وُلد راشد باشا مردم بك في دمشق لأسرة ثرية وعريقة من آل مردم بك، عُرف أبناؤها بالتجارة والعمل السياسي في زمن الحكم العثماني.
درس القانون في معهد الحقوق في إسطنبول، وتزوّج من ابنة الشيخ محمد المنيني مفتي دمشق في أواخر القرن التاسع عشر.
بدأ مسيرته في العمل العام عضواً في مجلس دمشق البلدي، ثم قاضياً في محكمة الاستئناف، ولاحقاً في محكمة الصلح، جامعاً بين التكوين القانوني والمكانة الاجتماعية والنزعة الوطنية المبكرة.
في حزيران عام 1913 شارك في المؤتمر العربي الأول في باريس، الذي طالب بتوسيع المشاركة السياسية للعرب داخل مؤسسات الدولة العثمانية، وباعتماد نظام إداري لا مركزي للولايات العربية.
كان من أبرز الأصوات المطالبة بحفظ مكانة اللغة العربية في مجلس النواب والمحاكم العثمانية، والسعي لإقرارها لغة رسمية في السلطنة.
جاء هذا المؤتمر في مرحلة مفصلية أعقبت وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم، والتي حاولت استيعاب بعض المطالب العربية بإدخال شخصيات عربية إلى مجلس الأعيان، في محاولة لاحتواء تنامي الوعي القومي.
مع نهاية الحرب العالمية الأولى وانسحاب الجيش العثماني من دمشق في أيلول 1918، دخلت سورية مرحلة تأسيس الدولة الوطنية.
بايع السوريون الأمير فيصل بن الحسين حاكماً عربياً، ثم تُوّج ملكاً في الثامن من آذار 1920.
وفي تلك المرحلة، شارك راشد مردم بك مع عبد الرحمن باشا اليوسف في تأسيس الحزب الوطني السوري، الذي دعا إلى توحيد البلاد السورية وإقامة نظام ملكي دستوري حديث.
لم يدم عهد الملك فيصل طويلاً، فسقط بعد معركة ميسلون وفرض الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان.
وقبيل مغادرة فيصل دمشق، شُكّلت آخر حكومة في عهده، فكان عبد الرحمن باشا اليوسف رئيساً لمجلس الشورى، وعيّن راشد مردم بك عضواً فيه ممثلاً عن دمشق.
في مطلع الحكم الفرنسي، تولّى راشد مردم بك رئاسة مصلحة الأوقاف في دولة دمشق، التابعة آنذاك لمكتب حاكم الدولة حقي العظم، قبل أن تتحول لاحقاً إلى وزارة مستقلة.
وقد مثّل هذا الموقع امتداداً لدوره في إدارة الشأن العام ضمن ظروف سياسية معقدة فرضها الاحتلال، مع الحفاظ على حضور وطني في مؤسسات الإدارة.
في آذار 1924، شارك في تأسيس جمعية الخلافة السورية التي ظهرت في دمشق عقب إلغاء منصب الخلافة في إسطنبول.
هدفت الجمعية إلى البحث عن صيغة تحفظ وحدة المرجعية الروحية للعالم الإسلامي بعد إلغاء الخلافة، وضمت نخبة من أعيان دمشق، من بينهم مفتيها الشيخ عطا الله الكسم، والوزير بديع مؤيد العظم، ونقيب الأشراف الشيخ أحمد الحسيبي، والأمير محمد سعيد الجزائري.
عكست هذه المبادرة قلق النخب السورية آنذاك على هوية المنطقة السياسية والروحية في مرحلة إعادة رسم الخرائط.
في أواخر العشرينيات اعتزل راشد مردم بك العمل السياسي، وتفرغ للقضاء وإدارة أملاك أسرته التي كان ناظراً عليها، حتى وفاته في دمشق عام 1946 عن عمر ناهز السادسة والسبعين عاماً.
ووري الثرى في مدافن الأسرة المردمية في مقبرة الباب الصغير، حيث ترقد أسماء من صنعوا تاريخ دمشق السياسي والاجتماعي.
موقف تيار المستقبل السوري:
إننا في تيار المستقبل السوري، إذ نستذكر رجالات الدولة المؤسسين لسورية، نستحضر راشد باشا مردم بك بوصفه أحد رموز الاستقلال وأعلام الدولة السورية الأولى، ورجلاً جمع بين القانون والسياسة والعمل الوطني في مرحلة التأسيس.
تأتي هذه المادة ضمن سلسلة رموز وأعلام الدولة السورية، في إطار مشروع توثيقي يهدف إلى ربط حاضرنا الثوري بماضٍ وطني صلب، وإحياء الحاجة إلى صناعة رجال دولة يحفظون الوطن، ويصونون مكتسباته، ويعيدون للدولة السورية عزّها ومجدها بعد عقود من الاستبداد والفساد.