تنموي ناجح. كما نرى أنه بتنفيذ التوصيات المقترحة بشكل منسق وفي جداول زمنية واضحة، يمكن لسورية تحقيق نمو صادرات مستدام يدعم الاكتفاء الذاتي النسبي، يعزز الاستقرار الاقتصادي، ويبني أساسا متينا لمستقبل اقتصادي قوي يعيد للوطن دوره في المنطقة والعالم.
المراجع:
- هيئة تنمية ودعم الصادرات، تصريحات منهل فارس، 22 يناير 2026 (syria.tv).
- مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، الأمر التنفيذي EO 14312 وإلغاء قانون قيصر، 2025-2026.
- تقارير البنك الدولي، مكتب الإحصاء الوطني الرواندي (NISR)، وتقرير هيئة التنمية الرواندية (RDB) السنوي 2022-2024.
- اتفاقيات الترانزيت: Turkish Minute، Gulf News، عنب بلدي، 2025.