في سياق التحولات الاقتصادية السريعة التي تشهدها سورية عقب اقتراب استعادة السيادة الكاملة على أراضيها، تعلن وزارة الطاقة السورية في 19 يناير 2026 عن توقيع اتفاقيات مع شركات خاصة محلية ودولية لاستثمار وتسويق الفوسفات، الذي يشكل مورداً استراتيجياً رئيسياً في محافظات تدمر والخبيسة وجبلة، بهدف تطوير المناجم، تحسين عمليات الاستخراج، وتعزيز التسويق العالمي لزيادة الإيرادات الوطنية.
يرى تيار المستقبل السوري في هذه الاتفاقيات خطوة أولية نحو تنشيط القطاع الاستخراجي، حيث أكد الإعلان الرسمي على أنها جزء من استراتيجية الدولة لاستعادة الثروات الطبيعية، مع التركيز على زيادة الإنتاج الذي كان يصل إلى حوالي 1.5 مليون طن سنوياً قبل الحرب، لكنها تفتقر إلى الشفافية اللازمة في تفاصيل الشراكات، مثل قيمة الاستثمارات، ونسب التوزيع الإيرادي، وآليات الرقابة المالية، مما يثير مخاوف من مخاطر الاحتكار أو الاستغلال غير المتوازن للموارد غير المتجددة.
يربط تيار المستقبل السوري هذا الإعلان ارتباطاً وثيقاً بالاتفاق التاريخي مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 18 يناير 2026، مما يوفر إطاراً اقتصادياً أوسع لاستغلال الموارد، إلا أننا نرى عدم تضمين ضمانات بيئية صارمة أو آليات لتوزيع الإيرادات بشكل عادل، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية مثل التضخم المرتفع والأزمات المعيشية التي تعيق التنمية المستدامة.
يدعو تيار المستقبل السوري إلى الانتقال الفوري من نموذج الاعتماد على الإيرادات الريعية إلى اقتصاد منتج متنوع، يركز على المصلحة الوطنية، مع التأكيد على أن استثمار الفوسفات يمكن أن يساهم في تعزيز الناتج المحلي الإجمالي (GDP) من خلال سلسلة القيمة المضافة، لكنه يحتاج إلى إصلاحات هيكلية لتجنب مخاطر "لعنة الموارد" التي قد تعمق الفجوات الاجتماعية إذا لم تُدار بكفاءة مالية.
يؤكد تيار المستقبل السوري أن المرحلة الانتقالية تتطلب رؤية اقتصادية نقدية تراعي التحديات مثل تدهور البنية التحتية والتأثيرات البيئية للاستخراج، ويدعو إلى بناء ثقة من خلال إجراءات شفافة مثل نشر تقارير مالية دورية وفق معايير الشفافية الدولية (مثل مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية EITI)، كما وننتقد الغموض في الإعلان الذي قد يعرض الاقتصاد لمخاطر التقلبات السعرية العالمية في أسواق الأسمدة.
يقترح تيار المستقبل السوري بمجموعة من التوصيات الاقتصادية نراها لتحقيق نمو مستدام:
- إنشاء هيئة رقابة مالية مستقلة لقطاع الموارد الطبيعية، تضم خبراء اقتصاديين وممثلين عن المجتمعات المحلية، لمراقبة الشراكات الاستثمارية وضمان تطبيق مبادئ التنمية المستدامة، مع التركيز على تقييمات التأثير البيئي (EIA) لتقليل مخاطر التلوث في مناطق الاستخراج مثل تدمر.
- تطوير استراتيجية تنويع اقتصادي تعتمد على عوائد الفوسفات كرأس مال أولي لتمويل قطاعات ناشئة مثل الطاقة المتجددة والزراعة الذكية، من خلال إنشاء صندوق سيادي وطني (Sovereign Wealth Fund) يستثمر في الأصول الإنتاجية لتحقيق عوائد طويلة الأجل وتقليل الاعتماد على التصدير الخام.
- إطلاق برامج تدريبية وتكنولوجية متخصصة للشباب في مجالات الاستخراج والتكرير، بالشراكة مع جامعات دولية، لرفع كفاءة سلسلة التوريد وإنشاء صناعات تحويلية محلية للفوسفات، مما يعزز التوظيف ويقلل من الهجرة الاقتصادية، مع ربطها بمؤشرات أداء رئيسية (KPIs) لقياس الإنتاجية.
- تعزيز اللامركزية الاقتصادية من خلال تخصيص نسبة من الإيرادات للتنمية المحلية في المحافظات المنتجة، مثل استثمار في مشاريع البنية التحتية الخضراء، لتحقيق توازن في التوزيع الإقليمي ومنع التركز الاقتصادي في العاصمة، مع دراسات جدوى اقتصادية لضمان العائد على الاستثمار (ROI).
- بناء شراكات دولية استراتيجية مع منظمات مثل البنك الدولي للحصول على تمويلات انتقالية، مع التركيز على نماذج الشراكة العامة-الخاصة (PPP) التي تضمن السيادة الوطنية، وإجراء مراجعات دورية للتقلبات في أسعار السلع العالمية لتعديل السياسات المالية.
يحذر تيار المستقبل السوري من مخاطر التدخلات الخارجية في قطاع الموارد، ويؤكد التزامه بدعم الجهود الوطنية لبناء اقتصاد سوري مرن وقادر على المنافسة العالمية، قائم على المواطنة والعدالة الاقتصادية، وندعو جميع الأطراف – الحكومة، الشركات، المجتمعات المدنية والأهلية – إلى الانخراط في هذا المسار لتحويل التحديات إلى فرص نمو مستدامة.